المتكلمين، من البصريين، والبغداديين: إلى أن التعبد بخبر الواحد لا يجوز عقلًا، ثمَّ قال بعد هذه المسألة: قد بَيَّنا فسادَ قول مَنْ منع منه مِن جهة العقل. فأما القائلون بجواز العمل بمقتضاه، فقد ذهب بعضُهم إلى المنع مِن العمل به، لأن العادة لم تَرِدْ بذلك. قالوا: وقد ورد السمعُ أيضًا بالمنع، وهو قولُ نفرٍ من المتكلمين، وبعضُ أصحاب الظاهر كالقاشاني وغيره.
فإذا عرفت هذا، فلنتكلم على فوائد:
الفائدة الأولى: أنه لا يشترط الإحاطة بالأخبار، والدليل عليه وجوه:
الحجة الأولى: إنه لو وجبَ معرفةُ جميع الأخبار الصِّحاح، لبطل التكليف بالاجتهاد، لكنَّ التكليفَ به معلوم، فما أدى إلى بطلانه، فهو باطل. وبيانُ الملازمة أنه لا طريق للمكلف إلا بالعلم بأنَّه لم يبق حديثُ واحد عند أحد من أهل العلم في جميع أقطار الإسلام إلا وقد أحاط به علمًا، والذي يدلُّ عليه أنه لا طريق له إلى العلم بذلك أن نهاية الأمر أن يطلبَ فلا يَجِدُ، ولكن ليس عدم الوُجدانِ يدُلُّ على عدمِ الوجود.
الحجة الثانية: حديثُ معاذ -﵁- وفيه: أن رسول الله -﵌- لَمَّا أراد بَعْثَهُ إلى اليمن واليًا وقاضيًا -قال له﵇-: " بمَ تحكم؟ " قال: بكتاب اللهِ. قال: " فإن لم تجد؟ " قال: فَبسُنَّةِ رسولِ اللهِ. قال: " فإن لم تجد؟ " قال: اجتهدت رَأَيي. فقال -﵇-: " الحمد لله الذي وَفَّقَ رسولَ رسول الله لما وَفَّقَ له رسوله " (١).
_________________
(١) تقدم تخريجه والكلام عليه ص ٢٥٨.
[ ١ / ٢٨١ ]