فَدَلَّ هذا الحديثُ على ما قلناه أوضحَ دلالةٍ، لأنَّهم اجتهدوا مع فقد النَّص في حضرة الرسول - ﷺ -، وقرَّرَهم، ولم يُخْبرهم بتحريمِ ِذلك في حضرته، ولا في غيرها، فَدَلَّ على الجوازِ، والله أعلم.
الحجة الخامسة: أنَّ العلمَ بجميع النصوص إنَّما يجب لو وجب، لترجيح القول: بأنَّ العَمَلَ بالظنِّ حرامٌ، ولو حَرُمَ العملُ بالظن، لحرم العملُ بخير الواحد، وحينئذ لا يجبُ العلمُ (١) بشيءٍ من أخبار الآحاد، فكان في تصحيح هذا القولِ إبطالُهُ، وفي هذا بحثٌ تركتُهُ اختصارًا، والأدلَّةُ على هذا كثيرة فلا نُطَوِّلُ بذكرها.
الفائدة الثانية: في بيان ألفاظِ العلماء، ونصوصهم الدالة على ما قلنا، وذلك ظاهر شائع، والتعرُّضُ لنقل ألفاظهم في ذلك يُفضي بنا إلى باب واسع، ولكن نُشير إلى نُبْذةٍ يسيرة مِنْ كلامِ بعض الأئمة والعلماء، فَمِن ذلك قولُ الإمام المنصور بالله (٢) -﵇- في " صفوة الاختيار " في صفة المجتهد: ويجب أن يكونَ عارفًا بطرَفٍ مِن الأخبار المرويِّة عن
_________________
(١) = المصنف رحمه، وأخرجه أحمد ١/ ٩٨ و٩٩، و١١٥، وأبو داود (٢٢٨٠) والترمذي (١٩٠٤) والطحاوي في " مشكل الآثار " ٤/ ١٧٣، ١٧٤، والبيهقي ٨/ ٦ والحاكم ٣/ ١٢٠، والخطيب في " تاريخه " ٤/ ١٤٠، ورواه الطبراني عن أبي مسعود البدري كما في " المجمع " ٤/ ٣٢٣، ورواه العقيلي في " الضعفاء " لوحة ٤٧٢ عن أبي هريرة وضعفه يوسف ابن خالد السمتي، ورواه ابن سعد في " الطبقات ٤/ ٣٥ - ٣٦ عن محمد بن علي مرسلًا ورجاله ثقات.
(٢) في (ب) لا يجب العمل العلم.
(٣) هو عبد الله بن حمزة بن سليمان بن حمزة أحد أئمة الزيدية في اليمن ومن علمائهم وشعرائهم بويع له سنة ٥٩٣ هـ وتوفي سنة ٦١٤ هـ وله عدة مصنفات انظر وصفها في فهرس الجامع الكبير بصنعاء ص ١١١ و١٢٩ و٢١٧ و١٤٥ و١٢٩ و٧٥ و٧٦ و٥٩٠ و٥٩١ و٢٥٦ و١٦٧ و٢٥٧ و١٦٨ و٣٦٦ و١٧٣ - ١٧٦ و١٧٩ و١٨٠ و٢٠٩ و٢٩٠ و٢٠٥ و١٢٤.
[ ١ / ٢٨٦ ]
النبي - ﷺ -. فهذا نَصُّهُ -﵇- كما ترى مفصحًا بأنه لا يجب إلا معرفةُ طرَفٍ مِنَ الأخبار، والمعلوم أنَّ كل الأخبار لا تُسمى طرفًا لها، بل الظاهرُ أنَّ نِصفَ الشيء لا يُسمى طرفًا له.
وكذلك قال صاحب " الجوهرة " (١) التي هي مِدْرَسُ الزيدية في الأصول: إنه يجب أن يكونَ عارفًا بطرف من الأخبار الفقهية -بهذا اللفظ- ولم نعلم أن أحدًا اعترضه في ذلك، مع كثرة الدرسِ والتدريس في هذا الكتاب، واعتناءِ النُّقاد من علماء الزيدية بتحقيقه.
وقال الإمام يحيى بنُ حمزة (٢) -﵇- في كتاب " المعيار " في صفة المجتهد -ما لفظه- وأما السُّنَّة، فلا يلزم أن يكون حافظًا لها من ظاهر قلبه، بل لا بد أن يكون معتمدًا على كتاب منها يكونُ مُسْتَنَدًا له في فتواه.
_________________
(١) هو أحمد بن محمد الرصاص كما صرح به المؤلف فيما بعد، ترجمه الجنداري في تراجم الرجال ص ٥، وأرخ وفاته سنة ٦٥٦ هـ، واسم كتابه " جوهرة الأصول وتذكرة الفحول " ومنه نسخة خطية بالجامع الكبير بصنعاء كما في الفهرس ص ٣٢٨ كتبت سنة ٧٨٩ هـ. وقد كرر صاحب معجم المؤلفين ترجمته فنسبه في الأولى ١/ ١٩١ إلى جده الحسن، ونسبه في الثانية ٢/ ٩٠ إلى أبيه.
(٢) هو يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم الحسيني العلوي الطالبي من أكابر أئمة الزيدية وعلمائهم في اليمن، صنف التصانيف الكثيرة الحافلة في جميع الفنون، وكان - كما قال الشوكاني في البدر الطالع ٢/ ٣٣٢: له ميل إلى الإنصاف مع طهارة لسان، وسلامة صدر، وعدم إقدام على التكفير والتفسيق بالتأويل، ومبالغة في الحمل على السلامة على وجه حسن، وهو كثير الذب عن أعراض الصحابة المصونة ﵃، وعن أكابر علماء الطوائف ﵏. قلت: وهو صاحب كتاب " الطراز المضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الاعجاز " المطبوع في ثلاث مجلدات في مصر سنة ١٩١٤ بتصحيح سيد بن علي المرصفي.
[ ١ / ٢٨٧ ]
وقال الشيخ أبو الحسين في كتاب " المعتمد " (١) فيمن يجوز له أن يقضي بظاهر الخِطاب وعمومه: والواجبُ أن يقال: إنَّ منْ كان مِن أهل الاجتهاد، إذا لم يجد ما يَعْدِلُ بالحكم عن ظاهره، فالواجب أن يحمِلَه على ظاهره في تلك الحال، لأنه قد كُلِّفَ الاستدلالَ به، إما ليُفتيَ غيرَه وإما لِيُفتي نفسَه وغيرَه، فلا يجوز أنْ لا يُجْعَلَ له طريقُ إلى ما كُلِّفَ، سواء انتشرت السنن أو لم تنْتَشِرْ، إلا أنَّه إن لم تنتَشِرِ السُّنن، قطع المكلَّفُ أنه فرضهُ في الحال، وفرضُ مَنْ يستفتيه العملُ بظاهر ذلك الخطابِ. وجُوَّز أن يكونَ في السنن ما يعْدِلُ بالخطاب عن ظاهره، وإذا بلغه تلك السنة تغيَّر فرضُهُ. ولهذا يجبُ أن يجوز منْ عاصر النبي - ﷺ - ممَّن غاب عنه، أن يكونَ ما يلزمُهُ مِن العبادات قد نسخه النبي - ﷺ -. وإن لم يبلغ النسخ بعدُ، وأنَّه إذا بلغه النسخ، تغيَّر فرضُه، وتغيَّر فرضُ القياس عليه. انتهى.
فإن قلت: إن كلام الشيخ أبي الحسين هذا إنما هو في الحُكم قبلَ انتشار السُّنَنِ، فما الحكمُ عنده بعد انتشارها؟
قلتُ: قال أبو الحسين في " المعتمد "، قبل هذا الكلام ما لفظه: فإن كانَتْ قدِ انتشرت كعصرنا هذا، فالواجبُ أن يقضِيَ بعموم الخطاب، وثبوتِ حُكمه، لأن السنن ظهرت ظهورًا لا يخفي معه على من التمسها.
ولم يختلِفْ قول أبي الحسين -أن هذا حكم المجتهد بعد انتشارِ السنن- وإنما اختلف قولُهُ في حكمه قبل الانتشار، فقال مرة: لا يجوز له أن يقضيَ بالظاهر والعموم، لِعدم معرفته بالسنن، ثم رجع عن هذا القول إلى ما قدمنا من كلامه، واحتج بحديث معاذ، إِذ هو واضح الدَّلالة في
_________________
(١) ٢/ ٩٢٦.
[ ١ / ٢٨٨ ]
المسألة، واحتج بالنظر المقدَّم، وكلامهُ هذا في من لم يلزمه التكليفُ بما ينظُر فيه، ولا تناوله الخِطابُ، كالرجل ينظر في أحكام الحيض ونحوه مما لا يتعلق به. وأما إذا تناوله التكليفُ مثل من ينظر في أمرٍ، يختصُّ به، فإن أبا الحسين قطع القولَ فيه على أنه يجوز له العمل بالعموم والظاهر بعد أن يطلب فلا يجد. وقال في الاحتجاج على هذا ما لفظه: لأنه لا يجوزُ أن يسمعه الله خطابًا عامًا، وُيريد منه فهمَ مراده، ولا يُمكنه مِن العلم بمراده بنصب دلالةٍ يتمكَّن من الظَّفَرِ بها، فإذا فَحَصَ، فلم يُصب الدّلالة، قطع على أَن الله لم يرد الخصوص. انتهى.
وقال الفقيه علي بن يحيى الوشلي (١) -﵀- في شرح قوله في " اللمع ": وقال أبو العباس: لا تكون عالمًا بما تقضي حتى تكونَ عالمًا بكتاب الله وسنة رسولِ الله - ﷺ -. قاله في كتاب " أدب القاضي ".
قال الفقيه -﵀- ما لفظه: قال الغزاليُّ: وحَدُّ ذلك أن يعلمَ من الكتاب مما يتعلَّق بالأحكام الشرعية، وهو قدر خمس مئة آية، ويكونَ بظهر الغيب بحيث إذا عرضت الحادثة، أمكنه الرجوعُ إلى موضعها.
قلت: قوله " بظهر الغيب " فيه تسامح في العبارة، لأنه أراد أن يكون قريبًا مِن الغيب لكثرة درسها، وأنه لا يجب غيبُها بدليل قوله: بحيث إذا عرضت الحادثة أمكنه الرجوع إلى موضعها. وبدليل أنه حاكٍ لِكلام الغزَّالي وكلام الغَّزَّالي مشهور نصّ فيه على أنه لا يجبُ الغَيْبُ، وقد حكاه " السَّيِّد " عن الغزالي في كتابه على الصَّواب.
قال الفقيه علي بن يحيى الوشلي: وَمِن السُّنّة " المُوطَّأ " أو
_________________
(١) تقدمت ترجمته في الصفحة ٢٧٤.
[ ١ / ٢٨٩ ]