فمِن المتواترات في ذلك، حديثُ: "منْ كذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتبؤَّأْ مَقْعدهُ من النَّارِ" (١). فشَرَط التعمد في الكذب عليه، الذي هو أعظمُ المفاسد، وإحدى الكبائر.
وهذا الحديثُ - قال زينُ الدين في كتابه في " علوم الحديث " (٢):
رواه بعضُ المحدثين، عن نيف وأربعين مِن الصحابة، فيهم العشرةُ ﵃. وبعضُهم عن نيف وستين، وصَنَّف المزِّي (٣) في طُرُقهِ: جزئين، فرواه عن مئة صحابي واثنين. وروي عن بعض المحدثين: أنَّه رواه مئتان من الصحابة.
وعلى الجملة إنه متواتر، وبعدَ التواتر يستوي كَثْرَة العدد وقِلَّتُه، إذ
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٨) ومسلم (٥) عن أنس، ورواه غيرهما عن الجم الغفير من الصحابة رضوان الله عليهم، وليراجع تخريجه في " الجامع الصغير " للسيوطي و" نظم المتناثر " ومقدمة " الموضوعات الكبرى " لعلي القاري.
(٢) الموسوم بـ " شرح الألفيه " ٢/ ٢٧٥ - ٢٧٧، وزاد بعد قوله: رواه مئتان من الصحابة قوله: وأنا أستبعد وقوع ذلك، وزين الدين لقبٌ للحافظ العراقي، واسمه: عبد الرحيم بن الحسين، توفي سنة ٨٠٦ هـ، وله في المصطلح أيضًا " التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من مقدمة ابن الصلاح "، وهو صاحب " المغني " في تخريج أحاديث " إحياء علوم الدين " ويجب على كل من يقرأ كتاب " الإحياء " أن ينظر في تخريج الحافظ العراقي هذا، فإن في الإحياء كثيرًا من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وما لا أصل له.
(٣) هو الإمام الحافظ النقاد جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف القضاعي ثم الكلبي الدمشقي المزي صاحب التواليف العظيمة في الرجال والحديث المتوفى سنة (٧٤٢) هـ، وقد باشرت مؤسسة الرسالة بطبع كتابه الموعب في تراجم رجال الكتب الستة المسمى بـ " تهذيب الكمال " وقد صدر منه أربعة مجلدات، بتحقيق الدكتور بشار عواد، وبمراجعتي وتخريج أحاديثه والنية متجهة إلى إخراج بقية الأجزاء تباعًا بأسرع وقت، يَسَّر الله الأسباب وأزال العوائق، وكتابه العظيم " تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف " قد تمَّ طبعُه بثلاثة عشر مجلدًا بإشراف الأستاذ الفاضل عبد الصمد شرف الدين، وقد جوده غاية التجويد، ويسره للباحثين وطلبة العلم، فجزاه الله خيرًا.
[ ١ / ١٩٠ ]
العلمُ الضروري لا تتفاوت قوته (١).
وَمِن ذلك حديثُ زيدِ بن ثابت (٢) مرفوعًا: " اللهُمَّ ما صلَّيتُ منْ صلاة، فعلى مَنْ صَلَّيْتُ، وما لَعنْتُ مِنْ لعْنةٍ، فَعلى منْ لعَنْتُ " (٣). مختصر من حديث فيه طول رواه أَحمد والحاكم. وهذا يَدُلّ على قبولِ هذه النية، ممن نواها فأخطأ، والله أَعلم.
وَمِن أَحسن ما يُحتج به في ذلك: حديثُ الذي أوصى أن يُحْرَقَ، ثم يُسْحَقَ، ثم يُذرى في البحر والبَرِّ، فإن الله إن قدَر عليه، عَذبَه عذابًا لا يُعذِّبُه أحدًا من العالمين. والحديث متواتر (٤)، وقد أدركته الرحمةُ مع جهله بقدرة اللهِ، وشكِّهِ في المعاد بخوفه (٥) وتأويله.
_________________
(١) الفقرة من قوله: وعلى الجملة .. إلى قوله: لا تتفاوت قوته. كانت في الأصل بعد قوله: والله أعلم. فنقلناها إلى هنا، لأنها ذات صلة بحديث: " من كذب عليَّ متعمدًا " المتواتر.
(٢) في (أ) و(ب): زيد بن أرقم، وهو خطأ، والصواب ما أثبتنا.
(٣) أخرجه أحمد ٥/ ١٩١ والحاكم ١/ ٥١٧ والطبراني في " الكبير " (٤٨٠٣) من طريق أبي المغيرة عن أبي بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب عن أبي الدرداء عن زيد بن ثابت، وصححه الحاكم فتعقبه الذهبي بقوله: أبو بكر ضعيف، فأين الصحة؟ وفي " التقريب ": ضعيف، كان قد سرق بيته فاختلط، ورواه الطبراني في " الكبير " (٤٩٣٢) من طريق عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح به، وعبد الله بن صالح هو كاتب الليث، سيىء الحفظ، وباقي رجاله ثقات.
(٤) رواه من حديث أبي سعيد الخدريِّ البخاريِّ (٣٤٧٨) و(٦٤٨١) و(٧٥٠٨) ومسلم (٢٧٥٧) وأحمد ٣/ ١٣ و١٧ و٦٩ و٧٧، ورواه من حديث حذيفة البخاريُّ (٣٤٥١) و(٦٤٨٠) وأحمد ٥/ ٣٩٥، ورواه من حديث أبي هريرة أحمدُ ٢/ ٢٦٩ و٣٤٠ ومالك ١/ ٢٤٠ ومسلم (٢٧٥٦) والنسائي ٤/ ١١٢، ١١٣ وابن ماجه (٤٢٥٥) والبغوي (٤١٨٣) و(٤١٨٤)، وأخرجه من حديث ابن مسعود أحمد ١/ ٣٩٨ وأخرجه من حديث أبي مسعود الأنصاري أحمدُ ٤/ ١١٨ و٥/ ٣٨٣، وهو في " المسند " ٥/ ٤٠٧ من حديث حذيفة وأبي مسعود معًا، وأخرجه من حديث معاوية بن حيدة أحمدُ ٤/ ٤٤٧ و٥/ ٣، ٤ والدارمي ٢/ ٣٣٠.
(٥) في (أ): لخوفه.
[ ١ / ١٩١ ]