المتينة. فهذا البحر -وهو الزَّخّار- يحتاجُ مِنَ السُّحبِ إلى مدَدٍ، والبدرُ -وهو النَّوَّار- يفتقر مِنَ الشمسِ إلى يَد. ومِنْ أين يتأتَّى ذلك، أو يتهيأ لي، وأنا في بَوادٍ خَوالي، وجبالٍ عوالي (١)، فَتَمَصَّصْتُ مِنْ بلل أفكاري بَرَضا، وما أكفي ذلك وأرضى، إذا كان طيبًا محضًا.
سامحًا بالقَليلِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ رُبَّمَا أقْنَعَ القَلِيلُ وأرْضى
ولكن هيهات لذاك، لا محيص لي عن أوفر نصيب من طَف الصَّاع، ولا يد لي منَ الانخداع بداعيةِ الطِّباع.
وقد سَلكتُ -في هذا الجواب- مسَالكَ (٢) الجدليِّينَ، فيما يُلْزِمُ الخصم على أصوله، ولم أتَعَرَّض في بعضه لبيان المختار عندي، وذلك لأجل التقية من ذوي الجهل والعصبية، فليتنبه الواقفُ عليه على ذلك، فلا يجْعلْ ما أجَبْتُ به الخصم مذهبًا لي، ثم إني قد اختصرتُ هذا الكتاب في كتاب لطيف سَمَيْتهُ: " الروضَ الباسم " (٣). وهو أقلُّ تَقِيَّة مِن هذا، ولن يخلو، فالله تعالى المستعان.
" إنَّ هذا الدينَ بَدأ غريبًا، وَسيعُودُ غريبًا كما بدأ، فطُوبى للغرباء "
رواهُ مسلم، من حديث ابن عمر، ومِن حديث أبي هريرة معًا، وصححه الترمذيُّ من حديث ابن مسعود، وَحسَّنه مِنْ حديث عمرو بن عوف بنحوه، ورواه ابنُ ماجة مِنْ حديث أنس، ونحوه مِنْ حديث معاذ (٤).
_________________
(١) في هامش (أ) ما نصه: لأن الرسالة التي أجابها بهذا الكتاب، جاءته وهو مقيم ببادية خالية عن الكتب التي يحتاج المجيب إلى مطالعتها.
(٢) في (أ): مسلك.
(٣) وهو في مجلد لطيف، طبع بالمطبعة المنيرية، ثم صورته دار المعرفة سنة ١٣٩٩ هـ.
(٤) رواه من حديث أبي هريرة مسلمٌ (١٤٥) وابن ماجه (٣٩٨٦) وأحمد ٢/ ٣٨٩ =
[ ١ / ٢٢٥ ]
ثم وَجدتُ شيخَ الإسلام الأنصاري (١): قد روى مِنْ طريق أهل البيت عن عليٍّ -﵇- عن النبي - ﷺ -: " طلبُ الحق غُربة " (٢)
_________________
(١) = بلفظ: " بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء " ورواه مسلمُ (١٤٦) عن ابن عمر بلفظ: " إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، وهو يأرزُ بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها " ورواه الترمذي (٢٦٢٩) عن عبد الله بن مسعود وقال: هذا صحيح غريب، ورواه أيضًا (٢٦٣٠) والطبراني في " الكبير " (١٠٠٨١) والبغوي (٦٤) وابن ماجه (٣٩٨٨) والدارمي ٢/ ٣١١ و٣١٢ وأحمد ١/ ٣٩٨ من حديث عمرو بن عوف، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، كذا قال، مع أن في إسناده كثير بن عبد الله وهو ضعيف، لكنه قوي بشواهده، ورواه ابن ماجه (٣٩٨٧) عن أنس بن مالك وإسناده حسن، ورواه أحمد ١/ ١٨٤ عن سعد بن أبي وقاص وإسناده صحيح، ورواه أحمد ٢/ ١٧٧ و٢٢٢ عن عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ آخر انظر " مجمع الزوائد " ٧/ ٢٧٨ و١٠/ ٢٥٨، ورواه أحمد ٤/ ٧٣ عن عبد الرحمن بن سنة. ورواه الطبراني في " الكبير " (٥٨٦٦) وفي " الصغير " ١/ ١٠٤ والدولابي في " الكنى " ١/ ١٩٢ و١٩٣ عن سهل بن سعد الساعدي، وقال الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٢٧٨: ورجاله رجال الصحيح غير بكر بن سليم وهو ثقة، ورواه الطبراني في " الكبير " (١١٠٧٤) عن ابن عباس، وأورده الهيثمي في " المجمع " ٧/ ٣٠٩ ونسبه للطبراني في " الأوسط " و" الكبير " وقال: وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس، كذا قال ولا نعلم أحدًا من الأئمة المتقدمين وصفه بالتدليس سواه وإنما ضعفوه لسوء حفظه، ويغلب على الطن أنه وهم في ذلك ثم رأيت الحافظ ابن حجر تعقب الهيثمي في زوائده على مسند البزار ورقة ٢٩٧ تعليقًا على قوله في المجمع ٣/ ٢٧ و٥/ ١٨٩ على ليث: ثقة ولكن مدلس، فقال: ما علمت أحدًا صرح بأنه ثقة ولا وصفه بالتدليس، وانظر " نظم المتناثر " للكتاني ص ٣٤ و٣٥، وقد شرح هذا الحديث شرحًا موسعًا ثلاثة من الأئمة الأعلام: شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام الأصولي النظار أبو إسحاق الشاطبي " صاحب " الموافقات "، والحافظ الفقيه ابن رجب الحنبلي، ولكل واحدٍ مشربٌ في شرحه، وهي جديرة بأن تنشر في كتاب واحد، ولعلنا فاعلون إن شاء الله.
(٢) هو أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الهروي الحنبلي الصوفي، المتوفى سنة (٤٨١) هـ، وهو صاحب كتاب " منازل السائرين " الذي شرحه الإمام ابن القيم في ثلاث مجلدات ضخام، وقد تعقبه ﵀ في غير ما موضع، ونقده في أكثر من مسألة جانب فيها الصواب.
(٣) هذا الحديث رواه الهروي في " ذم الكلام " وهو غير مطبوع، ورواه ابن عساكر في " التاريخ " ٥/ ١٦١، في ترجمة حمزة بن محمد الجعفري، ففال: أخبرنا أبو القاسم عبد الواحد بن أحمد الهاشمي الصوفي، حدثنا أحمد بن منصور بن يوسف الواعظ الصوفي قال: =
[ ١ / ٢٢٦ ]