المجدّد الإسلامي، المصلح المجتهد المطلق، الحجّة الإمام
محمد بن إبراهيم الوزير
(٧٧٥ - ٨٤٠ هـ)
" تبَحَّرَ في جميع العلوم، وفاق الأقرانَ، واشتهر صيتُه، وبَعُدَ ذِكْرُه، وطار عِلْمُه في الأقطار.
لو قُلْتُ: إنَّ اليمنَ لم تُنْجبْ مثله لا أبعد عن الصواب وفي هذا الوصف ما لا يحتاج معه إلى غيره "
الإمام: محمد بن علي الشوكاني.
نسبه:
هو الإمامُ المجتهد المطلَق، المفَسِّرُ الحافِظُ، المُحَدِّثُ العلامة المُتْقِنُ الأصوليُّ الفقيه المُتَكَلِّمُ الحُجَّةُ، " محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتَضى، بن المفضَّل، بن منصور، بن محمد العفيف، بن المفضَّل، ابن الحجاج، بن علي بن يحيى، بن القاسم، بن يوسف، بن يحيى المنصور، بن أحمد الناصر، بن يحيى، بن الحُسين بن القاسم، بن إبراهيم، بن إسماعيل، بن إبراهيم، بن الحسن، بن الحسن السِّبْط، ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب " اشتهر بابن الوزير " اليمني " الصنعاني.
[ ١ / ١٠١ ]
مولده .. ووفاته:
وُلِدَ في شهر رجب عام ٧٧٥ هـ " بهجر الظهراوين من شظب " وتوفي في ٢٧ محرم عام ٨٤٠ هـ عن ٦٥ عامًا.
أساتذته:
في اللغة العربية: الهادي بنُ إبراهيم الوزير، ومحمدُ بنُ حمزة بن مظفر.
في علم الكلام: عليُّ بنُ عبد الله بن أبي الخير اليمني.
في علم أصولِ الفقه: عليُّ بن محمد بن أبي القاسم.
في علم التفسيرِ: عليُّ بنُ محمد بن أبي القاسم.
في علم الفروع: عبدُ اللهِ بن حسن الدواري وغيره من مشايخ صعدة.
في علم الحديث: عليُّ بنُ عبد الله بن ظهيرة بمكة المكرمة وفي غيرها نفيس الدين العلوي، ومن شيوخه: الناصرُ بنُ الإمام المطهر الحسني، ودرس على جماعة عدة.
تلامذته:
وقد تلمذ له الكثيرون مِن العلماء، وتسابقوا على ورود مَشْرَعِهِ الصافي، والمَوْرِدُ العذبُ كثيرُ الزِّحام، ونذكر من مشهوري تلاميذه:
محمدُ بن عبد الله بن الهادي الوزير، والإمام الناصر صلاح الدين محمد بن علي بن محمد، وعبدَ الله بن محمد بن المُطَهّر، وعبدَ الله بن محمد بن سليمان الحمزي.
[ ١ / ١٠٢ ]
مؤلفاته:
١ - العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، وهو أعظم كتبه، وأفضلها، تقوم بنشره دار البشير لأول مرة.
٢ - البرهان القاطع في إثبات الصانع وجميع ما جاءت به الشرائع .. مطبوع
٣ - التأديب الملكوتي .. مخطوط
٤ - التحفة الصفية في شرح الأبيات الصوفية .. مخطوط
٥ - الأمر بالعزلة في آخر الزمان .. مخطوط
٦ - إيثار الحق على الخلق .. مطبوع
٧ - ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان .. مطبوع
٨ - تنقيح الأنظار في علوم الآثار .. مطبوع
٩ - الحسام المشهور .. مخطوط
١٠ - واضحة المناهج وفاضحة الفوالج .. مخطوط
١١ - حصر آيات الأحكام الشرعية .. مخطوط
١٢ - الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم .. مطبوع
١٣ - قبول البُشرى بالتيسير لليُسرى .. مخطوط
١٤ - القواعد .. مخطوط
١٥ - مجمع الحقائق والرقائق في ممادح رب الخلائق .. طبع مختارات منه
١٦ - نصر الأعيان .. طبع مختارات منه
١٧ - التفسير النبوي .. مخطوط
ثناء العلماء عليه:
ترجم له الإمام الشوكاني، والسخاوي، والحافظ ابن حجر
[ ١ / ١٠٣ ]
العسقلاني، وصاحب مطالع البدور، والوجيه العطاب اليمني، والشريف الفاسي المالكي في كتابه " العقد الثمين ".
يقول عنه الشوكاني: " هو الإمامُ الكبيرُ، المجتهد المطلق، المعروف بابن الوزير .. قرأ على أكابرِ مشايخ "صنعاء"، "وصعدة"، وسائر المدن اليمنية و"مكة"، وتبحر في جميع العلوم، وفاق الأقرانَ، واشتهر صيتُه، وبَعُدَ ذكرُه، وطار علمُه في الأقطار " ..
ويصل الشوكاني إلى تلخيص رأيه فيه، فيقول:
" والحاصل أنه رجل عرفه الأكابرُ، وَجَهِلَه الأصاغرُ، وليس ذلك مختصًا بعصره، بل هو كايْن فيما بعدَه مِن العصور إلى عصرنا هذا، ولو قلتُ: إن اليمن لم تُنجِبْ مثلَه، لم أُبْعِدْ عن الصواب، وفي هذا الوصف ما لا يحتاح معه إلى غيره ".
وقال صاحب " مطالع البدور": " ترجم له الطوائفُ، وأقر له الموالف والمخالف ".
مكانته العلمية:
يقول عنه الشوكاني: " إن صاحب الترجمة لما ارتحل إلى " مكة "، وقرأ علمَ الحديث على شيخه " ابن ظهيرة " قال له: أي ابن ظهيرة:
" ما أحسن يا مولانا لو انتسبت إلى الإمام الشافعي، أو أبي حنيفة.
فَغضِبَ " ابنُ الوزير " وقال: " لو احتجتُ إلى هذه النسب، أو التقليدات ما اخترتُ غيرَ الإمام القاسم بن إبراهيم، أو حفيده الهادي ".
ثم قال الشوكاني: "إنه ممن يَقْصُرُ القلمُ عن التعريف بحاله وكيف
[ ١ / ١٠٤ ]
يُمْكِنُ شرحُ حال من يُزاحم أئمة المذاهب الأربعة فمن بعدهم من الأئمة المجتهدين في اجتهاداتهم .. ويُضايق أئمة الأشعرية والمعتزلة في مقالاتهم، ويتكلَّم في الحديث بكلام أئمته المعتبرين مع إحاطته بحفظ غالب المتون، ومعرفة رجال الأسانيد شخصًا وحالًا، وزمانًا ومكانًا .. وتبحره في جميع العلوم العقلية والنقلية على حد يَقْصُرُ عنه الوصفُ. ومن رام أن يَعْرِفَ حاله ومقدارَ علمه، فعليه بمطالعة مصنفاتِه، فإنها شاهد عدلٍ على علو طبقته، فإنه يسْرُدُ في المسألة الواحدةِ من الوجوه ما يبهر لُبِّ مطالِعه، وُيعَرِّفه بقصر باعه بالنسبة إلى علم هذا " الإمام " كما يفعله " في العواصم والقواصم "، فإنه يورد كلامَ شيخه السيد العلامة علي بن محمد بن أبي القاسم في رسالته التي اعترض بها عليه، ثم ينسفه نسفًا بإيراد ما يُزيفه به من الحجج الكثيرة التي لا يجد العالمُ الكبيرُ في قوته استخراج البعض منها، وهو في أربعة مجلدات يشتمِلُ على فوائد في أنواعٍ من العلوم لا توجد في شيء من الكتب. ولو خرج هذا الكتاب إلى غير الديار اليمنية لكان من مفاخر اليمن وأهله ولكن أبى ذلك لهم ما جبلوا عليه من غمط محاسن بعضهم لبعض ودفن مناقب أفاضلهم" ..
وقال عن مكانته العلمية أيضًا: " إنه إذا تكلَّم في مسألة لا يحتاج بعدَه الناظر إلى النظر في غيره من أي علم كان " ..
نثره وشعره:
يقول الإمام الشوكاني عنه: " كلامه لا يُشبه كلامَ أهلِ عصره ولا كلام مَنْ بعده، بل هو من نمط كلامِ ابن حزم، وابن تيمية، وقد يأتي في كثير من المباحث بفوائدَ لم يأت بها غيرُه كائنًا مَنْ كان ".
[ ١ / ١٠٥ ]
وديوان شعره مجلد، وشعره غالبه في التوسلات والرقائق، وتقييد الشوارد العلمية والمجاوبة لمن امتحن به من أهل عصره، فإن له معهم قلاقلَ وزلازلَ، وكانوا يثورون عليه ثورةً بعدَ ثورة، وينظمون في الاعتراض عليه القصائدَ، وأفضى ذلك إلى أن اعترض عليه شيخُه المتقدم ذكرُه برسالة مستقلَّةٍ فأجابه بما تقدم، " فكان يُجاوبهم ويصاولُهم، ويُحاولهم فيقهرهم بالحجة، ولم يكن في زمنه مَنْ يقوم له لِكونه في طبقة ليس فيها أحدُ من شيوخه فضلًا عن معارضيه .. والذي يغلب على الظن أن شيوخَه لو جُمِعُوا جميعًا في ذاتٍ واحدة لم يبلغ علمهم إلى مقدار علمه، وناهيك بهذا " ..
صور من نثره:
قال يصف الرسولَ والرسالة في مقدمة كتابه " الروض الباسم ":
" أما بعد، فإن الله لما اختار محمدًا ﵌ رسولًا أمينًا، ومعلمًا مبينًا، واختار له دينًا قويمًا، وهداه صراطًا مستقيمًا ارتضاه لجميع البشر إمامًا، وجعله للشرائع النبوية ختامًا، وأقسم في كتابه الكريم تبجيلًا له وتعظيمًا، فقال عز قائلًا كريمًا: ﴿فلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حرَجًَا مِمَّا قَضَيْت وَيسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .. ثم إنَّه ﷿ أثار أشواقَ العارفين إلى الاقتداء برسوله بكثرة الثناءِ عليهم في تنزيله مثل قوله في التعظيم لهم والتبجيل: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يجِدُونَه مكتُوبًا عِنْدَهُم في التَّورَاةِ والإنْجِيلِ﴾ .. إلى غير ذلك من الآيات الكريمة .. الشاهدة لمتبعيه بالطريقةِ القويمة. فلما وعت هذه الآياتُ آذان العارفين وتأملتها قلوبُ الصادقين، حَرَصُوا على الاقتداء به في أفعاله، والاستماع منه في أقواله،
[ ١ / ١٠٦ ]
فكانوا له أتبعَ من الظَّل، وأطوعَ من النعل، فعلمهم أركانَ الإسلام وشرائعَه وفرائضَه ونوافله، وكان بهم رؤوفًا رحيمًا، وعلى تعليمهم حريصًا أمينًا. كلما وصفه ربُّ العالمين حيث قال في كتابه المبين: ﴿لَقَدْ جَاءكم رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُم عَزِيزٌ عَليِهِ ما عَنتُّم حَرِيصٌ عَليْكُم بِالمُؤْمِنينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فلم يزل ﵊ يُرشدهم إلى أفضل الأعمال، ويهديهم إلى أحسنِ الأخلاق، ويلزمهم ما في النجاةَ والفوزَ في الآخرة، والسلامة والغبطة في الدنيا من لزوم الواجب والمسنون، ومجانبة المكروه وترك الفضول، فلم يترك خيرًا قَطُّ إلا أمرهم به ففعلوه، ودعاهم إليه فأجابوه، حتى لم يكن في زمأنه شيء مِن أعمال البر متروكًا، ولا منهج من مناهج الخير إلا مسلوكًا .. فلما تَمَّ ما أراد اللهُ تعالى برسوله من هداية أهلِ الإسلام، وبلغ إلى الأنام جميعًا ما عنده من الأحكام من العقائد والآداب والحلال والحرام، أنزل الله في ذلك تنصيصًا وتبيينًا: ﴿اليوْمَ أَكمَلْتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمْتُ عَلَيْكُم نِعْمَتِي وَرضِيتُ لَكُمُ الإسلامَ دِينا﴾ .. فكمل الدينُ في ذلك الزمان، ووضحت الحجةُ والبرهان، ودحضت وساوس المشتبهين، وانحسمت قوادِمُ المبطلين، إذ لا حجة على الله بعدَ الرسل لأحدٍ من العالمين بنصِّ كتابه المبين.
وقال يَصِفُ أحاديثَ الرسول ﵌:
" فإنَّه علمُ الصدرِ الأوّل، والذي عليه بعد القرآن المعوَّل، وهو لعلوم الإسلام أصل وأساس، وهو المفسر للقرآن بشهادة لتبين للناس.
وهو الذي قال الله فيه تصريحًا: ﴿إنْ هُو إلا وَحْيٌ يُوحى﴾ وهو الذي وصفه الصادق الأمين بمماثلة القرآن المبين حيث قال في التوبيخ لِكُلِّ مترف إمَّعه: " إنِّي أوتيتُ القُرآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ " وهو العلم الذي لم يشارك القرآن
[ ١ / ١٠٧ ]
سواه في الإجماع على كفر جاحد المعلوم من لفظه ومعناه، وهو العلمُ الذي إذا تجاثت الخصومُ للركب، وتفاوتت العلومُ في الرتب، أصْمَتْ مرنانُ نوافله كُلِّ مناضل، وأصمت برهانُ معارفة كُلِّ فاضل وهو العلم الذي ورثه المصطفي المختار، والصحابة الأبرار، والتابعون الأخيار. وهو العلمُ الفائضة بركاته على جميع أقاليم الإسلام، الباقية حسناتُه في أمة الرسولِ ﵇، وهو العلم الذي صانه اللهُ عن عبارات الفلاسفة، وتقيدت عن سلوك مناهجه، فهي راسفة في الفلا آسفة، وهو العلم الذي جلّى الإسلامُ به في ميدانِ الحجة، وصلَّى، وتجمل بديباج ملابسه من صام لله وصَلى، وهو العلمُ الفاصل حين تلجلج الألسنةُ بالخطاب، الشاهد له بالفضل رجوعَ عمر بن الخطاب، وهو العلمُ الذي تفجَّرت منه بحارُ العلوم الفقهية، والأحكام الشرعية، وتزينت بجواهره التفاسيرُ القرآنية، والشواهد النحوية، والدقائقُ الوعظية، وهو العلم الذي يميزُ اللهُ به الخبيثَ من الطيب، ولا يرغم إلا المبتدع المتريِّب، وهو العلمُ الذي يسلك بصاحبه نهج السلامة ويوصله إلى دار الكرامة. والسارب في رياض حدائقه، الشارب من حياض حقائقه، عالم بالسنة ولابس من كل صوف جُنة، وسالك منهاح الحق إلى الجَنة، وهو العلم الذي يَرْجِعُ إليه الأصولي، وإن برز في علمه، والفقيه وإن برز في ذكائه وفهمه، والنحوي وإن برز في تجويد لفظه. واللغوي وإن اتسع في حفظه، والواعظ المبصر، والصوفي والمفسر كلهم إليه راجعون، ولرياضه منتجعون " ..
إن أسلوب محمد بن إبراهيم الوزير في الكتابة وإن كان يهتم بأناقة الجملة إلا أنها غنية بالمعاني، فسجعه غيرُ متكلف يسيرُ في سُهولة ويُسر، ممتلئًا بالمعاني العظيمة، معبرًا عما يُريد دون حشو أو تكلف ..
[ ١ / ١٠٨ ]
إن أسلوب الكتابة في القرن الثامن الهجري كان يرزح تحتَ المحسنات البديعية، والحلى اللفظية حى إن أغلب الإنتاج الفكري كان حينذاك خِلْوًا من المعاني، متكلفًا لا يدل إلا على خواء الأفكارِ ..
ولقد أدرك الإمام الشوكاني في القرن الثالث عشر الهجري بحاسته المرهفة مدى تَرَدِّي الأسلوب الكتابي في المحسنات اللفظية، وما تَجُرُّه على المضمون والمحتوى من فراغ معنوي متكلِّف حين قال عبارته الناقدة البصيرة ببلاغة التعبير عن التكلف في الشعر ولا نرى التكلف في النثر إلا موثرًا على روعة الأسلوب الكتابي تمامًا كما هو الحال في الشعر: " وإنَّ من لا يَعْرفُ محاسنَ الشعر إلا بالنكات البديعية المتكلفة خلاف ما ذكرنا، فهو غيرُ مصيب، فإن غالب أشعارِ المتأخرين إنما صارت بمكان من السماجة لتكلُّفِهِم ذلك ". كما أنه أدرك عمق أسلوب محمد بن إبراهيم الوزير: فعلى الركم من اعتماده السجع إلا أنه غَيرُ متكلف، ويتميَّزُ بوضوح المعنى، وموافقة المضمون للشكل في سهولة ويسر، ولذلك رأينا الإمام الشوكاني يقول في ترجمته عن أسلوب محمد بن إبراهيم الكلامي بأن " كلامه لا يُشبه كلام أهلِ عصره، ولا كلام مَن بعده ".
صورة من شعره:
قال:
العِلمُ ميراثُ النَّبيِّ كذا أَتَى في النَّصِّ والعلماءُ هُمْ وُرَّاثُهُ
فإذَا أَرَدْتَ حقيقَةً تَدْري لِمن وراثه فكرتَ ما مِيرَاثُهُ
ما وَرَّثَ المُخْتَارُ غَيْرَ حَديثِهِ فِينَا وَذاكَ متاعُه وأثَاثُه
فَلَنا الحَديثُ وِرَاثَةً نَبَوِيَّة وَلِكُلِّ مُحدِث بدعة إحداثُه
[ ١ / ١٠٩ ]
وقال:
فحينًا بِطَوْدٍ تُمْطِرُ السُّحْبُ دُونَه أَشَمَّ مُنيفٍ بالغَمامِ مُؤَزَّرُ
وَحينًا بِشِعْب بَطْنِ وَادٍ كَأَنَّهُ حَشَا قَلَمٍ تُمْسِي به الطَّيرُ تَصْفِرُ
إذا التفَتَ السَّارِي به نَحْوَ قُلَّةٍ تَوَهَّمَهَا مِنْ طُولِهَا تَتَأخَّرُ
أجَاوِرُ في أَرْجَائِه البُومَ وَالقطا فَجِيرتها للمرء أَوْلَى وَأَجْدَرُ
هُنَالِكَ يَصْفُو لِي مِن العَيْش وِرْدَهُ وإلا فَوِرْدُ العيشِ رَنْقٌ مُكدَّرُ
فإنْ يَبسَت ثَمَّ المَرَاعِي وَأَجْدَبَتْ فَرَوْضُ العُلا والعِلم والدِّين أَخْضَرُ
ولا عَارَ أن يَنْجُو كرِيمٌ بنَفْسِه وَلكِنَّ عَارًا عجزُه حِينَ يُبْصِرُ
فَقَدْ هَاجَرَ المُخْتَارُ قَبْلِي وَصَحْبُه وَفرَّ إلى أرض النجاشيِّ جَعْفَرُ
معالم شخصيته وتفكيره:
إنَّ محمدَ بن إبراهيم الوزير يُمَثِّلُ الشخصيةَ المسلمة التي تلقت معالِمَ تفكيرها عن القرآن والسنة النبوية، فهو تَلميذ لكتاب الله وسنة رسوله لا لشيء سواهما ..
لقد اتجه مباشرة إلى النبيع الصافي ليستضيء بالنور الإلهي، ويضيء للأمة الطريق.
لقد وجد محمدُ بنُ إبراهيم الوزير الأمة الإسلامية دولًا ممزقة، وفرقًا متناحرة، وشيعًا ومذاهب، يُكفِّرُ بعضُها بعضًا، فاتجه أولَّ ما اتجه إلى تفكير الأمة ليرى هل يحمِلُ وحدة أم فرقة ..؟
وفي بحثه الواسع رأى أن في قمة التفكير الذي أدى إلى الفرقة والانقسام يأتي دورُ التفكير الفلسفي الذي صاغته أهواءُ البشر بعيدًا عن الاهتداء لفظًا ومعنى بالنور الإلهي الذي لا يّضِلُّ من اهتدى به ولا يشقى ..
[ ١ / ١١٠ ]
لقد رأى محمد بنُ إبراهيم في "علم الكلام" الذي نشأ كأثرٍ مباشر وقوي للفكر اليوناني بحوثًا لا طائِلَ تحتَهَا وخروجًا بالأداة العقلية عن قدراتها.
إن علم الكلام هو مضيعة للوقت، وليست أساليبُه ومناهجُهُ بالطريق الموصلة إلى الأدلة الحاسمة في الشعاب الفكرية المتعددة التي سلكها علمُ الكلام .. لقد كان أحدَ الأسباب لتمزُّق الأمَّة الواحدة وتناحرها، وتكفير بعضها بعضا .. !
إن التيه الفلسفيَّ الذي سلكه من قبل فلاسفةُ اليونان قد أوضح بصفة حاسمة عدم استطاعته الإفضاء إلى أدلةٍ حاسمة لا سبيل إلى الشك فيها، وليس في قدراته بما لا يشك فيه ذو تفكير سليم الإحاطة بما هو أكبرُ منه، وأجلُ وأعظمُ.
بل إنه زاد السر غموضًا، وأتى له الانطلاق إلى ما وراء قدراته المحدودة إِلا ما شاء الله .. ﴿وما أُوتِيتُم من العِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾ ..
ولكن أساليب القرآن أساليبُ رسل الله وأنبيائه قد أخذت بيدِ الإنسان إلى الإيمانِ، وأخرجته من ظلمات الشك، ولم تدعه يمضي إلى ما هو خارج عن حدوده، فيضيع نفسه ووقته عبثًا، وقد يترتب على أشياء لم يهضم فهمها تَمامًا أحكام متناقضة تُمَزِّقُ وحدته إلى فرق وأحزاب وشيع .. بل على العكس من ذلك أخذت بيده ليتجه إلى فهم سنن الله، والاستفادة منها.
إن المهم هو معرفة واجب الوجود ذو الكمال المطلق عن طريق معرفة آثار قدرته اللامتناهية في عالم الغيب والشهادة، ومعرفة سننه التي تسير وفق
[ ١ / ١١١ ]
قوانينها الكون للاستفادة منها، وزيادة المعرفة بها، إذ لا يمكن لأي أداة أن تستخدم فوق طاقتها، ولكن المجال الأجدى هو في اكتشاف سنن الله، والسير بمقتضاها في طريق الحق والخير ..
إن العلم الحديث، وتقدم الإنسان الفكري قد جعل حدًا للضياع الفلسفي التائه، فقد نقل الفلسفة من الميتافيزيقيا -علم ما وراء الطبيعة- إلى الطبيعة نفسها -عالم الشهادة- تفسير وفهم أسبابها ومسبباتها والاستفادة منها إنها الاستجابة للصوت القرآني:
﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَا فِي السَّموَاتِ ومَا في الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إنَّ في ذلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) ..
وعلى رأسِ الأزمِنَةِ الحديثة جاء بيكون -الأول والثاني- أبو الفلسفة الحديثة يقرران ما توصل إليه الفكر الإسلامي الخالص المتتلمذ على القرآن ذلك الاتجاه الذي يقود الفكر الإنساني إلى الطبيعة -عالم الشهادة- والتفكير في سنن الله في مخلوقاته لاستخلاص حقائقِ السنن التي تسير وفقها الكائناتُ، ولقد وضع بيكون منهجَ الفهم اليقيني على أسس ثلاثة:
* الشك .. ويعني به " عدمَ الحكم ".
* التجربة .. ويعني بها " منهج الاختبار ".
* استخلاص النتائج .. ويعني به " الحكم على الشيء ".
وهكذا ارتبط التأمل الفكري بالمجال العملى والتطبيقي، واستفاد
الإنسانُ بهذه النقلة المنجزات الرائعة في التقدم الهائل السريع في كل
_________________
(١) الجاثية: ١٣.
[ ١ / ١١٢ ]
مجالات الاستفادة مما سَخَّرَ الله للإنسان هذا الكائن المكرم ..
ووجد الانسان في:
* انظروا ماذا في السموات والأرض.
* أفلا تعقلون ..
* أفلا تتفكرون ..
* يا أولي الألباب ..
* لآيات لأولي النُّهى ..
* ﴿وهو الذي خلَقَ لَكُمْ ما فِي الأرْضِ جميعًا﴾ .. ﴿وسَخَّرَ لَكُم مَا فِي السَّموَات وَمَا فِي الأَرْضِ جَميعًا منه﴾ ..
وجد الإنسان في ذلك آفاقًا لا نهائية لمجالات التقدم الرائع المذهل. إن الفلسفة التائهة لا يُمكن أن تصل إلا إلى متناقضات متعددة أما معرفة الحق سبحانه، فيستطيع العقل السليم أن يصل إليها عن طريق آياته المعجزة في هذا الكون، فإذا أرادت العقول أن تُقحم أداتَها المحدودة في اللامحدود، فلن تربح إلا عَنَاءَ السفر على حد تعبير " ابن ابي الحديد " ..
إن أسلوبَ الإنسان يرْسُفُ في الضعف والهوى، ولم يترك الله الإنسان لضعفه وهواه، فبعث إليه الأنبياء معهم الهدى والنور، لذلك فإن الأسلوب الإلهي هو الحجةُ البالغة، والدليل الحاسم المُتَّسِق مع نظرة الإنسان التي لا يبتعد الإنسانُ عنها إلا مكابرة أو عنادًا.
هكذا رأى محمد بن إبراهيم الوزير أن كتاب ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان هو الصيحةُ في وجه الأفكار الفلسفية التي لم يكن من نتيجتها:
[ ١ / ١١٣ ]
إلا الفرق المتعددة، المكفرة بعضها بعضا.
وإلا ضياع الوقت فيما ليس له علاقة بسلوك الفرد والجماعة في الحياة ..
وبكتابه " إيثار الحق على الخلق " أراد أن يسلك بالأمة الطريق الواحد .. الذي لا تتعدد عنده السبل. وبكتبه كلها كان يهدف إلى مقاصد الإسلام:
* وحدة الأمة الفكرية وترك ما لا يُجدي.
* وحدة الأمة على كتاب الله، واعتصامها به، وإبعادها عن مواطن الفرقة والاختلاف، وتيه الأفكار فيما لا طائل تحته ..
ويبين لها مدى الابتعاد عن منطق الحق عندما تعمد إلى التكفير والتفسيق باللازم.
وينهاها عن التحجُّر والغلو والتقليد وتصعيبِ الاجتهاد، فعلوم الاجتهاد ليست مقصودة لذاتها، وليست بحاجة إلى جعلها علومًا بذاتها تتبارى العقول في توسيعها وإيجاد أسرار وألغاز شكلية ولفظية لا فائدة من ورائها.
إن هذِه العلوم وسيلة لاستقامة الفهم الصحيح وليست بحاجة إلى تطويل وتعقيد لفظي ومعنوي، بل إلى تيسير وتوضيح، وبيان وتبسيط، ووضوح تام.
وهذا العقل نورُ من الله ليتجه مباشرة إلى نبع الهداية الإلهية في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطلُ مِن بين يديه ولا من خلفه، وإلى الصحيح من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله الصلاة والسلام.
وسيجد صراطًا مستقيمًا
[ ١ / ١١٤ ]
وسيجد هدى وبيانًا ونورًا
وسيجد طمأنينةً في الحياة، وسلامًا في الضمير، وخيرًا في دنياه وأخراه ..
وفي هذا الصدد، فإنه قد قَلَّلَ مِن شأن المعتزلة التي أرادت أحيانًا رغم إخلاصها وإيمانها العميق المستنير، أن تجعل العقلَ أكبر من طاقته في عالم الغيب، فإذا كان العقلُ يستطيع أن يتبين بدليلٍ قاطع وحاسم معرفة خالقه، فإنه لا يستطيع تجاوزَ ذلك، فالمحدود لا يُحيط باللامحدود، والمعتزلة والفرق الكلامية قد خاضت آفاقًا أكبر مِن طاقتها وليست ذات نفع عملي للإنسان في دنياه وأخراه، وقد حاوَلَ الإمام، التوفيق بين الفرق الإسلامية فبين لها أن خلافَهَا في الغالب خلاف مصطلحات، ويتعلق بالألفاظ أكثر من تعلقه بالمعاني، ودعا إلى تحريم كل ما من شأنه تمزيق وحدة الأمة فيما لا طائل تحته. كما أن الإمام " محمد بن إبراهيم " في كتابه العظيم " العواصم والقواصم " قد دافع عن السنة دفاعًا لم يُؤلِّف مثلُهُ في بابه وهو على حق في ذلك، لأن السنة النبوية وهي قول الرسول ﷺ وفعله وإقراره مبينة وموضحة لما جاء في كتاب الله الكريم من النصوص العامة والمطلقة والمجملة بمقتضى النص القرآني ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ الذي أوكل إليه ذلك، دالة على معاني القرآن، هادية إلى طرق تطبيقه. وهي والقرآن شيئآن متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، والمسلم الذي رضي بالله ربًا وبمحمد ﷺ رسولًا والإسلام دينًا لا يسعه إلا الأخذ بالسنة الصحيحة الثابتة، والرجوع إليها عند الخلاف، والرضى بها، والتسليم لها، وطرح ما سواها، وعدم الاعتداد بقول أحد كائنًا من كان إذا كان يخالفها أو يتأولها على غير وجهها.
[ ١ / ١١٥ ]
وقد أبدع المؤلف -﵀- في هذا المجال، وأتى فيه بما يعجز عنه غيره من أهل العلم إلا أنه ﵀ قد ترخَّص في الأخذ ببعض معايير النقد، وهي مؤوفة، وغيرها أصح منها وأسد، ولا يضيره ذلك أو بعض من شأنه، فإنه ﵀ من أهل الاجتهاد، وخطؤه مأجور عليه إن شاء الله، وما منا إلا مَنْ رَدَّ أو رُدَّ عليه إلا صاحب العظمة ﷺ. فلا بد من تمحيص تلك المعايير، وإخضاعها للموازين العلمية الدقيقة التي وضعها الجهابذة النقاد من أهل العلم -وهي مقاييس شهد بصحتها الأعداء قبل الأصدقاء- ويحكم عليها بما يليق بحالها.
وخلاصة هذه الدراسة أن محمد بنَ إبراهيم الوزير قد نَهَجَ في طريق الحق والوضوح وبين:
أولًا: أن كل ما لا مجالَ للعقل فيه من الغيبيات، فلا ينبغي أن يتكلف العقل الخوض فيه، أو اعتساف تأويله حتى يكونَ لديه إمكانية ذلك، لأنه إما أن يخطىء الحقيقة، أو يتيه عنها، وهو مع ذلك لا فائدة تُرجى من الجدال النظري البحت الذي لا صلة له بمجالات الحياة العملية.
إن موضوع علم الكلام ومتاهاته لا تُفِيدُ يقينًا، بل إنها تجعلهم يدورون فيما لا طائل تحته في بعد عن التفكير السليم.
ثانيًا: وَقد عَمِلَ على توجيه الأمة إلى منطق القرآن، وإلى العمل الذي رسم منهجه القرآن، وبين للأمة أسبابَ الاختلاف، ومن أبرز النتائج، والمعالم التى وضحها ما يلي:
أ- لا تكفير ولا تفسيق باللازم، فقد كانوا يكفرون ويفسقون بعضَهم بعضًا بلازم كلامِهِم ولو لم يقولوه.
[ ١ / ١١٦ ]
ب- دافع عن أئمة السنة، وبين خدماتهم الجليلة للحديث، والمقاييس العلمية التي وضعوها وبحوثهم وتراجمهم وتواريخهم في خدمة السنة، وهممهم العالية، ونفي عنهم ما يتهمون به بسبب ما يثبته فيه البعض من مدلول آرائهم في حرية الاختيار والعدل والخروج على الظلمة، فهم لا يقولون بالجبر ولا بمهادنة الظلمة، بل إنهم على منهج الكتاب والسنة في هداية الإنسان إلى النجدين، ومن ثم منحه القدرة على المضي فيما يختاره، وما يترتب على ذلك من مسؤولية عادلة أمام المحيط بكل شيء علمًا وكذلك وضح رأيهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتقييد مبدأ السمع والطاعة فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ..
جـ- بَيّن وأكد أن النبعَ الصافي للإسلام هو الكتابُ وصحيحُ السنة وما عدا ذلك، فمضيعة للعقل ومتاهات تخبط غير مجدية سبب خلافات ومنازعات لأنها أهواء لا نتيجةَ لها غير ذلك.
إذ المطلوبُ مِن المسلم هو الإيمان، وعملُ الصالحات، والتزام الحق، والصبر على تنفيذ هذا المنهج الإلهي بالدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتفهم سنن الله، والتفكير في السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما تفكير المستكشف لآيات اللهِ المُتَبين لها، وبالاختصار المضي على الصراط المستقيم لخير الإنسان نفسه في الدنيا والآخرة ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثوَابَ الدُّنيا فَعِنْدَ اللهِ ثَوَابُ الدُّنيا والآخِرَةِ﴾ .. ﴿رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ .. لا أن يذهب الفكر فيما من شأنه مضيعة الوقت، وما لا طائلَ تحته في لعبة فكرية صبيانية تنتهي بصرخة في واد.
[ ١ / ١١٧ ]
د- ولم يجد محمد بنُ إبراهيم الوزير وهو يعمل لِما يراه وُيؤمِنُ به طريقًا لتوحيد الأهواء المتفرقة، والصفوف المتناحرة الطريقَ ممهدًا وسهلًا، بل لقد حاربه النفعيون ممن يجد في أفكاره خطرًا على امتيازاتهم على الناس، وحاربه من يَخْشَوْنَ الدعوةَ الجامعة غير المفرقة، فقال في وجههم صائحًا:
يا لاَئمِي كُفَّ عَنْ لَوْمِي فَمُعْتقَدِي قَوْلُ النبِيِّ وَهَمِّي في تَعَرُّفِهِ
فَمَا قَفَوْتُ سِوَى آياتِ مَنْهَجِهِ وَلا تَلَوْتُ سِوَى آيَاتِ مُصْحفِهِ
وعاتب أخاه من قصيدةٍ حزينة:
ظَلَّت عَوَاذِلُهُ تَرُوحُ وَتَغْتَدِي وتُعِيدُ تعْنِيفَ المُحِبِّ وَتَبْتَدِي
يَا صَاحِبيَّ على الصَّبابَةِ والهَوَى مَنْ مِنكُمَا في حُبِّ " أَحْمَدَ " مُسعِدِي
حَسْبِي بَأنّي قَدْ سَهِرْتُ بحُبِّهِ شَرَفًَا ببُردَتِهِ الجميلةِ أَرْتَدِي
لي باسْمِهِ وبِحُبِهِ وَبقُرْبهِ ذِمَمٌ عظَامٌ قدْ شَدَدْتُ بهَا يَدِي
وَمُحَمَّدٌ أوفي الخَلائِقِ ذِمَّةً فَلَيَبْلُغْنَّ بي الأمَاني في غَدِي
يَا قَلبُ لا تَسْتَبْعِدَنَّ لِقَاءَهُ ثِقْ بِاللِّقَاءِ وبالوَفَا فَكَأنْ قدِ
يَا حَبَّذا يوْمُ القِيَامَةِ شُهْرَتي بَيْنَ الخلائِقِ في المَقَامِ الأحْمَدِي
بِمَحَبَّتِي سُنَنَ الشَّفِيعِ وَأنَّنِي فِيهَا عَصّيتُ مُعَنِّفِي وَمُفَنِّدِي
وترَكْتُ فِيهَا جيرَتِي وَعَشِيرَتي وَمكانَ أَترَابِي وَموْضِعَ مَوْلدِي
فَلأشكُوَنَّ عَلَيْهِ شَكوَى مُوجَعٍ مُتَظَلِّم مُتجَرِّم مُسْتنِجدِ
وأقُولُ أنْجِدْ صَادِقًَا في حُبِّه منْ يُنْجِدِ المظلومَ إن لم تُنْجِدِ
إنِّي أحِبُّ مُحَمَّدًا فَوْقَ الوَرَى وبهِ كَمَا فَعَلَ الأوائِلُ أقْتَدِي
فَقدِ انْقضَتْ خَيْرُ القُرونِ ولَمْ يكنْ فِيهِمْ لِغَيرِ مُحَمَّدٍ مَنْ يَهتَدِي
[ ١ / ١١٨ ]
ويصف حالته هائمًا في جبال عالية، وبواد خالية وعلى الرغم من ذلك أمسك بقلمه يُدافع عن الحق منشدًا في حزن وألم وتوجع:
فحينًا بِطَوْدٍ تُمْطِرُ السُّحْبُ دُونَه إلى آخر الأبيات الحزينة ..
انقطاعه عن الناس:
يقول الشوكاني: " إنه بعدَ هذا أقبل على العبادة، وتمشيخ وتوحش في الفلوات، وانقطع عن الناس، ولم يبق له شغلة بغير ذلك، وتأسَّف على ما مضى من عمره في تلك المعارك التي جرت بينَه وبينَ معاصريه مع أنه في جميعها مشغول بالتصنيف، والتدريس، والذب عن السنة والدفع عن أعراض أكابر العلماء، وأفاضل الأمة، والمناضلة لأهل البدع، ونشر علم الحديث وسائر العلوم الشرعية في أرض لم يألف أهلُها ذلك لا سيما في تلك الأيام، فله أجرُ العلماء العاملين، وأجرُ المجاهدين المجتهدين " ربنا لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك غفور رحيم.
[ ١ / ١١٩ ]
مقَدمَة التَحقيق
بقلم
الأستاذ شعيب الأرنؤوط
[ ١ / ١٢١ ]