بهذه الطريقة، وما قدمناه من النظر في كتاب الله، وقرائن أحوال أنبياء الله -فليس لليقين- بعدَ ذلك- إلا اللجوءُ (١) والتضرُّعُ إلى الله أن يَهَبَه مِنْ عِنده، ويشرح له صدْرَ عبدِهِ. وإن طال في ذلك الطلبُ، وقُوسيَ النَّصَبُ، فإن مرامًا طلبَه الكليمُ والخليلُ، لجديرٌ بالطَّلَب الطويل:
مَرامٌ شَطَّ مَرْمَى العَقْلِ فيه فَدُونَ مَداهُ بيْدٌ لا تَبِيدُ
بل الدعاءُ، والتضرع، والخضوعُ مُقَدَّم: على النظر في المعجزات، وقرائِنِ الأحوالِ والأمارات. وكفي في ذلك إمامًا بالخليل - ﵇- فإنَّه حين طلب الطمأنينة؛ رجع إلى مولاه وتضرع إليه ودعاه. وقد أفردتُ في ذلك مصنفًا، سميته: " ترجيحُ دلائلِ القرآن على دلائل اليونان " (٢).
وكما أن ذلك سببُ اليقين، فسببُ الشَّكِّ والكفر: هو النظرُ في المتشابهات، التي لم يُحِطِ البشرُ بها عِلمًا، ولا عرفوا تأويلَها، كما أشار إليه القرآن العظيم، في قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩]. وما أعظم نفْعها للمتأملين، وما يعقِلُها إلا العالمون، هي أثقابُ الدُّر دقاق، وفهْمُك حبل؛ فما يصحُّ النظمُ.
ثم إني بعدَ الفراغ من ذلك الاضطراب بمعرفة الصواب، والاهتداء بنور السُنَّة والكتاب نظرتُ في أهمِّ أمور الدين، فإذا هو بذلُ الجهد في نصيحة المسلمين كما جاء في " الصحيح ": " الدِّينُ النَصيحة " (٣) الحديثَ.
_________________
(١) في (أ): " اللجأ ".
(٢) وهو مطبوع، ومنه نسخة خطية في خزانة الجامع الكبير في صنعاء، ضمن مجموع (١١٩) تقع في ثلاث وأربعين ورقة، انظر " فهرس مخطوطات المكتبة الغربية " ٧٧٠.
(٣) رواه مسلم (٥٥) وأبو داود (٤٩٤٤) والنسائي ٧/ ١٥٦ وأحمد ٤/ ١٠٢ و١٠٣ =
[ ١ / ٢١٤ ]
ومِن أهمَ ما ورد: تحذيرُهم من التباغض والاختلاف وأسبابِ ذلك، وأن تُحِبَّ لهم ما تُحِبُّ لنفسك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢] وقال تعالى: في آل عِمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٣]. وقال تعالى -بعدها بآيةٍ واحدة-: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥].
ونَقَمَ على مَنْ قَبلنا عدم رجوعِهم إلى ما أنْزِلَ إليهم من الكتب، والعلم الذي فيها، فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١١٣]. ومثلُه قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩]. يعْني الكتابَ، ولذلك
_________________
(١) = والحميدي (٨٣٧) والبغوي (٣٥١٤) وأبو عوانة ١/ ٣٧ والخطيب في " تاريخه " ١٤/ ٢٠٧ والطبراني في " الكبير " (١٢٦٠ - ١٢٦٨) كلهم من حديث تميم الداري، ورواه النسائي ٧/ ١٥٧ والترمذي (١٩٢٦) وأحمد ٢/ ٢٩٧ وأبو نعيم ٦/ ٢٤٢ و٧/ ١٤٢ عن أبي هريرة، ورواه عن ابن عمر الدارميُّ ٢/ ٣١١ والبزار (٦٢) وعن ابن عباس أحمدُ ١/ ٣٥١ والبزار ٦١ كما في " زوائده " وعلقه البخاري (١/ ١٣٧) ولفظه عند مسلم: " الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة لله ولكتابه ولنبيه ولأئمة المسلمين وعامتهم ".
[ ١ / ٢١٥ ]
وَصَفَهُ بالمجيء. وقال بعدَه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩] إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠].
وعن جُنْدُب قال: قال رسُولُ الله - ﷺ -: " اقْرَؤُوا القرآنَ ما ائْتَلَفت عَليْهِ قلُوبُكمْ، فإذا اخْتَلَفْتُمْ فقُوموا عَنْهُ " رواهُ البخاري ومسلم والنسائي (١).
وروى البخاري والنسَائي من حديث ابنِ مسعود قالَ: سَمِعْتُ رجلًا قرأ آيةً، وسَمعْتُ النبي - ﷺ - يقرأ خلافَها، فَجِئْتُ به النبي - ﷺ - فأخبرتُهُ؛ فعرفت في وجهه الكراهيَة. فقال: " كِلاكُما مُحْسِن، ولا تختلِفوا فإنَّ مَنْ قبلَكم اختلفوا فهلَكُوا ". انفردَ به البخاريُّ دونَ مسلم (٢)، وللجماعةِ معناه
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٠٦٠) و(٥٠٦١) و(٧٣٦٤) و(٧٣٦٥) ومسلم (٢٦٦٧) وهو في " سنن النسائي الكبرى " في فضائل القرآن، كما في " تحفة الأشراف " ٢/ ٤٤٤ وأخرجه الإمام أحمد في " المسند " ٤/ ٣١٣ والبغوي في " شرح السنة " (١٢٢٤) وأبو يعلى في " مسنده " ٨٧/ ٢ والطبراني في " الكبير " (١٦٧٣) و(١٦٧٤) و(١٦٧٥) والخطيب في " تاريخه " ٤/ ٢٢٨، ومعنى الحديث: اقرؤوا القرآن ما اجتمعت عليه قلوبكم، فإدا اختلفتم في فهم معانيه، فتفرقوا لئلا يتمادى بكم الاختلاف إلى الشر، قال القاضي عياض: يحتمل أن يكون النهي خاصًا بزمنه - ﷺ - لئلا يكون ذلك سببًا لنزول ما يسوؤهم، كما في قوله تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ ويحتمل أن يكون المعنى: اقرؤوا والزموا الائتلاف على ما دل عليه، وقاد إليه، فإذا وقع الاختلاف أو عرض عارض شبهة يقتضي المنازعة الداعية للافتراق، فاتركوا القراءة، وتمسكوا بالمحكم الموجب للألفة، وأعرضوا عن المتشابه المؤدي للفرقة، وهي كقوله - ﷺ -: " فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم ".
(٢) رواه البخاري (٢٤١٠) و(٣٤٠٨) و(٣٤١٤) و(٣٤٧٦) و(٤٨١٣) و(٥٠٦٣) و(٦٥١٧) و(٦٥١٨) و(٧٤٢٨) و(٧٤٧٧) وأحمد ١/ ٣٩٣ و٤٠٥ و٤١٢ والبغوي (١٢٢٩) والنسائي في فضائل القرآن من " الكبرى " كما في " تحفة الأشراف " ٧/ ١٥٢.
[ ١ / ٢١٦ ]
مِن حديث عمرَ بنِ الخطاب في قصته مع هِشام بن حكيم (١). وله طرق عن ثمانيةَ عشر صحابيًا (٢).
وفيه حجة واضحة على أن الاختلاف في الأفعال مع التصويب ليس هو الاختلافَ المنهيُّ عنه. ألا تراهُ صوَّبهما في اختلافهما في القراءة، وقالَ: " كلاكُما محسن " وإنما حرَّم عليهم المماراة في ذلك، على وجه تقبيح كل واحدٍ منهما لقراءة الآخر؛ لأن ذلك مفضٍ إلى العداوة، وافتراق كلمة الإسلام. وإلى هذا أشار القرآن الكريم، حيث قال: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] أي قُوَّتكم.
فثبتَ تحريمُ ذلك، وما يؤدي إليه، بالكتاب والسُّنةِ. وما يَعْقلُها إلا العالمون.
ويُوَضحُ ذلكَ من كتاب الله، ما حكاهُ اللهُ تعالى: من اختلاف سليمان وداود -﵉- مع الثناء عليهما، حيث قال: ﴿ففهَّمناها
_________________
(١) رواه البخاري (٢٤١٩) و(٤٩٩٢) و(٥٠٤١) و(٦٩٣٦) و(٧٥٥٠) ومسلم (٨١٨) وأبو داود (١٤٥٧) والنسائي (٢/ ١٥٠) والترمذي (٢٩٤٣)، ومالك ١/ ٢٠١ وأحمد ١/ ٤٠ و٤٢ - ٤٣ والطبري (١٥) والبغوي (١٢٢٦) والشافعي في " الرسالة " (٢٧٣) والطيالسي (٩) من طرق عن عبد الرحمن بن عبد القارىء أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله - ﷺ - أقرأنيها، فكدت أن أعجل عليه، ثم أمهلت حتى انصرف ثم لبَّبته بردائه، فجئت به رسوله الله - ﷺ -، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها، فقال له رسول الله - ﷺ - " أقرأ " فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله - ﷺ -: " هكذا أنزلت " ثم قال لي: " اقرأ " فقرأت، فقال: " هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه " وزاد السيوطي في " الدر المنثور" ٥/ ٦٢ نسبته لابن حبان والبيهقي.
(٢) انظر " فتح البارى " ٩/ ٢٦.
[ ١ / ٢١٧ ]
سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]. وكذلك اختلافُ موسى وهارون، وموسى والخضِر (١)، ومخالفةُ علم كُلِّ واحدٍ منهما لِعِلْم الآخر، وموسى وآدم؛ في حديث أبي هريرة (٢). متفق عليه. بل قال الله: ﴿لو كان فِيهما آلِهة إلا اللهُ لَفَسدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وأمثالها؛ مما يَدُلُّ على لزوم الاختلاف.
بل جاء اختصامُ الملإِ الأعلى في القرآن، في " ص " (٣)، وتفسيره في الحديث (٤)، ومنه خصومتُهم في الذي قتلَ مئةً، ثم
_________________
(١) رواه البخاري (١٢٢) و(٣٤٠١) و(٤٧٢٥) و(٤٧٢٦) ومسلم (٢٣٨٠) والترمذي (٣١٤٩) وأحمد ٥/ ١١٧ و١١٨ و١٢٠ عن ابن عباس، وهو حديث طويل.
(٢) ونصه: " احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم أنت أبونا، وأخرجتنا من الجنة، فقال آدم: يا موسى اصطفاك اللهُ بكلامه، وخط لك التوراة بيده، تلومني على أمرٍ قدره الله عليِّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحج آدمُ موسى، فحج آدم موسى ". رواه البخاري (٣٤٠٩) و(٤٧٣٦) و(٤٧٣٨) و(٦٦١٤) و(٧٥١٥) ومسلم (٢٦٥٢) وأبو داود (٤٧٠١) والترمذي (٢١٣٤) وابن ماجه (٨٠) وأحمد ٢/ ٢٤٨ و٢٦٤ و٢٦٨ و٢٨٧ و٣١٤ و٣٩٢ و٤٤٨ و٤٦٤ والبغوي (٦٨) وعبد الرزاق (٢٠٠٦٨) والآجري في " الشريعة " (١٨ و٣٠١ و٣٢٤) والدولابي في " الأسماء والكنى " ١/ ١٤٤ والخطيب في " تاريخه " ٤/ ٣٤٩ و٥/ ١٠٣ و٧/ ١٠٤ والبيهقي في " الأسماء والصفات " ١٩٠ والنسائي في " الكبرى " كما في " تحفة الأشراف " ١٠/ ١٢٢، وذكره السيوطي في " الدر المنثور" ١/ ٥٤ وزاد نسبته لابن أبي حاتم.
(٣) في الآية: ٦٩، وهي قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾.
(٤) هو قطعة من حديث مطول رواه البغوي في " شرح السنة " (٩٢٤) بطوله، وأخرجه الدارمي مختصرًا ٢/ ١٣٦ كلاهما من حديث عبد الرحمن بن عائش، وعبد الرحمن بن عائش مختلفٌ في صحبته، ويقوي صحبته أنه صرح في رواية الدارمي بسماعه هذا الحديث من رسول الله - ﷺ - وأخرجه أحمد ٤/ ٦٦ من حديث عبد الرحمن بن عائش عن بعض أصحاب رسول الله - ﷺ -، وأخرجه أحمد أيضًا ٥/ ٢٤٣ والترمذي (٣٢٣٣) عن عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يُخامر، عن معاذ بن جبل، وإسناده صحيح، وأخرجه الترمذي (٣٢٣٢) وأبو يعلى =
[ ١ / ٢١٨ ]