نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فهُوَ لهُ قرينٌ﴾ [الزُخرف: ٣٦] فنعوذ بالله من اتخاذه ظِهريًا، وتركه نَسْيًا مَنْسيًا.
والجواب: على مَنْ سأَلَ هذا السؤالَ (١) كجواب موسى على فرعون، حيث قال: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥١ - ٥٢].
وسيأتي في الكتاب شروطُ القطع بالتكفير والتفسيق. وإنما ذكرتُ هذه النُّبذةَ اليسيرة في المقدمة، لأنها معظمُ مقاصد الكتاب.
وبَعْدُ: فإني ما زِلْتُ مشغوفًا بِدرْك الحقائق مشغولًا بطلب المعارف، مُؤثِرًا الطلب لملازمة الأكابر، ومطالعةِ الدَّفاتر، والبحثِ عن حقائق مذاهب المخالفين، والتَّفتيشِ عن تلخيص أَعذارِ الغالطين، مُحسِّنًا في ذلك للنِّيَّة، متحرِّيًا فيه لطريق الإنصاف السَّوية، متضرعًا إلى اللهِ تَضَرُّعَ مضطرٍ محتار (٢)، غريقٍ في بحار الأَنْظار، طريح في مهاوي الأفكار، قد وهبتُ أيامَ شبابي وَلَذَّاتي، وزمان اكتسابي ونشاطي، لِكُدُورةِ علمِ الكلام والجِدال، والنَّظرِ فىِ مقالاتِ أهل الضَّلال، حتى عرفتُ صحةَ قولِ مَنْ قَالَ:
لَقَدْ طُفْتُ في تِلْكَ المعَاهِدِ كُلِّها وسيَّرْتُ طَرْفي بينَ تِلْكَ المعالم
فلم أرَ إلّا وَاضِعَا كفَّ حَائِرٍ على ذَقَنٍ أو قارِعًا سِنَّ نادم (٣)
_________________
(١) في هامش (أ) ما نصه: يعني مَن قال: ما الوجه في تخصيص بعض المبتدعة بتواتر عدم العفو عنهم، كالخوارج، فقد تواتر النص عليهم. من خط المؤلف ﵀.
(٢) الجادة أن يقال: حائر، إلا أن السجع هو الذي حمل المصنف على ارتكاب هذا الخطأ.
(٣) في ترجمة ابن سينا من " وفيات الأعيان " ٢/ ١٦١: وينسب إليه البيتان اللذان =
[ ١ / ٢٠١ ]
وبسبب إيثاري لذلك، وسلوكي تلك المسالك، أنَّ أولَ ما قرعَ سمعي، ورسخَ في طَبْعِي: وجوبُ النظرِ والقول بأن من قلَّدَ في الاعتقاد، فقد كفر، فاستغرقت في ذلك حدَّةَ نظري، وباكورةَ عمري، وما زلت أرى كُل فرقة من المتكلمين تُداوي أقوالًا مريضة، وتُقَوِّي أجنحة مهيضة، فلَمْ أحْصِّل على طائل، وَتَمَثلْت فيهم بقول القائل:
كُل يُدَاوِي سَقِيمًا مِن مَقَالَتِهِ فَمنْ لَنَا بِصَحِيحِ مَا بِهِ سَقَمُ
فرجعت إلى كتاب الله، وسُنةِ رسول الله - ﷺ -. وقلت: لا بد أن يكون فيها بَراهِينُ، وردُود على مخالفي الإسلام، وتعليم وإرشاد لمن اتَّبَعَ الرسولَ -عليه أفضلُ الصلاة والسلام-.
فتدبرتُ ذلك، فوجدت الشِّفاءَ كُله: دِقه وجِله، وانشرحَ صدري، وَصَلُحَ أمري، وزال ما كنت به مُبتلى، وانشدتُ مُتمَثِّلًا:
فألْقَتْ عَصَاهَا واسْتقَرتْ بها النَّوى كما قَرَّ عينًا بالإيَاب المُسَافِرُ (١)
وعرفتُ بالتجربة (٢): صحةَ ما رواه علي -﵇- عن
_________________
(١) = ذكرهما الشهرستاني في أول كتابه " نهاية الإقدام " وفي ٤/ ٢٧٥ في ترجمة الشهرستاني: وذكر في أول كتاب " نهاية الإقدام " بيتين وهما: لقد طفت الخ ولم يذكر لمن هذان البيتان، وقال غيره: هما لأبي بكر محمد بن باجه المعروف بابن الصائغ الأندلسي.
(٢) في " اللسان ": عصا، يضرب البيت مثلًا لكل من وافقه شيء فأقام عليه، وأصله أن امرأة كانت لا تستقر على زوج، فكانت كلما تزوجها رجل لم تواته، ولم تكشف عن رأسها، ولم تلق خمارها، وكان ذلك علامة إبائها وأنها لا تريده، ثم تزوجها رجل فرضيت به، وألقت خمارها، وكشفت قناعها. والبيت في " البيان والتبيين " ٣/ ٤٠ منسوب لمُضرِّس بن ربعي في لقيط الأسدي، كان معاصرًا للفرزدق، ونسبه الآمدي لمُعقِّر بن حمار البارقي، وقال ابن بري: هو لعبد ربه السُّلمي، ويقال: لسليم بن ثمامة الحنفي.
(٣) كأنه يريد صحة معنى ما رواه علي وتطابقه في الواقع، وهذا حق لا ريب فيه، ولا =
[ ١ / ٢٠٢ ]