ولعلَّ كتابَ الدارقطني هذا مِن أَنفس المصنفات، فإنَّهُ لا يجتمع حُبُّ الأصحاب والآل، إلا في قلوب عقلاء الرجال.
ورضي اللهُ عن هذه الأُمةِ الكريمة، السَّابقةِ على تأَخُّرِها (١)، المرحومةِ الشهداء العُدول، المُشَبَّهين بالملائكة في الشهادة والقبول، الغُرِّ المُحَجَّلين، الشفعاءِ المشفَّعين، الذين أوتوا من الأجر في المُدَّةِ القليلة، مِثْلَ ما أوتيَ منْ قبلهم في الأعمارِ الطويلة، الذين أوجب اللهُ بشهادتهم (٢) إحدى الدارين (٣) واسْتُحِقَّت الجنةُ خاصةً بشهادة أربعةٍ منهم أو ثلاثةٍ أو اثنين (٤)، المرفوع عنهم الخطأُ والإكراهُ والنسيانُ. واستقر بشراهم في
_________________
(١) = (٢٢٢١) وابن حبان (٢٢٨٥) وأحمد ٤/ ٤٢٦ من حديث عمران بن حصين مرفوعًا: " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم .. " وفي الباب عن عبد الله بن مسعود عند البخاري (٢٦٥٢) ومسلم (٢٥٣٣) وابن ماجه (٢٣٦٢) وأحمد ١/ ٣٧٥ و٤١٧ والخطيب في " تاريخه " ١٢/ ٥٣، وعن أبي هريرة عند مسلم (٢٥٣٤).
(٢) اقتباس من قوله - ﷺ -: " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب مِن قبلنا " أخرجه من حديث أبي هريرة البخاريّ (٨٧٦) ومسلم (٨٥٥).
(٣) في (ب): شهادتهم.
(٤) في (أ) فوق كلمة " الدارين ": الجنة أو النار. وأخرج البخاري (١٣٦٧) و(٢٦٤٢) ومسلم (٩٤٩) من حديث أنس بن مالك قال: مَرُّوا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي - ﷺ -: " وجبت " ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًا، فقال: " وجبت " فقال عمر بن الخطاب: ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهدا أثنيتم عليه شرًا، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض " قال الحافظ: أي المخَاطَبون بذلك من الصحابة ومن كان على صفتهم من الإيمان، وحكى ابن التين أن ذلك مخصوص بالصحابة لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة بخلاف مَن بعدهم، وأخرجه أيضًا الترمذي (١٠٥٨) والنسائي ٤/ ٤٩ وابن ماجه (١٤٩١) وأحمد ٣/ ١٨٦ و١٩٧ و٢٤٥ و٢٨١، وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد ٢/ ٢٦١ و٤٩٨ و٤٩٩ و٥٢٨ وابن ماجه (١٤٩٢).
(٥) أخرج البخاري في " صحيحه " (٢٦٤٣) في الشهادات من حديث عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة "، قلنا: وثلاثة؟ قال: " وثلاثة " قلت: واثنان؟ قال: " واثنان " ثم لم نسأله عن الواحد.
[ ١ / ١٨٣ ]
نصوص السُّنةِ والقُرآن بتكفيرِ ذنوبهم بما جرى بينهم في دنياهم من الفتنة (١) والقتال، وسائر المصائب والأوجال، بمشيئة ذي الطول والإفضال بشهادة آية التخوف، ومقبول الأحاديث عند فرسان الاستدلال، المعصومةِ (٢) من الاجتماع على الضَّلال (٣)، فلا تزالُ طائفةٌ منهم على الحق، حتى يُقاتِل آخِرهُم الدَّجال (٤). الموعودين في الكتاب المسطورِ، بالإخراج من الظُّلماتِ إلى النور، المسْتغْفِرِ لهم ملائكةُ الرحمن، بنصوص السُّنة والقرآن، الشاهد لهم بحُبِّ الله مطلق الاتباع، وادخار الدعوة المقبولة، وخير شفيع مطاع، المُنْعَمِ عليهم بلزوم خوفه، المبلِّغ لهم بعدَ الموت إلى الأمان، لشهادته بالإيمان، بدليل تعليقه في القرآن بخوف الرحمن، المبشرين بكونهم نصفَ أهلِ الجنة (٥)، بل ثُلُثيهم (٦)، مع كثرة من تقدم
_________________
(١) في (أ): من القتل والقتال.
(٢) في (أ): المعصومين.
(٣) أخرج الترمذى (٢١٦٨) في الفتن: باب في لزوم الجماعة، من حديث ابن عمر مرفوعًا: " إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة " وفيه سليمان بن سفيان وهو ضعيف، لكنْ له شاهد عند الحاكم ١/ ١١٦ بسند صحيح من حديث ابن عباس، وآخر عن أبي مالك الأشعري عند أبي داود (٤٢٥٣) وإسناده منقطع، وعند ابن أبي عاصم (٨٢) وفيه عنعنة الحسن، وسعيد بن زربي منكر الحديث، وثالث عن أنس بن مالك عند ابن أبي عاصم (٨٣) و(٨٤) وإسناده حسن في الشواهد، ورابع عن أبي مسعود موقوفًا عند ابن أبي عاصم (٨٥) بإسناد جيد، ورواه الطبراني أيضًا من طريقين إحداهما رجالها ثقات، كما قال الهيثمي في " المجمع " ٥/ ٢١٩، وانظر ما قاله السخاوي في " المقاصد " (٤٦٠) فإنه مهم.
(٤) أخرج أبو داود (٢٤٨٤) وأحمد ٤/ ٤٣٤ و٤٣٧ والحاكم ٤/ ٤٥٠ بإسناد صحيح عن عمران بن حصين مرفوعًا: " لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال ".
(٥) أخرج البخاري (٦٥٢٨) ومسلم (٣٧٧) (٢٢١) من حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: كنا مع النبي - ﷺ - في قبة فقال: " أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة "؟ قلنا: نعم، قال: " أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة "؟، قلنا: نعم، قال: " أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة "؟ قلنا: نعم، قال: " والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة ".
(٦) أخرجه أبو نعيم في " الحلية " ٧/ ١٠١، وفي سنده ضعف، لكن الحديث الآتي بعده يشهد له.
[ ١ / ١٨٤ ]
من الأُمم عليهم، وقلَّتهم بالنظر اليهم. فأتقن طرق النقاد في حديث: " أمتي منهم ثمانون صَفًَّا " (١)، وحديث: " الثلاث الحَثَيَات، بعد السبعين ألفًا مع كُلِّ ألفٍ سبعون ألفًا " (٢). وحديث: " إنَّ ما بين مِصْرَاعينِ مِن باب واحد -من ثمانية أبواب- مِثْلُ ما بَيْنَ مكَّةَ وبُصرى " (٣).
عطاءً بغير حساب، ثم إنَّهم يتضاغطون عليه، حتى تكادُ مناكبُهم تزول، فتدبَّر هذا بالمعقول، إن كنت من أهل القبولِ، لِما صحَّ عن الرسول.
فابذلْ جهدَك في نُصحهم، والتأليف بين قلوبهم، وجمع كلمتهم، ولو بينَ اثنينِ منهم.
وتأمل قول الله تعالى حيثُ يقول: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى
_________________
(١) أخرج الترمذي (٢٥٤٦) وابن ماجه (٤٢٨٩) والدارمي ٢/ ٣٧٧ وأحمد ٥/ ٣٤٧ من حديث بريدة الأسلمي قال: قال رسول الله - ﷺ -: " أهل الجنة عشرون ومئة صف، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم " وإسناده صحيح، ورواه أحمد ١/ ٤٥٣ وأبو يعلى ٢٤٩/ ٢ والبزار ١/ ٣٠٥ كالطبراني في " الكبير " (١٠٣٩٨) وفي " الصغير " ١/ ٣٤ وفي " الأوسط " (٤٨١) عن ابن مسعود، وله شواهد منها: عن أبي موسى عند الطبراني في " الأوسط " و" الكبير " وفي سنده سويد بن عبد العزيز، وآخر عن ابن عباس عند الطبراني في " الكبير " (١٠٦٨٢) وفيه خالد بن يزيد الدمشقي، وثالث من حديث معاوية بن حيدة عند الطبراني، وفيه حماد بن عيسى الجهني، وانظر " مجمع الزوائد " ١٠/ ٤٠٣.
(٢) لفظ الحديث بتمامه: " وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا لا حساب عليهم، ولا عذاب، مع كل ألفٍ سبعون ألفًا، وثلاث حثيات من حثيات ربي " أخرجه أحمد ٥/ ٢٦٨ والترمذي (٢٤٣٩) وابن ماجه (٤٢٨٦) وابن أبي عاصم (٥٨٩) عن أبي أمامة، وفي سنده إسماعيل بن عياش، وهو صدوق في روايته عن أهل بلده، وهذا منها، فهو صحيح، وله طريق آخر عند ابن أبي عاصم (٥٨٨) وأحمد ٥/ ٢٥٠ بسند صحيح، وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد ٢/ ٣٥٩ وعن أبي بكر عند أحمد أيضًا (٢٢) وفي سنده مجهول، وعن ثوبان عنده أيضًا ٥/ ٢٨٠ و٢٨١ والطبراني في " الكبير " (١٤١٣) وسنده حسن، وانظر " مجمع الزوائد " ١/ ٤٠٧ و٤١٠.
(٣) هو قطعة من حديث الشفاعة الطويل، رواه البخاري (٤٧١٢) ومسلم (١٩٤) وأحمد ٢/ ٤٣٥ والترمذي (٢٤٣٦) والبغوي (٤٣٣٢) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ١٨٥ ]