وقد نص المنصورُ على أنه قد يخفي على المجتهد بعضُ النُّصوصِ، ولا يَقْدَحُ ذلك في الاجتهاد، وكذلك أبو الحسين وغيرُهُما مِن الأصوليين.
وقد نصَّ الهادي -﵇- في غير حديثٍ في الأحكام أنه لا يدري: أهو صحيحٌ عن النبيِّ - ﷺ - أم لا؟ وذلك يقتضي اعترافَهُ بأنه لم يُحِطْ بمعرفةِ الصَّحيحِ، ولو كان محيطًا به، لقطع بأنَّ ذلك الحديثَ غيرُ صحيح، مستدلًا بأنه لو كان صحيحًا، لوجب أن يكونَ فيما قد عرفه.
وكذلك الشافعيُّ قد توقَّف في أحاديثَ كثيرة، ووقَّف القولَ على صحةِ بعضِ الأخبار، وقد اشتهر عن البغدادية القولُ بوجوب الاجتهادِ على كُلِّ مكلَّف. حكاه عنهم الحاكم (١) في " شرح العيون ".
وقال المنصور (٢) في " الصفوة ": هو مذهب الجعفريين ومن طابقهما مِن متعلمِّي البغدادية.
وقال أبو الحسين في " المعتمد " (٣) ما لفظه: منع قومٌ من شيوخنا البغدايين -﵏- من تقَليد العامي في فروع الشريعة.
وقال الإمام أبو طالب في كتاب " المجزى ": ذهب جعفرُ بنُ
_________________
(١) هو الإمام أبو سعد المُحسن بن محمد بن كرامة الجشمي البيهقي مفسر عالم بالأصول والكلام، حنفي، ثم معتزلى فزيدي، وهو شيخ الزمخشري، قرأ بنيسابور وغيرها واشتهر بصنعاء اليمن، وتوفي شهيدًا مقتولًا بمكة سنة ٤٩٤ هـ " أعلام الزركلي " ٥/ ٢٨٩، وكتابه شرح عيون المسائل منه نسخة خطية في جزئين في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء، كتبت سنة ٨٠٧ هـ. انظر الفهرس ص ١٨٤.
(٢) هو عبد الله بن حمزة بن سليمان المتوفى سنة ٦١٤ هـ.
(٣) ٢/ ٩٣٤.
[ ١ / ٢٩٦ ]
حرب، وجعفر بن مبشِّر ومن تابعهما مِن أصحابنا البغداديين إلى أن العاميَّ لا يجوزُ له تقليدُ العالم، وإنما يلزمه الرجوعُ إليه، لِيعرفَه طريقة النظرِ فيها، وينُبهه على أصولها، فيعمل بما يُوجِبُه نظرُه فيها.
وفي مذهب البغدادية هذا غايةُ التسهيل في الاجتهاد، إذ جعلوه ممكنًا لِكُلِّ مكلَّفٍ من النساء والإماء والزُّرَّاع، وسائرِ أهل الغَبَاوةِ والبَلادة، ولم يزلِ العُلماءُ يذكرون مذهبَ البغدادية، ولا يذكرون في الرد عليهم تعذر الاجتهاد ولا استحالته.
وقد فسَّر البغدادية كيفية اجتهاد العامي، وقالوا: إنه إذا سأل العالم عنِ الدليل، وأخبره به، جازَ له أن يعملَ به من غير طلبٍ لما يُعارضه، أو ينسخه، أو يَخُصُّه من غير ذلك العالم.
ولهذا أُوجبوا على المفتي أن يبين للعاميِّ الدليلَ، لِيكون العاميُّ مجتهدًا خارجًا بذلك عن التقليد، فهذا غاية الترخيص، ولم نعلم أن أحدًا من العلماء أثَّمهم في ذلك، بل ولا ردَّ عليهم بأن ذلك لا يفيد العامي الاجتهاد، وإنما رد العلماء عليهم القول بوجوب الاجتهاد لا القول بتسهيله، وهذا ما وعدناه مِن الزيادة في ذكر سُهُولَةِ الاجتهاد في التنبيه الخامس عشر والمتقدِّم، وإنَّا لو قدَّرنا أنا رخَُّصنا في الاجتهاد، فإنا لم نَشِذَّ بذلك، على أنا بحمد الله لم نذهبْ إلى هذا، وإنما منعنا القولَ بتعذره باستحالته (١)، بل من التَّشديدِ في صعوبته وتعسُّره، لأنه من جملة التكاليفِ الشرعية.
وقد أخبرنا -﷾- أنه ما جعل علينا في الدين مِن حرج،
_________________
(١) في ب: واستحالته.
[ ١ / ٢٩٧ ]