الأشراف لا يزالون مُحَسَّدين (١)، وأن الاختلاف والمعاداة فتنةُ هذه الأمة إلى يوم الدين.
وكذلك، فإنه لمَّا علم ما سيكون من استحلال حُرمَتِهِمُ العظيمة، وسفكِ دمائهم الكريمة، أذِنَ بأنَّه حرب لمن حاربهم، وسِلمٌ (٢) لمن سالمهم، وقَرنهم بالكتاب المجيد، ووصَّى فيهم من كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد.
وهذا الكتاب لا يّتَّسِعُ لذكر فضائل ذوي القربى، فعليك أبها السُّنِّي بمطالعتها في كتاب " ذخائر العُقبى " (٣)، وأمثالِه من الكتب المجرَّدةِ لذكر فضائلهم المشهورة، ومناقبهم المأثورة، وكراماتِهم المشهودة، وسِيَرِهم المحمودة، وفي تراجم أئِمتَّهِم السَّابقين، في كتب أئِمة الحديث العارفين.
وعلى أصحابِه أجمعين مِن الفقراء المهاجرين ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ٨ - ١٠].
_________________
(١) اقتباس من قول الشاعر أنشده الزمخشري في أساس البلاغة إن العَرانِينَ تلقاها مُحَسَّدَةً ولا ترى لِلئام الناسِ حُسَّادا
(٢) الواو ساقطة من (أ).
(٣) هو للشيخ العلامة أحمد بن عبد الله بن محمد، محب الدين الطبري، المتوفى سنة (٦٩٤) هـ، وقد طبع في دار الكتب العراقية في بغداد سنة (١٩٦٧) م.
[ ١ / ١٧٩ ]
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا (١) الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩].
و" مِنْ " ها هنا لِبيان الجنس، لأن لفظةَ "بعضٍ" لا تَصلُحُ مكانَها. فما أكرمَ قومًا ذُكِروا في التَّوراة والإنجيل والقرآن، وَوُصفوا بالسَّبق والهجرة والنُّصْرَة والإيمان، أولئك أصحابُ رسول الله ﵌، الذين صَدَعتْ مَمادحُ الوحي قرآنًا وسُنَّةً، بأنَّهم خيرُ الناس وخيرُ القرون، وخيرُ أُمَّة. ولو لم يَرد من فضائلهم الشريفة، إلا حديثُ " ما بلغَ مُدِّ أحدهم ولا نصيفه " (٢).
_________________
(١) هي قراءة عبد الله بن كثير المكي، المتوفى سنة (١٢٠) هـ وكذلك هي في مصحف أهل مكة وقرأ الباقون: ﴿تَحْتَها﴾ بحذف " مِنْ " ونصب " التاء "، وكذلك هي في جميع المصاحف غير مصحف أهل مكة، انظر " حجة القراءات " (ص: ٣٢٢) لابن زنجلة، و" زاد المسير " ٣/ ٤٩١، و" الكشف عن وجوه القراءات " ١/ ٥٠٥.
(٢) حَذَفَ المُصنفَ الجوابَ للعلم به، أي: لكفاهم بذلك فخرًا، وهو من بابة قوله تعالى في سورة الرعد، الآية: ٣٢: ﴿ولو أنَّ قرآنا سُيرت به الجبالُ أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعًا﴾، انظر " زاد المسير " ٤/ ٣٣٠ بتحقيقنا. والحديث بتمامه: " لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه " أخرجه البخاري (٣٦٧٤) ومسلم (٢٥٤٠) والترمذي (٣٨٦٠) وأبو داود (٤٦٥٨) وأحمد ٣/ ٥١١، وابن أبي عاصم (٩٨٨) والبغوي (٣٨٥٩) كلهم =
[ ١ / ١٨٠ ]
ولَمَّا علم رسول الله ﵌أنْ سوف تُجهلُ حقوقهم، ويُستحلُّ عقوقُهم- حذَّرَ من ذلك وأنذر، وبالغ ﵌ في ذلك وأكثر. ولو لم يَرد في ذلك إلاَّ قولهُ ﵌: " الله، الله في أصحابي، لا تتَّخِذُوهُمْ غرَضًَا بَعْدي منْ أحبَّهم فَبِحُبي أحبَّهم، ومَنْ أبَغَضهم فَببُغضي أبغضهم، ومَنْ آذاهُم، فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى اللهَ، فَيُوشِكُ أن يأخذه " (١).
وقولهُ ﵌: " إذا رأيْتُمُ الَّذِينَ يَسُبُّونَ أصحابي، فَقُولُوا: لعنةُ اللهِ على شَرِّكم " (٢).
فيا لَه مِن قصاص ما أنصَفَهُ، وجزاءٍ ما أعدله، فخذها أيها السُّنّي ممن أُوتي الكلم الجوامع، والحجج القواطع.
فَرَضِيَ اللهُ عَن السابقين منهم واللاَّحقين، والمتبوعينَ منهم والتابعين، من أهلِ الحرمين، والهِجْرَتيْنِ، والمسجدَيْنِ، والقبلتين، والكِتابين، والبيعتين (٣)، والأربعةِ والعشرة، وأهلِ بدرٍ البررة، والذين
_________________
(١) = من حديث أبي سعيد الخدري، ورواه من حديث أبي هريرة مسلمٌ (٢٥٤١) وابن ماجه (١٦١).
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ٨٧ و٥/ ٥٤ و٥٧ والترمذي (٣٨٦١) في المناقب؛ والبغوي (٣٨٦٠) وأحمد في " فضائل الصحابة " (١) و(٢) و(٣) و(٤) والبخاري في " التاريخ الكبير " ٣/ ١/١٣١ والخطيب في " تاريخه " ٩/ ١٢٣ وأبو نعيم في الحلية ٨/ ٢٨٧ وابن أبي عاصم (٩٩٢) من حديث عند الله بن مُغَفَّل المزني، وفيه عبد الرحمن بن زياد، لم يوثقه غير ابن حبان على عادته في توثيق المجاهيل، ومع ذلك فقد حَسَّنه الترمذي، وصححه ابن حبان (٢٢٨٤).
(٣) أخرجه الترمذي (٣٨٦٦) في المناقب، من طريق النضر بن حماد عن سيف بن عمر عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، والنضر بن حماد ضعيف وكذا شيخه، وقال الترمذي: هذا حديث منكر لا نعرفه من حديث عبيد الله بن عمر إلا من هذا الوجه.
(٤) الحرمان: مكة والمدينة، والهجرتان، هجرة الحبشة وهجرة المدينة، =
[ ١ / ١٨١ ]
تبوَّؤا الدار والإيمان، وأهلِ العشرين الغزوة والثمان (١). وعن البعوثِ والجنودِ، وأهلِ حِجَّةِ الودَاع والوفود.
وعن الذين جاؤوا منْ بعدهم يقولون: ربَّنا اغْفِرْ لنا ولإخواننا الَّذينَ سبقونا بالإيمان ولا تَجْعَلْ في قلوبنا غِلًاّ للذين آمنوا ربَّنا إنك رؤوف رحيم.
فعليك أيُّها السُّنِّي بمطالعة " الرياض النضرة في فضائل العشرة " (٢) وأمثاله. ومِنْ أحسنِ ما صُنِّفَ في هذا: كتاب الدارقطني " في ثناء الصحابة على القرابة، وثناءِ القرابة على الصحابة " (٣).
وذكرَ الحافظُ العلامةُ ابنُ تيمية: أنَّ الذي روى ما يُناقِض (٤) ذلك " يهودي "، أظهر الإسلامَ لتُقْبَلَ أكاذيبُه، ثم وضع تلك الأكاذيبَ، وبثَّها في النَّاس.
فيا غوثاه ممن يَقْبَلُ مجاهيلَ الرواة في انتقاص خَيْرِ أمَّةٍ بنصِّ كتاب الله (٥)، وخيرِ القرون بنصِّ رسول الله (٦)! فحسبُنا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
_________________
(١) = والمسجدان: مسجد مكة ومسجد المدينة، والقبلتان: الكعبة والمسجد الأقصى، والبيعتان: بيعة العقبة وبيعة الرضوان والكتابين: الإنجيل والقرآن.
(٢) انظر في التعريف بهذه الغزوات " جوامع السيرة " لابن حزم تحقيق إحسان عباس وناصر الدين الأسد ومراجعة الأستاذ العلامة المحدث الشيخ أحمد محمد شاكر ﵀.
(٣) وهو مطبوع في مصر بعناية جمعية نشر الكتب العربية، سنة (١٩٢٣) م.
(٤) في ظاهرية دمشق قطعة من كتاب للدارقطني موسوم بـ " فضائل الصحابة ومناقبهم " كُتب سنة (٦١٤) هـ، انظر " فهرس مخطوطات الظاهرية " علم التاريخ ١٧٠.
(٥) في (أ): ناقض.
(٦) وهو قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ [آل عمران: ١١٠].
(٧) وهو ما رواه البخاري (٢٦٥١) في الشهادات، ومسلم (٢٥٣٥) والترمذي =
[ ١ / ١٨٢ ]