أدلة السلف على كون الكلام حقيقة الأصوات والحروف:
منه ما روى عبد الله بن مسعود٣ ﵁، عن النبي صلى الله عليه وسلمأنه قال: "إذا تكلم الله بالوحي، سمع صوته أهل السماء" ٤.
وعن أبي هريرة٥ ﵁، عن النبي ﷺ: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله تعالى، كأنها - أو قال: كأنه- سلسلة على صفوان" ٦، وفي حديث آخر قال ﷺ: "إذا أراد الله
_________________
(١) ٣ هو عبد الله بن مسعود الهذلي، حليف بني زهرة، واشتهر بابن ام عبد، من السابقين الأولين حدَّث عن النبي ﷺ بالكثير، سكن الكوفة، وبث علمه بها بإشارة من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضوان الله عليهما، ومات على قول البخاري قبل مقتل عمر بن الخطاب، وقال أبو نعيم وغيره: مات بالمدينة سنة اثنين وثلاثين، وقيل سنة ثلاث وثلاثين، وقيل: مات بالكوفة، والأول أثبت، وكان قد ولاه عمر بن الخطاب الكوفة، ثم عزله، وأمره بالرجوع إلى المدينة، أ. هـ، عن الإصابة: "٣٦٨/٢". ٤ رواه البخاري في: كتاب التوحيد، موقوفًا على ابن مسعود برواية: "إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات شيئًا، فإذا فزع عن قلوبهم، وسكن الصوت عرفوا أنه الحق، ونادوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق"، فتح الباري: "٤٥٣/١٣"، وأبو داود في: السنة: برقم ٤٧٣٨. ٥ اختلف في اسمه على أقوال كثيرة تصل إلى عشرين قولًا، أصحها عبد الرحمن بن صخر الدوسي، قال النووي: إنه أصح، وهو أوسع الصحابة رواية، وكان ممن وقف نفسه على ملازمة رسول الله ﷺ، توفي بالعقيق، وحمل إلى المدينة، وقد اختلف في وفاته فقيل: ٥٧هـ، وقيل ٥٩هـ، وقال البخاري مترددًا: مات سنة سبع وخمسين، ورجح ابن حجر الأول، والإصابة: "٤٠٣/٢"، "٢٠٢/٤- ٢١١". ٦ رواه البخاري في: كتاب التفسير: برقم ٤٧٠١ و٤٨٠٠، وفي: كتاب التوحيد: برقم ٧٤٨١، وابن ماجه في: المقدمة: "٧٠/١": برقم ١٩٤، والترمذي في: تفسير سورة سبأ: رقم ٣٢٢١.
[ ٧٠ ]
أن يوحي الأمر، تكلم بالوحي، أخذت السموات منه رجفة، -أو قال: رعدة- شديدة، خوفًا من الله تعالى، فإذا سمع ذلك أهل السموات، صعقوا، وخروا سجدًا لله، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، ﵊، فيكلمه ﷿ من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق، وهو العلى الكبير".
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أحدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ ٣، المسموع دائمًا الحروف والأصوات، لا المعاني، والإشارة بالمثل إلى شيء حاضر، فلو كان كلام الله معنى قائمًا في النفس، كما قالت الأشعرية، لم تصح الإشارة إليه، وما روي عنه، ﷺ، أنه قال: "من قرأ القرآن، فأعربه، فله بكل حرف منه عشر٤ حسنات" ٥. الحديث، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي يطول ذكرها، وسيأتي بعضها.
_________________
(١) ١ رواه ابن جرير الطبري في: تفسير: "٩١/٢٢"، وابن خريمة في: التوحيد: "صـ ١٤٤"، والبيهقي في: الأسماء والصفات: "٢٠٣/١"، وابن كثير في: تفسيره: "٥٥١/٥"، عن ابن أبي حاتم، كلهم عن النواس بن سمعان متصلًا. وقد سبق طرفه موقوفًا عن ابن مسعود عند البخاري. ٢ التوبة: الآية ٦. ٣ وتمامها: ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيْرًا﴾ [الإسراء: الآية ٨٨] ٤ في الأصل: "خمسوان حسنة"، أي خمسون، وهو خطأ إذا ليس فيما ورد من أحاديث ثواب قراءة القرآن ذلك اللفظ. ٥ رواه الطبراني في: الأوسط، وفيه نهشل، وهو متروك، انظر: مجمع الزوائد: "١٦٣/٧"، غير أن له شواهد، كحديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: "من قرأ حرفًا من كتاب الله، فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها.." رواه الترمذي: "١٧٥/٥"، ورجاله رجال الصحيحين عدا الضحاك بن عثمان، فإنه من رجال مسلم. ورواه البخاري في: التاريخ، انظر: الفتح الكبير: "٢٢٦/٣"، وروى الدارمي نحوه موقوفًا، ومثله لا مدخل للناس فيه، فحكمه حكم المرفوع، انظر: سنن الدارمي: "٤٢٩/٢".
[ ٧١ ]