الثانية:
قال الحافظ ابن حجر: "والذي استقر عليه قول الأشعري٥، أن القرآن كلام الله غير مخلوق، مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، مقروء بالألسنة، قال تعالى ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٦، وفي الحديث: "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو كراهة أن يناله العدو" ٧.
_________________
(١) ٥ في فتح الباري: الأشعرية: "٤٩٤/١٣"ط. السلفية. ٦ التوبة: الآية: ٦. ٧ رواه مسلم في: صحيحه: "١٤٩١/٣"، والبخاري في: خلق أفعال العباد: "صـ ٤٨"، والإمام أحمد في: المسند: "٦/٢".
[ ١٠٠ ]
وليس المراد ما في الصدور، بل ما في المصحف، وأجمع السلف على أن الذي بين الدفتين كلام الله تعالى١.
قال صاحب المواقف٢ في أثناء خطبته: "وقرآنًا قديمًا ذا غايات ومواقف، محفوظًا في القلوب، مقروءًا٣ بالألسن، مكتوبًا في المصاحف"٤.
وقال السيد الشريف٥ في شرحه٦: وَصَفَ القرآن بالقدم، ثم صرح بما يدل على أنه هذه العبارات المنظمومة، كما هو مذهب السلف، حيث [قالوا] ٧: "إن الحفظ والقراءة والكتابة حادثة، لكن متعلقًا، أعني: المحفوظ والمقروء قديم".
وما يتوهم من أن ترتيب الكلمات والحروف، وعروض الانتهاء، والوقف، مما يدل على الحدوث، فباطل؛ لأن ذلك لقصور في آلات القارئ، وأما [ما] ٩ اشتهر عن الشيخ أبي الحسن الأشعري، رحمه الله تعالى: من أن القديم معنى قائم بذاته تعالى، قد عبر منها١٠ بهذه العبارات الحادثة.
_________________
(١) ١ فتح الباري: "٤٩٤/١٣"، ط. السلفية. ٢ هو: عبد الرحمن بن أحمد الإيجي، تقدمت ترجمته. ٣ في الأصل: محفوظ، ومقرور، مكتوب. ٤ المواقف: "صـ ٣". ٥ علي بن محمد بن علي، المعروف بالسيد الشريف الجرجاني: فيلسوف، من كبار العلماء بالعربية، ولد في تاكو قرب استراباد سنة ٧٤٠ هـ، ودرس في شيراز، ولما دخلها تيمور سنة ٧٨٩هـ، فر الجرجاني إلى سمرقند، ثم عاد إليها بعد وفاة تيمور، فأقام إلى أن توفي سنة ٨١٦ هـ، له "التعريفات"، و"شرح مواقف الإيجي"، و"شرح السراجية"، وغيرها كثير، الأعلام: "٧/٥". ٦ على المواقف: "٩/١". ٧ زيادة من شرح المواقف، ليست في الأصل. ٨ في شرح المواقف: القراءة. ٩ زيادة من شرح المواقف، ليست في الأصل. ١٠ هكذا في الأصل، وفي شرح المواقف: عنه.
[ ١٠١ ]
فقد قيل: إنه غلط من الناقل، منشؤة اشتراك لفظ المعنى بين ما يقابل اللفظ، وبين ما يقوم بغيره، ويزداد وضوحًا فيما بعد، إن شاء الله تعالى.
قال [] ١: واعلم أن للمصنف مقالة مفردة٢ في تحقيق٣ كلام الله تعالى، على وفق ما أشار إليه في خطبة الكتاب، ومحصولها: أن لفظ المعنى تارة يطلق على مدلول اللفظ، وأخرى على الأمر القائم بالغير، فالشيخ الأشعري [لما] ٧٤ قال: الكلام هو المعنى النفسي، فهم الأصحاب منه أن مراده مدلولات٥ اللفظ وحده٦، وهو القديم عنده، وأما العبارات، فإنما تسمى كلامًا مجازًا؛ لدلالتها على ما هو كلام حقيقي، حتى صرحوا بأن الألفاظ حادثة على مذهبه أيضًا، لكنها ليست كلامه حقيقة٧.
وهذا الذي فهموه من كلام الشيخ، له لوازم٨ كثيرة فاسدة، كعدم إكفار من أنكر كلامية ما بين دفتي المصحف، مع أنه عُلِمَ من الدين ضرورة كونه كلام الله حقيقة، "وعدم كون"٩ المعارضة والتحدي بكلام الله تعالى الحقيقي، كعدم كون القروء المحفوظ كلامه حقيقة، إلى غير ذلك مما لا
_________________
(١) ١ في الأصل كلمة مصحفة غير مفهومة وهي هكذا: الهياه، وما بعدها نقل عن شرح المواقف للسيد الشريف: "٣٦٤/٢". ٢ في الأصل: "مقر"، والتصحيح من شرح المواقف. ٣ في الأصل: "تحقق"، والتصحيح من شرح المواقف. ٤ زيادة من شرح المواقف، ليست في الأصل. ٥ في شرح المواقف: "مدلول". ٦ في الأصل: واحدة، والتصحيح من شرح المواقف. ٧ صرح بذلك من المتأخرين: الباجوري في حاشيته على السنوسية الصغرى: "صـ ٢٣"، والدسوقي في حاشيته على أم البراهين: "صـ ١١٣"، ومحمد الفضالى في: كفاية العلوم: "صـ ٧٦"، والهدهدي في: الشرح المذكور: "صـ ٧٦". ٨ في الأصل: "لوازم"، والتصحيح من شرح المواقف. ٩ في شرح المواقف: وكعدم المعارضة.
[ ١٠٢ ]
يخفى على المتفطن في الأحكام الدينية، فوجب حمل كلام الشيخ على أنه أراد [به] ١ المعنى الثاني، فيكون الكلام النفسي عنده أمرًا شاملًا للفظ والمعنى٢جميعًا، قائمًا بذاته تعالى، وهو مكتوب في المصاحف، مقروء بالألسن، محفوظ في الصدور، وهو غير الكتابة، والقراءة، والحفظ، الحادثة، وما يقال من أن الحروف والألفاظ مرتبة متعاقبة، فجوابه: إن ذلك الترتيب٣ إنما هو في التلفظ؛ بسبب عدم مساعدة الآلة، فالتلفظ حادث، والأدلة الدالة على الحدوث يجب حملها على حدوثه٤ دون حدوث الملفوظ، جمعًا بين الأدلة، وهذا الذي ذكرناه، وإن كان مخالفًا لما عليه متأخرو أصحابنا، إلا أنه بعد التأمل تعرف حقيقته، تم كلامه٥.
وهذا الحمل لكلام الشيخ٦، هو [مما] ٧ اختاره محمد الشهرستاني٨، في كتابه المسمى "بنهاية الإقدام"٩، ولا شبهة في أنه أقرب إلى الأحكام الظاهرة المنسوبة إلى قواعد الملة، انتهى١٠.
_________________
(١) ١ زيادة من شرح المواقف، ليست في الأصل. ٢ في الأصل: لمعنى، والتصحيح من شرح المواقف. ٤ في الأصل: المتراتب، والتصحيح من شرح المواقف. ٥ في الأصل: حدوث، والتصحيح من شرح المواقف. ٦ أي: كلام صاحب المواقف، عبد الرحمن بن أحمد الإيجي لكن من مصنَّفٍ آخر غير المواقف. ٧ أي: الأشعري. ٨ زيادة من شرح المواقف، ليست في الأصل. ٩ محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح الشهرستاني: من فلاسفة الإسلام، كان إماما في علم الكلام، وأديان الأمم، ومذاهب الفلاسفة، يلقب بالأفضل، ولد في شهرستان، بين نيسابور وخوارزم، سنة ٤٧٩هـ، وانتقل إلى بغداد سنة ٥١٠ هـ، فأقام ثلاث سنين، وعاد إلى بلده، وتوفي بها سنة ٥٤٨ هـ، له: "الملل والنحل"، و"نهاية الإقدام في علم الكلام"، وغيرها، الأعلام: "٢١٥/٦". ١٠ انظر: نهاية الإقدام في علم الكلام: "صـ ٣١٣-٣٣١"، و"صـ ٣١٣-٣١٧". ١١ شرح المواقف: "٣٦٤/٢".
[ ١٠٣ ]
فالذي ظهر من عبارة ابن حجر العسقلاني، وشرح المواقف، موافقة الشيخ الأشعري للإمام أحمد في مسالة الكلام، وما روي عنه مخالف لذلك، فهو غلط من الناقل، منشؤه ما سبق، وقد أتى التاج [ابن] السبكي٢ في الطبقات٣ بأصرح من ذلك، فقال في ترجمة الأشعري: وما قيل: إن مذهبه أن القرآن لم يكن بين الدفتين، ليس القرآن في المصحف، ونَقْلُ ذلك عنه، فهو شنيع فظيع، وتلبس على العوام، فإن الأشعري وكل مسلم غير مبتدع يقول: إن القرآن كلام الله، وهو على الحقيقة مكتوب في المصاحف، لا على المجاز، ومن قال: إن القرآن ليس في المصاحف، على هذا الإطلاق، فهو مخطئ، بل القرآن مكتوب في المصحف، وهو قديم غير مخلوق، لم يزل سبحانه متكلمًا، ولا يزال به قائمًا، ولا يجوز انفصال القرآن عن ذات الله تعالى، ولا الحلول٣ في المحال، وكون الكلام مكتوب على الحقيقة في الكتاب، لا يقتضي حلوله فيه، لا انفصاله عن ذوات المتكلم، قال الله تعالى: ﴿النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾ ٤، فالنبي صلى االله عليه وسلم في التوراة والإنجيل مكتوب على الحقيقة، وكذلك القرآن على الحقيقة مكتوب في المصاحف، محفوظ في قلوب المؤمنين، مقروء متلوٌّ على الحقيقة بألسنة القارئين من المسلمين، كما أن الله تعالى على الحقيقة لا على المجاز؛ معبود في مساجدنا، ومعلوم في قلوبنا، مذكور في ألسنتنا، وهذا واضح بحمد الله، ومن زاغ عن هذه الطريقة، فهو قدري معتزلي، يقول بخلق القرآن، وأنه حالٌّ في المصاحف نظير ما قالوا: إنه لما سمع موسى، ﵊ كلامه، خلق كلامه في الشجرة، وهذه من فظائع ٥المعتزلة، التى لايخفي فسادها على
محصل٥. إنتهى [ابن] السبكي.
_________________
(١) ١في الأصل: السبكي التاج، وعلَّم فوق كل منهما بعلامة التقديم والتأخير. ٢ طبقات الشافعية الكبرى: "٢٨٥/٢". في الأصل: "لحول"، والتصحيح من طبقات الشافعية الكبرى. ٣ الأعراف: الآية ١٥٧. ٤ في الطبقات: فضائح. ٥ هكذا في الأصل والطبقات.
[ ١٠٤ ]
وما قيل: إن منكر كلامية ما بين الدفتين، إنما يكفر إذا قال: من المخترعات البشرية، وأما إذا اعتقد أنه من مبتدعات الله، ودالٌّ على ما هو كلامه حقيقة، أو قائم بذاته، ولكنه ليس صفة قائمة بذاته تعالى، فلا يكفر أصلًا، فخلاف الظاهر من حيث إن الشارع٢ يحكم بكفر منكره حالًا، من "١٢/ب" غير استفسار له عن مراده، فإنَّ نفي هذا الإطلاق خلاف ما علم بالاضطرار من دين الإسلام، وخلاف [ما] ٣ دل عليه الشرع، والعقل، كما نقله الشيخ تقي الدين الفتوحي٤.
_________________
(١) أي: لا يخفى فسادها على من حصل هذا العالم، أو من حصل شيئًا من العلم. ٢ في الأصل: "الشاعر"، وفي هامشه جاء ما نصه وبالقلم نفسه: "لعله الشارع؛ لأن الشاعر هنا لا ينتظم الكلام به، ولا يتصور معناه إلا ذو فهم سقيم". اهـ. ٣ زيادة لابد منها؛ ليستقيم المعنى. ٤ محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي، تقي الدين، أبو البقاء، الشهير بابن النجار: فقيه حنبلي مصري، من القضاة، قال الشعراني: صحبته أربعين سنة، فما رأيت عليه شيئًا يشينه، ما رأيت أحدًا أحلى منطقًا منه، ولا أكثر أدبا مع جليسه، ولد سنة ٨٩٨ هـ، وتوفي سنة ٩٧٢هـ، له: "منتهى الارادات في جمع المقنع مع التنقيح والزيادات"، طبع مع شرحه للبهوتي، وقال الزركلي: إن شرحه غير تام، والصواب أنه تام متداول معروف، الأعلام: "٦/٦".
[ ١٠٥ ]