فإن قلت: قد قدمت فيما نقلته عن الشيخ الموفق من كلام السلف في ذم الاشتغال بعلم الكلام، ونراك قد ألفت فيه، فالجواب أن المذموم منه ما كان غير مأخوذ من كتاب ولا سنة، بل كان بمحض الأقيسة، فقد قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه رسول الله، ﷺ، واتباع القرآن، وليس في السنة٥ قياس٦، ولا
_________________
(١) ٥ السنة هنا: العقائد التي ترك النبي صلى الله عليه عليها أصحابه، وهي أخبار الصفات ووقوفهم عندها كما وردت، تمر، ولا تأول فتحرف، ولا تنكر فتعطل. ٦ في الأصل: "قياسًا"، وهو خطأ.
[ ١٠٨ ]
تضرب بها الأمثال، ولا تدرك بالعقول،-أو قال: بالمعقول-، ولا بالأهواء، إنما هو الاتباع وترك الهوى"١ انتهى.
فعلى هذا، إن كل من اشتغل ببيان ما جاء عن السلف، ولم يؤول، ولم يعطل، ولم يشبه، ولم يستعمل الأقيسة، وآراء الرجال المزخرفة بالأقوال، لا يقال: إنه اشتغل بالمذموم من علم المكلام، فقد قال عمر بن عبد العزيز٢ كلامًا معناه: "قف حيث وقف قوم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر ناقد٣كفوا، ولهم على كشف الأمور كانوا أقوى٤، وبالفضل - لو كان فيها- أحرى، فلئن حدث بعدهم رأي، فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم، وقد صفوا٥، فجنوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، لقد قصر عنهم قوم وضعوا٦، وتجاوزهم آخرون فغلوا٧، وإنهم فيها بين ذلك لعلي هدًى٨" ولهذا قال مالك لما سئل عن
_________________
(١) ١ معتقد الإمام أحمد: طبقات الحنابلة: "٢٤١/١". نقله عن عمر بن عبد العزيز هنا بالمعنى، ونقله في طبقات الحنابلة كاملًا بلفظ عمر بن عبد العزيز، وسنورده كاملًا بعد انتهائه مختصرًا. ٣ في الأصل: وببصر قد كفوا، والتصحيح من الطبقات: "٧٠/١". ٤ في الأصل: ولهم على كشفها كان أقوى، والتصحيح من الطبقات: "٧٠/". ٥ في الأصل: وضعوا، والتصحيح من الطبقات: "٧٠/١". ٦ الوضع: ضرب من سير الإبل دون الشد يريد أن سيرهم كان ضعيفًا. ٧ في الأصل: ففعوا، وهو تحريف، والتصحيح من الطبقات. ٨ أما كلام عمر بن عبد العزيز كاملًا، فهو كما رواه عند في طبقات الحنابلة: "٧١/١": "إياك وما أحدث المحدثون، فإنه لم تكن بدعة إلا وقد مضى قبلها ما هو دليل عليها، وعبرة منها، فعليك بلزوم السنة، فإنها لك بإذن الله عصمة، وإن السنة إنما سنها من قد علم ما جاء في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق، وارض لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر ناقد كفوا، ولهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل -ولو كان فيها- أحرى، إنهم لهم السابقون، فلئن كان الهدى ما أنتم عليه، فقد سبقتموهم إليه، وإن قلتم: حدث حدث بعدهم، ما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، ولقد تكلموا منه بما يكفي، ووصفوا =
[ ١٠٩ ]
الاستواء١: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
_________________
(١) =منه ما يشفي، فما دونهم مقصر، ولا فوقهم محسر، لقد قصر دونهم أقوام فجفوا، وطمح آخرون عنهم فغلوا، وإنهم مع ذلك لعلى هدى مستقيم" ا. هـ. قلت: أرى أنه قال: فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا. والله أعلم. ١ وقول الإمام مالك ﵁، هو قول السلف قاطبة، وهو الحق بين باطلين، ويطرد في سائر الصفات.
[ ١١٠ ]