قد ذكر بعض الحنابلة في عقيدته أن الشيخ الأشعري رحمه الله تعالى، معتقد ومؤتم وموافق لأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، في اعتقاده الموافق لاعتقاد السلف، من حيث إجرؤاه المتشابه على ما قاله الله من غير تصرف، فقال رحمه الله تعالى ما نصه: "وأما أحمد بن حنبل وأصحابه منهم أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتكلم، صاحب الطريقة المنسوبة إليه: فصل٢، في إبانة قول الحق والسنة"٣، فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والروافض، المرجئة، فعرفونا قولكم الذي تقولون، وديانتكم التي٤ تدينون.
قيل له: قولنا الذي نقول به، وديننا الذي٥ ندين الله٦ به، التمسك بكتاب ربنا، وسنة نبينا، وما روي عن الصحابة، والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما يقول أبو عبد الله أحمد بن حنبل- نصر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته- قائلون، ولمن خالف قوله مخالفون؛ لأنه
_________________
(١) ٢ هذه الكلمة ليست تبويبًا لأحد مقاطع الكتاب، إنما من جملة ما ينقله المؤلف عن شيخ الإسلام ابن تيمية. ٣ الإبانة: "صـ ٨". ٤ في الأصل: الذي. ٥ هكذا في الأصل، وفي الإبانة: وديانتنا. ٦ زيادة من الأصل، ليست في الإبانة.
[ ١١٠ ]
الإمام١ الفاضل، والرئيس٢ الكامل، الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفخم٣.
وجملة قولنا بأنَّا نقر بالله٤، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبما جاءوا به من عنده، وبما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ، ولا نرد من ذلك شيئًا، وأن الله استوى على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٥، ونقول فيما اختلفنا فيه بالرد إلى كتاب ربنا، وسنة نبينا، وإجماع المسلمين.
فإن قال٦ قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: إن الله مستوٍ٧ على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾،ونبطل تأويل من تأول بمعنى استولى.
إن هذا تفسير لم يقل٨ به أحد من السلف، من سائر المسلمين، من الصحابة والتابعين، بل أول من قال ذلك الجهمية والمعتزلة، كما قاله أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات، وكتاب الإبانة٩، فإنه كان معلومًا للسلف علمًا ظاهرًا، فيكون التفسير المحدث باطلًا، ولهذا قال مالك: الاستواء معلوم، وأما قوله: والكيف مجهول، فالجهل بالكيف لا ينفي علم
_________________
(١) ١ في الأصل: إلا، وسقط باقيها. ٢ في الأصل: الباسق. ٣ في الإبانة: مفهم. ٤ في الأصل: بأن الله. ٥ طه، الآية: ٥. ٦ الإبانة: "صـ ٩". ٧ في الأصل: مستوي، وفي الإبانة: استوى. ٩ مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: "صـ ٢٩٠"، الإبانة: "صـ ٣٤-٣٦"، ط. المنيرية.
[ ١١١ ]
ما قد علم أصله، كما نقر بالله، ونؤمن به، ولا نعلم كيف هو، أشار إلى ذلك الشيخ ابن تيمية، رحمه الله تعالى، في بعض رسائله١، والله أعلم.
_________________
(١) ١ هذا ليس نقلًا عن كتب ابن تيمية، بل أخذًا منه على المعنى والكيف، وهذه الإشارات في أكثر من كتاب مما في أيدينا، كمجموعة الرسائل والمسائل، ومجموعة الرسائل الكبرى، رسالة العقيدة الحموية الكبرى، فقد نقل عن المقالات والإبانة، انظر الحموية الكبرى، طي مجموعة الرسائل الكبرى: "٤٥٥/١-٤٦٠"، لكن لم يشر إلى أن أبا الحسن الأشعري من أصحاب الإمام أحمد ﵁.
[ ١١٢ ]