وقال الشيخ تقي الدين في فتيا له تسمى بالأزهرية١: ومن قال: إن القرآن عبارة عن كلام الله تعالى، وقع في محذورات:
أحدها: قولهم: إن القرآن ليس بكلام الله تعالى، فإن نفي هذا الإطلاق خلاف ما علم بالاضطرار من دين الإسلام، وخلاف ما دل عليه الشرع والعقل.
والثاني: قولهم: "عبارة" إن أرادوا، أن هذا التالى٢ هو الذي عبر عن كلام الله تعالى القائم بنفسه، لزم أن يكون كل تالٍ معبرًا عما في نفس الله، والمعبر عن غيره هو المنشئ للعبارة، فيكون كل قاريء هو المنشئ لعبارة القرآن، وهذا معلوم الفساد بالضرورة.
وإن أرادوا أن القران العربي عبارة عن معانيه، فهذا حق إذ كل كلام لفظه عبارة عن معناه، لكن هذا لا يمنع أن يكون الكلام متناولًا اللفظ [والمعنى] ٣. انتهى٤.
_________________
(١) ١ الفتيا الأزهرية: ليست مطبوعة، وقيل: مفقودة. ٢ في شرح الكوكب المنير: "٣٥/٢": "الثاني"، وهو خطأ مطبعي. ٣ساقطة من الأصل، استدركناها من شرح الكوكب المنير: "٣٥/٢". ٤ هذا كله كلام الشيخ تقي الدين ﵁، وله تتمة عظيمة الفائدة، انظر: شرح الكوكب المنير: "٣٢/٢-٤٠"، مجموعة الرسائل والمسائل: "٥٥/٣-٥٦، ٢٠، ١٢٨،٢١"، فتاوى شيخ الإسلام "٥١٧/١٢".
[ ٨٢ ]
رد الإمام موفق الدين ابن قدامة على أدلة الأشعرية في المعنى النفسي والحرف والصوت والحقيقة والمجاز والتعاقب والتعدد
قال الشيخ الإسلام موفق الدين بن قدامة المقدسي٤ في مصنف له٥: واعترض القائل بكلام النفس بوجوه:
أحدها قول الاخطل: إن الكلام لفي الفؤاد البيت.
_________________
(١) ٤ عبد الله بن أحمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الحنبلي، أبو محمد موفق الدين: فقيه من أكابر الحنابلة، له تصانيف منها "المغني شرح الخرقي"، و"روضة الناظر" في أصول الفقه، و"المقنع"، و"الكافي"، و"العمدة"، و"لمعة الاعتقاد"، وغيرها مما هو غير مطبوع، ولد سنة ٥٤١هـ، وتوفي سنة ٦٢٠هـ، الأعلام: "٦٧/٤"، واسمه فيه عبد الله بن محمد، وهو خطأ مطبعي قطعًا؛ لأنه في موضع عبد الله بن أحمد. ٥ لشيخ الإسلام موفق الدين ابن قدامة المقدسي عدة كتب في السنة منها: لمعة الاعتقاد، مسألة في تحريم النظر في كتب أهل الكلام، ومسألة العلو، وكتاب القدر، والبرهان في مسألة القرآن، والأرجح أنه مقصود المؤلف وعنه ينقل، وغيرها، انظر: ذيل طبقات الحنابلة: "١٣٣/١"، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد: "صـ ٢٠٧"، والأعلام: "٦٧/٤".
[ ٨٣ ]
الثاني: سلمنا أن كلام الآدمي صوت وحرف، لكن كلام الله تعالى يخالفه؛ لأنه صفته، فلا تشبه صفات الآدميين، وكلامه كلامهم.
الثالث: أن مذهبكم في الصفات أن لا تفسر، فيكيف فسرتم كلام الله بما ذكرتم.
الرابع: أن الحروف لا تخرج إلا من خارج وأدوات، والصوت لا يكون إلا من جسم، والله متعالٍ عن ذلك.
الخامس: أن الحروف يدخلها التعاقب١، وكل مسبوق مخلوق.
السادس: أن هذا يدخله التجزؤ٢ والتعدد والقديم لا يتجزأ ولا يتعدد.
قال شيخ الإسلام الموفق: الجواب عن الأول من وجوه.
الأول: أن هذا [كلام] ٣ شاعر نصراني عدو لله ورسوله ودينه، أفيجب٤ اطراح كلامه تعالى ورسوله وسائر الخلق تصحيحًا لكلامه؟، وحمل كلامهم على المجاز صيانة لكلامه؟، هذا عن المجاز.
وأيضًا فتحتاجون إلى إثبات هذا الشعر ببيان إسناده، ونقل الثقات له، ولا نقنع بشهرته، فقد يشتهر الفاسد.
_________________
(١) ١ اختصر المؤلف هنا عبارة، ذكرها في: شرح الكوكب المنير: "٤١/٢"، وهي: فالباء تسبق السين، والسين تسبق الميم. ٢ في الأصل: "التجري". ٣ ما بين معقوفين تتمة من شرح الكوكب المنير: "٤١/٢". ٤ في الأصل: "فيحب"، بالحاء، وهذا ممكن، والعبارة كما في: شرح الكوكب المنير: أظهر وأقوى تعبيرًا، وأصح سياقًا ومعنى، وهي: فهل يجب، وفي نسخة: أفيجب، فأثبتناها: أفيجب، فإنها أقرب لما في نسختنا رسمًا بإسقاط الألف، والمعنى واحد.
[ ٨٤ ]
وقد سمعت شيخنا أبا محمد الخشاب١، إمام أهل العربية في زمانه، يقول: قد فتشت دواوين الأخطل العتيقة، فلم أجد هذا البيت فيها٢.
الثاني: لا نسلم أن لفظه هكذا، إنما قال: "إن البيان من الفؤاد"، فحرفوه وقالوا: الكلام٢.
الثالث: أن هذا مجاز، يراد به أن الكلام من عقلاء الناس إنما يكون بعد التروي فيه، واستحضار معانيه في القلب٢، كما قيل: لسان الحكيم من وراء قلبه، فإن كان له محل قاله، وإن لم يكن سكت، وكلام الجاهل على طرف لسانه.
والدليل على أن هذا مجاز من وجوه كثيرة.
أحدها: ما ذكرناه مما يدل على أن الكلام هو النطق، وحمله على الحقيقة، يحمل٣ كلام الأخطل على مجازها أولى من العكس. "٩/أ"
ثانيها: أن الحقيقة يستدل ٤ عليها بسبقها إلى الذهن، وتبادر الأفهام إليها، وإنما يفهم من إطلاق الكلام ما ذكرناه.
ثالثها: ترتيب الأحكام على ما ذكرناه، دون ما ذكروه.
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن أحمد بن أحمد، أبو محمد، المعروف بابن الخشاب، البغدادي الحنبلي، العالم المشهور بالأدب واللغة والنحو والحديث والفقه والتفسير والمنطق والفلسفة والهندسة والقراءات، له مصنفات كثيرة منها: "المرتجل في شرح الجمل" لعبد القاهر الجرحاني، و"شرح اللمع" لابن جني، و"الرد على التبريزي في تهذيب الإصلاح"، و"شرح مقدمة الوزير ابن هبيرة" في النحو، وتوفي سنة ٥٦٧ هـ ببغداد. انظر الذيل على طبقات الحنابلة: "٣١٦/١"، وفيات الأعيان: "٢٨٨/٢"، شذرات الذهب: "٢٢٠/٤"، الأعلام: "٦٧/٤". ٢ انظر فيها: الإيمان لابن تيمية: "صـ ١١٦". ٣ في شرح الكوكب المنير: "٤٣/٢": وحمله على حقيقته، وحمل كلام الأخطل.. إلخ. ٤ في الأصل: "يستد".
[ ٨٥ ]
رابعها: [قول] ١ أهل العربية الذين هم أهل اللسان، وهم أعرف بهذا الشأن.
خامسها٢: لا تصح إضافة ما ذكروه إلى الله تعالى، فإنه جعل اللسان دليلًا عليه، "والله ﷾ منزه عن ذلك"٣، ولأن الذي عبر عنه الأخطل بالكلام، هو التروي والفكر واستحضار المعاني، وحديث النفس، ووسوستها، ولا يجوز إضافة شيء من ذلك إلى الله تعالى بلا خلاف بين المسلمين.
قال٤: من أعجب الأمور أن خصومنا ردوا على الله وعلى رسوله، وخالفوا جميع الخلق٥ من المسلمين، وغيرهم، فرارًا من التشبيه على زعمهم، ثم صاروا إلى تشبيه أقبح وأفحش من كل تشبيه، وهذا نوع التغفل٦، ومن أدل الأشياء على فساد قولهم، تركهم قوله تعالى، وقول رسوله ﷺ، وما لا يحصى من الأدلة، وتمسكهم بكلمة قالها هذا الشاعر النصراني، وجعلوها أساس مذهبهم، وقاعدة عقدهم، ولو أنها انفردت عن مبطل، وخلت عن معارض، لما جاز أن يبنى عليها هذا الأصل العظيم، فكيف، وقد عارضها ما لا يمكن رده؟ فمثلهم كمثل من بنى قصرًا على أعواد الكبريت، في مجرى النيل.
وأما قولهم: إن كلام الله يجب أن لا يكون حرفًا يشبه كلام الآدميين.
قلنا: جوابه من وجوه:
_________________
(١) ١ زيادة من شرح الكوكب المنير: "٤٣/٢"، ليست في الأصل. ٢ زاد في شرح الكوكب فقرة، لم يذكرها المؤلف هنا. ٣ "زيادة من الأصل"، ليس في شرح الكوكب المنير: انظره: "٤٣/٢". ٤ أيْ: ابن قدامة المقدسي ﵀. ٥ في الأصل: "الفلق"، والتصحيح من: شرح الكوكب المنير: "٤٤/٢". ٦ في: شرح الكوكب المنير: "٤٤/٢": التغفيل.
[ ٨٦ ]
أحدها: أن الاتفاق في أصل الحقيقة ليس بتشبيه، كما أن إدراك١ البصر بأنه إدراك المبصرات، والسمع في أنه إدراك المسموعات، والعلم في أنه إدراك المعلومات، ليس بتشبه، كذلك هذا.
الثاني: أنه لو كان تشبيهًا، لكان تشبيههم أقبح وأفحش، على [ما] ٢ ذكرناه.
الثالث: أنهم نفوا هذه الصفة بكون٣ هذا تشبيهًا، ينبغي أن ينفوا سائر الصفات، من الوجود والحياة والسمع والبصر وغيرها.
أم قولهم: "أنتم فسرتم هذه الصفة".
قلنا: لا٤ يجوز تفسير المتشابه الذي سكت السلف عن تفسيره، وليس كذلك الكلام، فإنه من المعلوم بين الخلق أنه لا تشابه فيه، وأنه فسره الكتاب والسنة.
وأيضًا: نحن فسرناه بحمله على حقيقته، تفسيرًا جاء به القرآن والسنة، وهم فسروه بما لم يرد به كتاب، ولا سنة، ولا يوافق الحقيقة، ولا يجوز نسبته إلى الله تعالى.
وأما قولهم: "إن الحروف تحتاج إلى مخارج وأدوات".
قلنا: احتياجها إلى ذلك في حقنا، لا يوجب ذلك في كلام الله تعالى، تعالى الله عن ذلك.
فإن قالوا: بل احتياج الله كاحتياجنا قياسًا له علينا.
أخطأوا من وجوه:
_________________
(١) ١ في شرح الكوكب المنير: "اتفاق": "٤٤/٥". ٣ تتمة من شرح الكوكب المنير: "٤٥/٢"، سقطت من الأصل. ٣ في شرح الكوكب المنير: "٤٥/٢": "لكون". ٤ في شرح الكوكب المنير: "٤٥/٢": "إنما لا يجوز " إلخ.
[ ٨٧ ]
أحدها: أنه يلزمهم في سائر الصفات التي سلموها، كالسمع والعلم والحياة، ولا يكون في حقنا إلا في جسم، ولا يكون البصر إلا من "٩/ب" حدقة، ولا السمع إلا من انخراق، والله تعالى بخلاف ذلك١.
ثانيها: أن هذا تشبيه لله بنا، وقياس له علينا، وهذا كفر.
ثالثها: أن بعض المخلوقات لم تحتج إلى مخارج في كلامها، كالأيدي والأرجل والجلود التي تتكلم يوم القيامة٣، والحجر٤ الذي سلم على النبي ﷺ، والحصى الذي سبح في كفه ٥، والذراع المسمومة التي
_________________
(١) ١ قال ابن حجر في: فتح الباري: "٤٥٤/١٣" ما نصه: وكلام الله صفة من صفات ذاته، لا تشبه صفة غيره، إذا ليس يوجد شيء من صفاته في صفات المخلوقين، هكذا قرره المصنف في كتاب: "خلق أفعال العباد". ٢ في الأصل: "قياسًا". ٣ قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور، الآية ٢٤]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: الآية ٦٥] . ٤ وهو ما رواه مسلم في: صحيحه: "١٧٨٢/٤"، والترمذي في: السنن: "٥٩٢/٥"، والإمام أحمد في: المسند: "٨٩/٥"، والدارمي في: مسنده: "١٢/١"، عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أني لاعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، وإني لأعرفه الآن". انظر: مجمع الزوائد: "٢٥٩/٨". ٥ أخرج البزار والطبراني في: الأوسط، وأبو نعيم، والبيهقي، عن أبي ذر قال: "كان النبي ﷺ جالسًا وحده، فجئت حتى جلست إليه، فجاء أبو بكر، فسلم ثم جلس، ثم جاء عمر، ثم عثمان، وبين يدي رسول الله ﷺ سبع حصيات، فأخذهن، فوضعهن في كفه، فسبحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، ثم أخذهن، فوضعهن في يد أبي بكر، فسبحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، ثم تناولهن، فوضعهن في يد عمر، فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، ثم تناولهن، فوضعهن في يد عثمان، فسبحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل، ثم وضعهن، فخرسن، فقال رسول الله ﷺ: "هذه خلافة نبوة"، وأخرج ابن عساكر نحوه، وزاد فيه: ثم صيرهن في أيدينا رجلًا رجلًا، فما =
[ ٨٨ ]
كلمته١، وقال بن مسعود: "كنا نسمع تسبيح الطعام، وهو يؤكل"٢، ولا خلاف في أن الله ﷾ قادر على إنطاق الحجر الأصم بلا أدوات.
قلت٣: إن الذي يقطع به عنهم، أنهم لا يقولون: إن الله سبحانه يحتاج كحاجتنا، قياسًا له علينا، فإنه عين التشبيه، وهم لا يقولون كذلك٤، ويفرون منه، والظاهر أن الشيخ الموفق قال ذلك على تقدير قولهم له٥.
ثم قال: وقولهم: "إن التعاقب يدخل في الحروف".
قلنا: إنما ذلك في حق من ينطق بالمخارج والأدوات، ولا يوصف ﷾ بذلك.
_________________
(١) سبحت حصاة منهن، انظر الخصائص الكبرى: "٧٤/٢"، وفي مجمع الزوائد: "٢٩٩/٨"، قال الهيثمي: رواه البزار بإسنادين رجال أحدهما ثقات، وفي بعضهم ضعف. ١ روي البخاري: "٥٦/٣"، ومسلم: "١٧٢١/٤"، في صحيحيهما عن أنس: "أن امرأه يهودية أتت النبي ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله ﷺ، فسألها عن ذلك، فقالت: أردت لأقتلك، فقال: "ما كان الله ليسلطك على ذلك". وفي رواية "عليَّ ". وروى الدارمي في: سننه: "٣٢/١"، الحديث، وفيه: "قال: إن هذه تخبرني أنها مسمومة"، ونحوه عند أبي دواد في: السنن: "٤٨٢/٢"، والبزار والطبراني عن أنس. وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، غير مبارك بن فضالة، وهو ثقة، وهو ضعيف، مجمع الزوائد: "٢٩٥/٨". قلت: الضعف من طريق البزار والطبراني، لكنه يرتفع إلى رتبة الحسن لغيره من هذا الوجه؛ لورود شاهد له في الصحيحين. ٢ رواه البخاري في: صحيحه: "٢٣٥/٤"، والترمذي في: السنن: "٥٩٧/٥"، والدارمي في: السنن: "١٤/١"، عن ابن مسعود. ٣ هذا كلام الإمام العلامة، محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي الحنبلي، المعروف بابن النجار، صاحب شرح الكوكب المنير، وستأتي ترجمته إن شاء الله تعالى. ٤ في شرح الكوكب المنير: "ذلك": "٤٨/٢". ٥ شرح الكوكب المنير: "٤٨/٢".
[ ٨٩ ]