المقصد الثاني: في مسائل وقع فيها الخلاف بين الحنابلة والأشاعرة:
اولا: الاستواء
منها١: أننا نؤمن بأن الله تعالى مستوٍ٢ على عرشه، بائن من خلقه، من غير تأويل٣؛ فعن أم سلمة، ﵂،
_________________
(١) ١ لم يقع الخلاف بيننا وبين الأشعرية كافة، فابن الباقلاني القاضي يقر بالاستواء، ويقول بالفوقية، ويرد الحكاية والعبارة عن القرآن، ولكن ينكر الصوت فقط. ويدنو البيهقي من ابن الباقلاني، وأبي الحسن الأشعري في الاعتقاد، ويوافقهم في كل شيء، لكنه لا يسلك مسلكهم في الجدل، ويعتمد الإنابة دائمًا، ولا يخالفها، ويرد الصوت تبعًا لأبي الحسن الأشعري، ولا يقول بالمجاز في الصفات، كابن الباقلاني، والأشعري في الإنابة. أما الإمام أبو محمد الجويني، فإنه يثبت الحرف والصوت والاستواء والفوقية، وهو على هذا ليس منهم، وقد عده ابن عساكر في: "تبيين كذب المفتري، من أصحاب الأشعري"، وهذه عادتهم، فإنهم يعدون فريقًا يعدون من الأئمة أشعرية، وليسوا كذلك، لعدم موافقتهم لهم في مسائل الخلاف، كأبي محمد الجويني، وأبي حامد الإسفرائيني، وأبي إسحاق الشيرازي. والخلاف الرئيس يقع مع إمام الحرمين والغزالي، وابن فورك وعبد القاهر البغدادي، وأمثالهم. ٢ في الأصل: مستوي. ٣ الغنية: "٥٠/١"، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٣٩"، اعتقاد الإمام أحمد: "٢٩٦/٢"، طبقات الحنابلة، مقدمة في عقيدة الإمام أحمد: "٢٦٥/٢"، طبقات الحنابلة، عقيدة الإمام أحمد: "٢٩/١"، طبقات الحنابلة، لمعة الاعتقاد: "صـ ١٧"، العقيدة الواسطية: "٤٠١/١"، الحموية الكبرى: "٤٣٩/١، ٤٤٠،" وهما ضمن مجموعة الرسائل الكبرى، شرح الطحاوية: "صـ ٣١٣". ٤ هند بنت سهيل بن المغيرة القرشية المخزومية، أم سلمة من زوجات النبي صلي الله عليه وسلم، =
[ ٥٩ ]
جواب في الاستواء١.
كما اشتهر من جواب أبي٢ علي الحسين بن الفضل٣ البجلي٤، عن الاستواء، فقال: "لا نعرف أنباء الغيب إلا ما كشف لنا، وقد علمنا جل ذكره: أنه استوى على عرشه، لم يخبر كيف استوى، ومن اعتقد أن الله مفتقر للعرش، أو لغيره من المخلوقات، أو أن استواءه على العرش، كاستواء المخلوقات على كرسيه، فهو ضالٌّ مبتدع، فكان الله ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان".
ومنها: نزول الرب ﷾ كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه بنزول المخلوقين، ولا تمثيل، ولا تكييف، بل يثبت٥ الحنابلة ما أثبته رسول الله ﷺ، ويُمِرُّون الخبر الصحيح٦ الوراد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله تعالى٧.
_________________
(١) =تزوحها في السنة الرابعة للهجرة، وكانت من أكمل النساء عقلًا وخلقًا، وكانت كاتبة ذات رأي، وهي قديمة الإسلام، وعمرت طويلًا، فقد توفيت سنة ٦٢هـ، وهذا اختيار الزركلي، الأعلام: "٩٧/٨". ١ رواه أبو القاسم اللالكائي فى: كتاب السنة من طريق الحسن البصري عن أم سلمة أنها قالت: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر" ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني فى: فتح الباري: "٤٠٦/١٣"ط. السلفية، وانظر كامل إيراده للبحث الماتع: "٤٠٥/١٣-٤٠٨". ٢ في الأصل: "ابن". ٣ في الأصل: الفضلي، وهو سبق قلم من الناسخ. ٤ الحسين بن الفضل بن عُمير البجلي، مفسر معمر، كان رأسًا في معاني القرآن، أصله من الكوفة، وانتقل إلى نيسابور، وأنزله واليها عبد الله بن طاهر في دار اشتراها له سنة ٢١٧ هـ، فأقام فيها يعلم الناس ٦٥ سنة، وكان قبره فيها معروف، الأعلام: "٢٥٢/٢". ٥ في الأصل: "يثبتون". ٦ فلا بد من كون الحديث صحيحًا، ليكون حجة في الصفات، وإن كان آحادًا، فالآحاد عندنا حجة في الأحكام والعقائد، انظر: مختصر التحرير: "صـ ٤٤". ٧ انظر: اعتقاد الإمام أحمد: "٣٠٧/٢"، طبقات الحنابلة، معتقد الإمام أحمد: "٢٤١/١، ٢٤٢"، طبقات الحنابلة، مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٤٨"، الغنية: "٥٠/١"، لمعة الاعتقاد: "صـ ٥، ٧"، شرح الطحاوية: "صـ ٢٣٩".
[ ٦٠ ]
ثانيًا: النزول والمحيء والإتيان
وكذلك ما أنزل الله عز اسمه في كتابه، من ذكر المجيء٢ والإتيان٣، المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ ٤الآية، وفي قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ﴾ ٥ الآية.
ونؤمن بذلك بلا كيف، فلو شاء سبحانه أن يبين لنا كيفية ذلك لفعل، فانتهينا إلى ما أحكمه، وكففنا عن الذي يتشابه.
_________________
(١) ٢ مختصر لوامع الأنوار: "صـ ٤٨"، الغنية: "٥١/١"، الإبانة: "صـ ١١"، الهداية والاعتقاد: "صـ ٧١ - ٧٢". ٣ انظر المصادر السابقة. ٤ الفجر، الآية: ٢٢. ٥ البقرة، الآية: ٢١٠.
[ ٦١ ]