وقال ابن كُلَّاب١ وأتباعه، منهم الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، وأتباعه: إن الكلام مشترك بين الألفاظ المسموعة، وبين الكلام النفسي، وذلك أنه قد استعمل لغة وعرفًا فيهما، والأصل في الإطلاق الحقيقة، فيكون مشتركًا٢.
أما استعماله في العبارة: فنحو قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٣، وسمعت كلام فلان وفصاحته.
وفي مدلولها٤، فنحو: ﴿يَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ ٥، ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ عبد الله بن سعيد بن كلاب، أبو محمد القطان: متكلم، يقال له: "ابن كلاب"، قال السبكي: وكُلَّاب بضم الكاف وتشديد اللام، قيل: لقب بها؛ لأنه كان يجتذب الناس إلى معتقده إذا ناظر عليه، كما يجتذب الكلاب الشيء، توفي سنة ٢٤٥هـ، له كتب منها: "الصفات"، و"خلق الأفعال"، و"الرد على المعتزلة"، الأعلام: "٩٠/٤". ٢ في الأصل: "مشتر"، انظر: المستصفى: "١٠٠/١"، حاشية البناني على جمع الجوامع: "٢٤٤/١"، مختصر الطوفي: "صـ ٤٥"، القواعد والفوائد الأصولية: "صـ ١٥٤"، فتاوى شيخ الإسلام: "١٧٠/٧"، "٦٧/٢"، المحصول للرازي: "٢٣٥/١"، المحلى على جمع الجوامع: "١٠٤/٢"، شرح الكوكب المنير: "١٠/٢". ٣ التوبة: الآية ٦. ٤ أي: وأما استعماله في مدلول العبارة. ٥ المجادلة: آية ٨. ٦ الملك: آية ١٣.
[ ٧٢ ]
وقوله عمر١ ﵁: "زوَّرت في نفسي كلامًا"٢.
وقول الأخطل٣:
أن الكلام لفي الفؤاد٤.. البيت.
ولأنه لما كان سمعه بلا انخراق، وجب أن يكون كلامه بلا حرف ولا صوت٥.
وذكر الغزالي٦: أن قومًا، جعلوا الكلام حقيقة في المعنى، مجازًا في "٧/أ" العبارة.
_________________
(١) ١ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أبو حفص العدوي الفاروق، وزير رسول الله ﷺ، ومن أيد الله به الإسلام، وفتح به الأمصار، وهو الصادق المحدث الملهم، الذي جاء عن المصطفى ﷺ أنه قال: "لو كان بعدي نبي، لكان عمر" الذي فر منه الشيطان، أعلى به الإيمان، وأعلن الأذان، استشهد أمير المؤمنين عمر في أواخر ذي الحجة من سنة ثلاث وعشرين للهجرة، تذكرة الحفاظ: "٨/١". ٢ قطعة من حديث طويل، رواه أحمد: "٥٦/١"، والبخاري في: كتاب الحدود: "٦٨٣٠"، وروايته فيهما: "وكنت قد زورت مقالة أعجبتني"، وانظر: "١٣/ ٤٥٨" من الفتح. غياث بن غوث بن الصلت، أبو مالك من بني تغلب، الشاعر الأموي، ومادحهم، كان هجاء بذيئًا، وسماه بالأخطل، كعب بن جعيل، بقوله له: إنك لأخطل يا غلام، والخطل: السفه، وفحش القول، هلك سنة ٩٠هـ، انظر الشعر والشعراء: "صـ ٤٥٥"، الأغاني: "٢٨٠/٨"، الأعلام: "٣١٨/٥". ٣ البيت بتمامه: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جُعِل اللسان على الفؤاد دليلًا وفي كتب أصحابنا كالإمام موفق الدين، وشيخه الخشاب، وأبي نصر السجزي، تضعيف نسبته إليه، وأنه غير موجود في ديوانه، وأنه لو كان صحيحًا عنه، فإنه قال: إن البيان، انظر شرح الكوكب المنير: "٤٢/٢"، وقد أضيف إلى الديوان عند طبعه "صـ ٥٠٨" في قسم الزيادات؛ لأن جملة من اللغويين نسبه إليه، ونسبته إليه لا تصح، ولم يرد في ديوانه، صنعة السكري بتحقيق الدكتور قباوة البتة. ٥ انظر: شرح الكوكب المنير: "١١/٢". محمد بن محمد بن محمد الغزالي، أبو حامد: فلسوف متصوف، له نحو مائتي =
[ ٧٣ ]
وقومًا عكسوا، وقومًا قالوا بالاشتراك، ونقل الثلاثة عن الأشعري١،
فعلى القول الثاني، لا خلاف بيننا وبينهم، ولكن المشهور أن الأشعري وأصحابه قالوا: القرآن الموجود عندنا حكاية٢ كلام الله تعالى.
وابن كلاب وأتباعه قالوا: عبارة عن كلام الله لا عينه٣.
ويروى عن الأشعري: كلام الله القائم بذاته، يسمع عند تلاوة كل تالٍ، وقراءة كل قارئ٤.
وقال الباقلاني٥: إنما نسمع التلاوة دون المَتْلُوِّ، والقراءة دون المقروء٦.
_________________
(١) مصنف، مولده سنة ٤٥٠ هـ، بطوس، ووفاته سنة ٥٠٥هـ، في الطابران، قصبة طوس بخراسان، الأعلام: "٢٢/٧". ١ شرح الكوكب المنير: "١١/٢"، المستصفى: "١٠٠/١"، فواتح الرحموت: "٦/٢"، فتاوى شيخ الإسلام: "٦٧/١٢"، المحلى على جمع الجوامع: "١٠٤/٢"، القواعد والفوائد الأصولية: "صـ ١٥٤". ٢ في الأصل: لا حكاية كلام الله تعالى، والتصويب من شرح الكوكب المنير: "٢/ ١٢"، انظر: الإحكام للآمدي: "١٥٩/١"، الفصل في الملل والنحل: "٦/٣"، أصول الدين: "صـ ١٠٨"، الإنصاف: "صـ ٨٢". ٣ شرح الكوكب المنير: "١٢/٢"، الإحكام للآمدي: "١٥٩/١"، الفصل في الملل والنحل: "٦/٣". ٤ شرح الكوكب المنير: "١٢/٢"، ونكرر التنبيه أن الأشعري له ثلاثة أقوال في مسألة الكلام، ارجع إلى كلام الغزالي المتقدم. ٥ محمد بن الطيب، أبو بكر الباقلاني، رأس المتكلمين على مذهب الشافعي، هو من أكثر الناس كلامًا وتصنيفًا في الكلام، وكان غاية في الفطنة والذكاء، وله: "الإنصاف"، و"شرح الإبانة"، و"التبصرة"، وغيرها، توفي سنة ٤٠٣ هـ، البداية والنهاية: "٣٥٠/١١". ٦ الإنصاف: "صـ ٨٠"، ثم انظر: "صـ ٨٢".
[ ٧٤ ]