قال الإمام أحمد ﵀: القرآن كيف تصرف فهو غير مخلوق، ولا نرى القول بالحكاية والعبارة، وغلَّط من قال بهما وجهَّله، فقال: من قال: إن القرآن عبارة عن كلامه تعالى، فقد غلط وجهل.
وقال: الناسخ والمنسوخ في كتاب الله دون العبارة والحكاية.
وقال: هذه بدعة لم تقلها السلف، وقوله: "تكليمًا"١ يبطل الحكاية، منه بدأ وإليه يعود٢، انتهى٣.
قال الطوفي: قال المخالفون: استعمل لغة وعرفًا في النفس٤ والعبارة، قلنا: نعم، لكن بالاشتراك أو بالحقيقة فيما ذكرناه، وبالمجاز فيما ذكرتموه، والأول ممنوع.
قالوا: الأصل في الإطلاق الحقيقة.
قلنا: والأصل عدم الاشترك، ثم قد٥ يعارض المجاز الاشتراك٦ المجرد، والمجاز٧ أولى، ثم إن لفظ الكلام أكثر ما يستعمل في العبارات،
_________________
(١) ١ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء الآية: ١٦٤] . ٢ شرح الكوكب المنير: "٤٠/٢"، فتاوى شيخ الإسلام: "٥١٧/١٢"، مجموعة الرسائل والمسائل: "١٢٨/٣"، الكافية بشرح القصيدة النونية: "٢٠٥/١". ٣ زاد في: شرح الكوكب المنير: نقل ذلك ابن حمدان في نهاية المبتدئين، وهو كتاب له، انظر: صيد الخاطر: "صـ ١٠٢"، مجموعة الرسائل والمسائل: "٢١/٣"، الكافية بشرح القصيدة النونية: "٢٩/١". ٤ في: شرح الكوكب المنير عن الطوفي: استعمل لغة وعرفًا فيهما،: "١٤/٢". ٥ في شرح الكوكب المنير: "إذا"، وذكر أنه: "قد"، في نسخة. ٦ في شرح الكوكب المنير: المجاز والاشتراك، وذكر أن الواو ساقطة من نسخة أخرى، قلت: وإسقاطها هو الصواب، وهو الموافق لما في نسختنا هذه. ٧ شرح الكوكب المنير: "فالمجاز"، وذكر أنه: "والمجاز"، في نسخة.
[ ٧٦ ]
وكثرة موارد الاستعمال تدل على الحقيقة.
وأما قوله تعالى: ﴿وَيَقُوْلُوْنَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ١، فمجاز؛ لأنه إنما دل على المعنى النفسي بالقرنية، وهو قوله: "في أنفسهم"، ولو أطلق، لما فهم إلا العبارة٢.
وكذلك كل ما جاء من هذا الباب، إنما يفيد مع القرينة، ومنه قول عمر ﵁: "زورت في نفسي كلامًا"٣.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ ٤، فلا حجة فيه؛ لأن "٧/ب" الإسرار به خلاف الجهر٥، وكلاهما عبارة عن أن يكون أحدهما أرفع صوتًا من الآخر، أما بيت الأخطل، فيقال: إن المشهور فيه "إن البيان لفي الفؤاد"، وبتقدير أن يكون كما ذكرتم، فهو٦ مجاز عن مادة الكلام، وهو التصورات الصحيحة٧ له، إذ من لم يتصور٨ ما يقول، لا يُوجِدُ كلامًا، ثم هو مبالغة من هذا الشاعر، في ترجيح الفؤاد على اللسان، انتهى.
ولابن قاضي الجبل في الجواب عن الآيات وبيت الأخطل، كلام يقاربه في المعنى، ونقل ابن القيم٩ أن الشيخ تقي الدين رد الكلام.
_________________
(١) ١المجادلة: الاية: ٨، وفي الأصل: "يقولون بأنفسهم". ٢ في الأصل: "إلا لعبارة". ٣ وقد سبق تخريج الأثر قريبًا. ٤ الملك: الآية ١٣، وتمامها: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ . ٥ في شرح الكوكب: لأن الإسرار نقيض الجهر. ٦ في الأصل: "ذكرتهم هو"، وهو خطأ بين لا تستقيم به العبارة، والتصحيح من: شرح الكوكب المنير: "١٦/٢". ٧ في شرح الكوكب المنير: المُصَحَّحَة: "١٦/٢". ٨ في شرح الكوكب المنير: إذ من لم يُتَصور منه معنى ما يقول: "١٦/٢". ٩ محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي، ثم الدمشقي، الفقيه الأصولي، المفسر النحوي، العارف، شمس الدين أبو عبد الله بن القيم الجوزية، ولد سنة ٦٩١ هـ، له "تهذيب =
[ ٧٧ ]
النفسي من سبعين وجهًا١.
وقال الغزالي: من أحال سماع موسى كلامًا ليس بحرف ولا صوت، فليُحِل يوم القيامة رؤية ذات، ليست بجسم ولا عرض٢. انتهى.
_________________
(١) سنن أبي داود"، و"مدارج السالكين" و"وشرح منازل السائرين"، و"إعلام الموقعين عن رب العالمين"، "بدائع الفوائد"، "والشافية الكافية في الانتصار للفرقة الناحية"، و"حادي الأوراح"، و"الطرق الحكمية"،و"مفتاح دار السعادة"، وغيرها كثيرًا جدًّا، الذيل على طبقات الحنابلة: "٤٤٧/٢-٤٥٢". ١ في شرح الكوكب المنير: "تسعين"، وهو الصحيح، لأن الشيخ تقي الدين استوعبها في كتابه القيم، الفائق التحرير، والضبط "الإيمان": "صـ ١١٠"، انظر: الكافية بشرح القصيدة النونية: "٢٠٦/١، ٢٢٤، ٢٦٤". ٢ الأربعين في أصول الدين: "صـ ٢٠".
[ ٧٨ ]