لقد أجمع المسلمون بكل فرقهم وطوائفهم، وعلى اختلاف مذاهبهم ونحلهم، على أن صحبة الرسول ﵌، شرف ما بعده شرف، ومكانة لا تدانيها مكانة، وكلهم يعترفون لمن نالها بالسابقة والفضل، ويثنون عليهم بما ذكر الله عنهم في كتابه
«لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا»
ويؤمنون بأن لهم الدرجة العليا عند الله، وأن الله زكاهم وشهد لهم بالإيمان وأعد لهم ما أعد من الجنان، ورضي عنهم، بما بذلوا في خدمة الدين من مهج النفوس ونفائس الأثمان.
وإذا كانت رؤيته ﵌ في المنام شرف ما بعده شرف، وعز يتمناه كل فرد من المسلمين، فكيف بصحبته والعيش معه!!
بهذا تعلم فضل أصحابه الذين تقاسموا معه المصائب، وعاشوا معه المحن، ودافعوا عنه بأنفسهم، ووقوه بأبدانهم، واعترضوا السهام دونه بنحورهم، وأنفقوا أموالهم نصرة له، وصدقوه وءازروه، وآووه ونصروه،
[ ١٠٣ ]
فكل فضل نحن فيه، فهم من دلنا عليه، وكل عبادة نتقرب إلى الله بها، فبتضحيتهم وجهادهم وصلت إلينا، وإذا علمت أن الدال على الخير كفاعله، علمت معنى قوله صلى الله عليه وآله في أصحابه «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» فلو أنفق أحدنا مثل أحد ذهبا فإنما في موازينهم يصب، وفي درجاتهم يرفع.
فكان هؤلاء الصحابة المثال المشرق، للغرس الذي سقته يد محمد صلى الله عليه وآله، وأشرقت عليه شمس محمد صلى الله عليه وآله، وأثمر ببركة محمد صلى الله عليه وآله.
لقد بعثه الله فيهم ليعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، فلا شك أنه علمهم الكتاب والحكمة، ولا شك أنه زكاهم، ولا شك أنهم أنموذج مشرف لأستاذ عظيم.
هذا مما لا شك فيه، ومما لا شك فيه أيضا أن انتقاصهم هو انتقاص لمربيهم ومزكيهم، وسبهم هو إعلان صريح لفشل هذا الأستاذ العظيم، واتهام له بأنه لم يقم بمهمته خير قيام.
فتبجيل الصحابة من تبجيل رسول الله ﵌، وتعظيمهم من تعظيمه، وتزكيتهم إنما هي تتويج لما بذله هذا الرسول العظيم، في تربية أول مجتمع مسلم، وأول عصابة حملت مشاعل أنواره إلى الناس.
ولم يخرج عن إجماع المسلمين في تزكية الصحابة، وتبجيلهم، ومعرفة قدرهم، إلا هؤلاء الشيعة، الذين قلبوا لهم ظهر المجن، وأنزلوهم أسفل سافلين.
[ ١٠٤ ]
فإذا كان الرسول ﵌، قد خلف عليا على المؤمنين، وجعله وارثا له ووصيا من بعده، وإذا كان الرسول ﵌ قد جمع أصحابه يوم غدير خم وبلغهم وصيته، وحذرهم وأنذرهم، وأشهدهم على استخلاف علي وإمامته من بعده، فلم يأتمروا بأمره، بل لم ينتظروا مواراة رمسه، حتى تكالبوا على الخلافة، واغتصبوا حق علي بن أبي طالب، ونكثوا عهد رسول الله ﵌، وآذوه في أهله وابنته، فهم إذا كفار مرتدون، إذ كلهم بايع، وكلهم رضي، وكلهم غير وبدل، وكلهم سمع وصية الرسول وما امتثل.
بهذه المقدمة يتوصل الشيعة إلى تكفير أصحاب رسول الله ﵌ عموما، ويشهدون لهم بالردة إلا نفرا يسيرا.
عن أبي جعفر قال: «كان الناس أهل ردة بعد النبي صلى الله عليه وآله إلا ثلاثة، فقلت: ومن الثلاثة؟ قال: المقداد وأبو ذر وسلمان الفارسي، ثم عرف أناس بعد يسير، فقال: هؤلاء الذين دارت عليهم الرحا، وأبوا أن يبايعوا حتى جاؤوا بأمير المؤمنين ﵇ مكرها فبايع، وذلك قول الله: «وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين»» (١)
_________________
(١) بحار الأنوار - المجلسي - ج ٢٢ - ص ٣٣٣ والكافي ج٨ص٢٤٥ وتفسير العياشي ج١ ص١٩٩ وكشف الحقائق - علي آل محسن- ص١٧٥
[ ١٠٥ ]
وعنه أيضا قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وآله، لما قبض صار الناس كلهم أهل جاهلية إلا أربعة: علي، والمقداد، وسلمان، وأبو ذر، فقلت: فعمار؟ فقال: إن كنت تريد الذين لم يدخلهم شيء فهؤلاء الثلاثة». (١)
ويروون أن أمير المؤمنين عليا، قال لقنبر: «يا قنبر، ابشر وبشر واستبشر، فلقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله وهو على أمته ساخط إلا الشيعة» (٢)، وما أدري ما وجه البشارة في هذه المصيبة، ومن يا ترى يفرح بهذا ويستبشر به؟ وهل يبشَّر بهذا إلا يهودي حاقد على الإسلام وأهله، مضمر لهم أشد العداء، كما قال الله تعالى «وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها»!!!
وانظر كيف استنكر صدوقهم ابن بابويه على ركن الدولة حين لم يوافقه على تكفير الصحابة، فقال: «كيف لا يجوز الارتداد عليهم مع قوله تعالى: «وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم» وليس ارتدادهم في ذلك بأعجب من ارتداد بني إسرائيل حين أراد موسى ﵇ أن يذهب إلى ميقات ربه، فاستخلف أخاه هارون، ووعد قومه
_________________
(١) بحار الأنوار - المجلسي - ج ٢٢ - ص ٣٣٣ والكافي ج٨ص ٢٩٦ ومستدرك الوسائل -الميرزا النوري- ج١١ ص٦٢
(٢) الأمإلي - الشيخ الصدوق - ص ٧٢٦
[ ١٠٦ ]
بأن يعود بعد ثلاثين ليلة، فأتمها الله بعشر، فلم يصبر قومه إلى أن خرج فيهم السامري وصنع لهم عجلا وإذا جاز على بني إسرائيل وهم أمة نبي من أولي العزم أن يرتدوا بغيبة موسى ﵇ بزيادة أيام حتى خالفوا وصيه، وفعل سامري هذه الأمة -أي أبو بكر ﵁- مما هو دون عبادة العجل » (١) يقصد أن اغتصاب الخلافة دون عبادة العجل، فإذا جاز وقوع الأعلى فلا يستنكر وقوع الأدنى.
وقال آيتهم المظفر يقرر ردتهم: «فإن من يمت إلى الإسلام بصلة العقيدة، لا بد أن يثبت عنده على الأقل أن صاحبه صرح في مقامات كثيرة بما ستحدثه أمته من بعده فقد قال غير مرة: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة ناجية والباقون في النار». وأكثر من ذلك أنه لم يستثن من أصحابه إلا مثل همل النعم، ثم هم يدخلون النار بارتدادهم بعده على أدبارهم القهقرى». (٢)
وسبب تكفيرهم هو إنكارهم للإمامة: «ونحن نذكر له -أي أمر الإمامة- من الشواهد والأدلة وجوها، منها الأخبار الدالة على جماعة ورهط من الصحابة والأمة، بعد ارتحال النبي صلى الله عليه وآله إلى الكفر، ومن المعلوم: أنه لم يصدر بعد ارتحال النبي من الصحابة ما يصلح أن يكون
_________________
(١) الهداية - الشيخ الصدوق - مقدمة لجنة التحقيق ص١٤٢ - ١٤٣ ونقل القصة الشيخ الأحمدي الميانجي في كتابه مواقف الشيعة ج٣ ص١١
(٢) السقيفة - الشيخ محمد رضا المظفر - ص ٣٢
[ ١٠٧ ]
موجبا للارتداد إلى الكفر، ولم يعدلوا عن الشهادة بالوحدانية والنبوة غير أنهم أنكروا الإمامة». (١)
ويقول صدوقهم: «فمن ادعى الإمامة وليس بإمام فهو الظالم الملعون، ومن وضع الإمامة في غير أهلها فهو ظالم ملعون». (٢)
فهذا موقفهم من الصحابة عموما: أنهم ارتدوا بعد الرسول ﵌.
يقول أحد معاصريهم مستهزئا: «فمن لا يصدق بأن الصحابة لا يبقى منهم مع النبي في الجنة إلا مثل همل النعم، فليسأل أُحدا وحنينا، ففيهما الخبر اليقين». (٣) يقصد أن بعضهم فر في حنين، وخالف الرماة أمر الرسول ﵌ في أحد: «ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور رحيم»، لكن الشيعة لم تقبل عفو الله عنهم، ولن تقبله، فقد سقط عرش مجوسيتها على أيديهم، وقتل هرمزانهم العظيم على يد عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وأفل نجمهم على يد أبيه، وعلى يد إخوانه من الصحابة الأخيار، ولن ينسوا ذلك أبدا.
_________________
(١) شرح إحقاق الحق - السيد المرعشي - ج ٢ - شرح ص ٢٩٥
(٢) الاعتقادات -ابن بابويه- ص ١١٢ - ١١٣
(٣) وركبت السفينة - مروان خليفات - ص ٢٥٨
[ ١٠٨ ]
ولقد استدل مالك على كفر من أبغض الصحابة بقوله تعالى في وصفهم «كمثل زرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار» فمن اغتاظ من أصحاب رسول الله ﵌ فهو مقصود بهذه الآية. (١)
وقد رأيتهم في حوزاتهم العلمية، يقولون عند بداية كل درس «الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين، واللعنة على أعدائه من اليوم إلى يوم الدين» ويقصدون بذلك صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله.
وقد ناقشت كثيرا منهم في مسألة كفر الصحابة، فكان أحدهم يقول: إنني أستغرب منك كيف تحب عمر بن الخطاب وقد فعل وفعل وفعل ويبدأ يعدد ما ينسبونه إلى هذه الشخصية العظيمة من أكاذيب وأباطيل.