وبعد كل ما تقدم فإني أتساءل:
هل يمكن أن نقارب بين مذهبين متباينين كل هذا التباين؟
هل يمكن أن نتصور يوما يقف فيه الشيعي بصدق، إلى جانب السني؟
سأفترض الآن أن شيعيا قد وافق على أن نتقارب، ووافق على أن نتحد، ونصبح يدا واحدة ضد الأعداء.
إن أول نقطة يجب أن نبدأ منها، هي أن نبحث عن نقاط مشتركة بيننا، وأول ذلك أن نوجد مصدرا مشتركا نلتف حلوه، ونستقي منه.
فليكن القرآن إذًا
لكن الشيعي لن يسلم بما في القرآن من عقائد
إن القرآن يأمرنا ألا ندعو غير الله، ولا نذبح إلا الله، ولا نسجد لغير الله، وأن لا نطلب الشفاعة إلا من الله، ولا نقبل مشرعا إلا الله، ولا نأتم بإمام غير رسول الله ﵌
فإن اعترف بهذا، فقد نقض الإمامة من أركانها، وتنكر لمذهبه
وإن لم يتحاكم معنا إلى القرآن فلا يبقى بيننا إلا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله.
وضروري في هذا المقام ألا يكفر أبا بكر وعمر، وأن لا يلعن عائشة وحفصة، ويقبل أحاديث هؤلاء الصحابة وأمثالهم
[ ١٥٦ ]
فإن أقر بهذا فإن الوصية إلى علي منتقضة، إذ أن ما كفر به أبا بكر وغيره، هو إنكارهم للوصاية، واغتصابهم للإمامة.
فإن اعترف بإسلامهم فقد اعترف بأن الإمامة ليست من أركان الدين، وما دامت ليست من أركان الدين فإن الصحابة مسلمون، وما داموا كذلك لزمه حديثهم، وإن لزمه حديثهم لزمه أن يقر بأن لا وصية مضيعة، ولا بيعة مغتصبة.
فإن اعترف بذلك فإنه حينئذ سيحصل التقارب بصدق، وتنتفي دوافع الشقاق، وفي الحقيقة سيكون تقاربا بين سني وسني، وليس بين سني وشيعي، إذ لم يبق له من تشيعه إلا حب آل البيت، وكلنا نحبهم، فإذا انتفت الإمامة انتفى المهدي، وانتفت الرجعة، وانتفى البداء، بل ينتفي المذهب الشيعي كله، والحمد لله رب العالمين.
لذا فإن تقاربنا لا يقوم إلا على ثلاثة ركائز:
أولا: أن القرآن محفوظ وكامل غير منقوص.
ثانيا: أن الصحابة وعلى رأسهم أبو بكر وعمر مسلمون صالحون، وأنهم عدول ثقات مصدقون فيما يروون.
ثالثا: أن التشريع انتهى بموت الرسول ﵌.
ولا يمكننا أن نتنازل عن واحدة من هذه الثلاثة، بل لا بد منها لكي يحصل التقارب،
[ ١٥٧ ]
وإلا فلا يمكننا أن نتقارب مع من يتهمنا في مصدري تشريعنا، ويكفر رواتنا، كما لا مساحة للحوار بيننا وبين من ينسب التشريع إلى غير الله وإلى غير رسوله ﵌.
هذا، ولا يفوتني أن أخص بالدعاء، كل من كان سببا من قريب أو من بعيد، في إتمام هذا العمل الذي أهديه إلى كل سني في بلاد المسلمين، وأرجو به الجزاء، عند من يجزل العطاء، في هذه وفي دار البقاء، وأصلي وأسلم على خاتم الأنبياء، وعلى آله الطاهرين وصحبه الطيبين، والحمد لله رب العالمين.
حامد الإدريسي
[ ١٥٨ ]