فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أخرج [الله] به الناس من الظلمات إلى النور، وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأمر الناس أن يردُّوا ما تنازعوا فيه من دينهم إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة، وهو يدعو إلى الله وإلى سبيله بإذنه على
[ ١٧٧ ]
بصيرة، وقد أخبر أنه أكمل له ولأمته دينهم، وأتم عليهم نعمته - محال مع هذا وغيره - أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبسًا مشتبهًا، فلم يميز [بين] ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العليا، وما يجوز عليه وما يمتنع عليه.
فإن معرفة هذا أصل الدين، وأساس الهداية، وأفضل ما اكتسبته القلوب، وحصلته النفوس، وأدركته العقول، فكيف يكون ذلك الكتاب، وذلك الرسول وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الكتاب اعتقادًا وقولًا؟! ومن المحال أيضًا أن يكون النبي ﷺ قد علَّم أُمَّتَه كل شيء حتى الخراءة، وقال: «تركتكم على
[ ١٧٨ ]
البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك»، وقال فيما صح عنه أيضًا: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على
[ ١٧٩ ]
خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم» .
وقال أبو ذر ﵁: «لقد توفي رسول الله ﷺ وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا» .
وقال عمر بن الخطاب ﵁: «قام فينا رسول الله ﷺ [مقامًا] فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ
[ ١٨٠ ]
ذلك من حفظه ونسيه من نسيه» رواه البخاري.