وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل فهو جامعٌ بين التعطيل والتمثيل.
أما المعطلون؛ فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فقد جمعوا بين التمثيل والتعطيل، مثلوا أولًا، وعطلوا آخرًا، وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة بالله
[ ٢٦٧ ]
﷾.
فإنه إذا قال القائل: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش، أو أصغر أو مساويًا، وكل ذلك محال، ونحو ذلك من الكلام.
فإنه لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان، وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم. [أما] استواء يليق بجلال الله ويختص به، فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي يجب نفيها.
وصار هذا مثل قول الممثل: إذا كان للعالم صانع، فإما أن يكون جوهرًا،
[ ٢٦٨ ]
أو عرضًا، وكلاهما محال: إذ لا يعقل موجود إلا هذان، أو قوله: إذا كان مستويًا على العرش، فهو مماثل لاستواء الإنسان على السرير أو الفلك، إذ لا يُعلم الاستواء إلا هكذا، فإن كلاهما مَثَّل وكلاهما عَطَّل حقيقة ما وصف الله به نفسه، وامتاز
[ ٢٦٩ ]
[الأول] بتعطيل كل مسمى للاستواء الحقيقي، وامتاز الثاني بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين.