وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن خفيف في كتابه الذي سماه: «اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات»، قال في آخر خطبته: «فاتفقت أقوال المهاجرين والأنصار في توحيد الله ﷿، ومعرفة أسمائه وصفاته وقضائه، قولًا واحدًا، وشرعًا ظاهرًا، وهم الذين نقلوا عن رسول الله ﷺ ذلك حتى قال: «عليكم بسنتي» وذكر الحديث. وحديث «لعن الله من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا»
[ ٤٠٣ ]
وقال: فكانت كلمة الصحابة على اتفاق من غير اختلاف، وهم الذين أُمرنا بالأخذ عنهم؛ إذ لم يختلفوا بحمد الله تعالى في أحكام التوحيد وأصول الدين من الأسماء والصفات كما اختلفوا في الفروع، ولو كان منهم في ذلك اختلاف لنُقل إلينا كما نُقل سائر الاختلاف، فاستقر صحة ذلك عن خاصتهم وعامتهم حتى أدوا إلى التابعين لهم بإحسان، فاستقر صحة ذلك عند العلماء المعروفين حتى نقلوا ذلك قرنًا بعد قرن، لأن الاختلاف كان في الأصل عندهم كفر، ولله المنة.
ثم إني قائل - وبالله أقول - إنه لما أحدثوا في أحكام التوحيد وذكر الأسماء والصفات على خلاف منهج المتقدمين من الصحابة والتابعين، فخاض في ذلك من لم يعرفوا بعلم الآثار، ولم يعقلوا قولهم بذكر
[ ٤٠٤ ]
الأخبار، وصار معولهم على أحكام هواجس النفس المستخرجة من سوء الطوية وما وافق على مخالفة السنة، والتعلق منهم بآيات لم يسعدهم فيها، فتأولوا على أهوائهم، وصححوا بذلك مذاهبهم: احتجت إلى الكشف عن صفة المتقدمين، ومأخذ المؤمنين ومنهاج الأولين، خوفًا من الوقوع في جملة أقاويلهم التي حذر رسول الله ﷺ أمته ومنع المستجيبين له حتى حذرهم.
ثم ذكر أبو عبد الله خروج النبي ﷺ وهم يتنازعون في القدر وغضبه.
[ ٤٠٥ ]
وحديث: «لا أُلْفَيَنَّ أحَدَكم متكئًا على أريكته» .
[ ٤٠٦ ]
وحديث: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» وأن الناجية ما كان عليه هو وأصحابه.
ثم قال: فلزم الأمة قاطبة معرفة ما كان عليه الصحابة، ولم يكن الوصول إليه إلا من جهة التابعين لهم بإحسان المعروفين بنقل الأخبار ممن لا يقبل المذاهب المحدثة، فيتصل ذلك قرنًا بعد قرن ممن عُرفوا
[ ٤٠٧ ]
بالعدالة والأمانة، المحافظين على الأمة ما لهم وما عليهم من إثبات السنة.
إلى أن قال: فأول ما نبتدئ به ما [أوردنا] هذه المسألة من أجلها، ذكر أسماء الله ﷿ وصفاته مما ذكر الله في كتابه، وما بيَّن ﷺ من صفاته في سنته، وما وصف به ﷿ نفسه مما سنذكر قول القائلين بذلك مما لا يجوز لنا في ذلك أن نرده إلى أحكام عقولنا بطلب الكيفية بذلك، ومما قد أمرنا بالاستسلام له.
إلى أن قال: ثم إن الله تعرف إلينا بعد إثبات الوحدانية وإقرار الألوهية: أن ذكر تعالى في كتابه بعد التحقيق، بما بدأ به من أسمائه وصفاته، وأكده ﵇ بقوله، فقبلوا منه كقبولهم، لأوائل التوحيد من ظاهر قوله لا إله إلا الله.
إلى أن قال بإثبات نفسه بالتفصيل من المجمل، فقال لموسى ﵇: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٣٠] .
[ ٤٠٨ ]
ولصحة ذلك، واستقراره ناجاه المسيح ﵇ فقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] .