وقال الإمام أبو عبد الله الحارث بن إسماعيل بن أسد المحاسبي
[ ٣٨٥ ]
في كتابه المسمى: «فَهْم القرآن» قال في كلامه على - الناسخ والمنسوخ وأن النسخ لا يجوز في الأخبار - قال: «لا يحل لأحد أن يعتقد أن مدح الله وأسمائه وصفاته يجوز أن ينسخ منها شيء.
إلى أن قال: وكذلك لا يجوز إذا أخبر أن صفاته حسنة عليا أن يخبر بعد ذلك أنها دنية سفلى، فيصف نفسه بأنه جاهل ببعض الغيب
[ ٣٨٦ ]
بعد أن أخبر أنه عالم بالغيب وأنه لا يبصر ما قد كان، ولا يسمع الأصوات، ولا قدرة له، ولا يتكلم ولا الكلام كان منه، وأنه تحت الأرض لا على العرش جل وعلا عن ذلك.
فإذا عرفتَ ذلك واستيقنته: علمتَ ما يجوز عليه النسخ وما لا يجوز، فإن تلوت آية في ظاهر تلاوتها تحسب أنها ناسخة لبعض أخباره؛ كقوله عن فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ﴾ [يونس:٩٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:٣١] .
وقال: قد تأول قوم أن الله عنى أن ينجيه ببدنه من النار إذ قد آمن عند الغرق، وقالوا: إنما ذكر الله قوم فرعون يدخلون النار
[ ٣٨٧ ]
دونه، وقال: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود:٩٨]، وقال: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥]، ولم يقل بفرعون، وقال: وهكذا الكذب على الله، لأن الله تعالى يقول: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ [النازعات:٢٥]، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت:٣] فأقر التلاوة على استئناف العلم من الله ﷿ عن أن يستأنف علمًا بشيء، لأنه من ليس له علم بما يريد أن
[ ٣٨٨ ]
يصنعه لم يقدر عليه أن يصنعه نجده ضرورة.
قال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، قال: وإنما قوله ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ﴾ إنما يريد حتى نراه، فيكون معلومًا موجودًا، لأنه لا جائز أن يكون يعلم الشيء معدومًا من
[ ٣٨٩ ]
قبل أن يكون، ويعلمه موجودًا كان قد كان، فيعلم في وقت واحد معدومًا موجودًا وإن لم يكن، وهذا المحال.
وذكر كلامًا في هذا في الإرادة.
إلى أن قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:١٥] ليس معناه أن يحدث له سمعًا، ولا تكلف لسمع ما كان من قولهم وقد ذهب قومٌ من
[ ٣٩٠ ]
أهل السنة أن لله استماعًا حادثًا في ذاته، فذهبوا إلى أن ما يعقل من الخلق أنه يحدث منهم علم سمع لما كان من قوله؛ لأن المخلوق إذا سمع حدث له عقد فهم عما أدركته أذنه من الصوت، وكذلك قوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:١٠٥]، لا يستحدث بصرًا محدثًا في ذاته، وإنما يحدث الشيء فيراه مكونًا كما لم يزل يعلم قبل كونه.