وقال عمرو بن المكي في كتابه الذي سماه
[ ٣٧٧ ]
«التعرف بأحوال العباد والمتعبدين» قال: «ما يجيء به الشيطان للتائبين» وذكر أنه يوقعهم في القنوط، ثم في الغرور وطول الأمل، ثم في التوحيد، فقال: من أعظم ما يوسوس في التوحيد بالتشكيك أو في صفات الرب بالتمثيل والتشبيه، أو بالجحد لها والتعطيل. فقال بعد ذكر حديث الوسوسة: واعلم - رحمك الله تعالى - أن كُلَّ ما
[ ٣٧٨ ]
توهمه قلبك، أو سَنَح في مجاري فكرك، أو خطر في معارضات قلبك من حسن أو بهاء، أو ضياء أو إشراق، أو جمال، أو شبح مائل، أو شخص متمثل: فالله تعالى بغير ذلك، بل هو تعالى أعظم وأجل وأكبر،
[ ٣٧٩ ]
ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] أي لا شبيه ولا نظير ولا مساوٍ ولا مثل، أَوَلَمْ تعلم أنه تعالى لما تجلَّى للجبل تدكدك لعظم هيبته، وشامخ سلطانه، فكما لا يتجلى لشيء إلا اندك، كذلك لا توهمه أحد إلا هلك، فرُدّ بما بين الله في كتابه من نفيه عن نفسه التشبيه والمثل والنظير والكفؤ.
فإن اعتصمت به وامتنعت منه أتاك من قبل التعطيل لصفات الرب ﵎ وتقدس في كتابه وسنة رسوله محمد ﷺ فقال لك: إذا كان موصوفًا بكذا أو وصفته، أوجب له التشبيه فأكذبه، لأنه اللعين إنما يريد أن يستزلك ويغويك ويدخلك في صفات الملحدين الزائغين الجاحدين لصفة الرب تعالى.
فاعلم رحمك الله تعالى أن الله واحد لا كالآحاد فرد صمد لم
[ ٣٨٠ ]
يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد - إلى أن قال ـ: خلصت له الأسماء السَّنِيَّة فكانت واقعة في قديم الأزل بصدق الحقائق، لم يستحدث تعالى صفة كان منها خليًا، أو اسمًا كان منه بريًا ﵎، فكان هاديًا سيهدي، وخالقًا سيخلق، ورازقًا سيرزق، وغافرًا سيغفر، وفاعلًا سيفعل، لم يحدث له الاستواء إلا وقد كان في صفة أنه سيكون ذلك الفعل فهو يسمى به في جملة فعله كذلك، قال الله تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] بمعنى أنه سيجي، فلم يستحدث الاسم بالمجيء، وتخلف الفعل لوقت المجيء، فهو جاء سيجيء، ويكون المجيء منه موجودًا بصفة لا تلحقه الكيفية ولا التشبيه، لأن ذلك فعل
[ ٣٨١ ]
الربوبية، فتحسر العقول وتنقطع النفس عن إرادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود، فلا تذهب في أحد الجانبين لا معطلًا، ولا مشبهًا، وارضَ لله بما رضي به لنفسه، وقف عند خبره لنفسه مسلمًا، مستسلمًا، مصدقًا؛ بلا مباحثة التنفير ولا مناسبة التنقير.
إلى أن قال: فهو ﵎ القائل: ﴿أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص:٣٠] لا الشجرة، الجائي قبل أن يكون
[ ٣٨٢ ]
جائيًا لا أمره المتجلي لأوليائه في الميعاد؛ فتبيَضُّ به وجوههم، وتَفْلُج به على الجاحدين حجتهم، المستوي على عرشه بعظمة جلاله فوق كل مكان ﵎، الذى كلم موسى تكليمًا، وأراه من آياته، فسمع موسى كلام الله؛ لأنه قَرَّبَه نَجِيًّا، تقدس أن يكون كلامه مخلوقًا أو محدثًا أو مربوبًا، والوارث لخلقه، السميع لأصواتهم،
[ ٣٨٣ ]
الناظر بعينه إلى أجسادهم، يداه مبسوطتان، وهما غير نعمته خلق آدم ونفخ فيه من روحه - وهو أمره - تعالى وتقدس أن يحل بجسم، أو يمازج بجسم أو يلاصق به تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، الشائي له المشيئة، العالم له العلم، الباسط يديه بالرحمة، النازل كل ليلة إلى سماء الدنيا، ليتقرب إليه خلقه بالعبادة، وليرغبوا إليه بالوسيلة، القريب في
[ ٣٨٤ ]
قربه من حبل الوريد، البعيد في علوه من كل مكان بعيد، ولا يشبه بالناس.
إلى أن قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ القائل: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ • أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك:١٦ـ١٧] تعالى وتقدس أن يكون في الأرض كما في السماء جل عن ذلك علوًا كبيرًا» . ا. هـ.