وهذه المجردات التي أثبتوها، ترحع عند التحقيق إلى أمور موجودة في الأذهان، لا في الأعيان (كما أثبت أصحاب فيثاغورس أعدادا مجردة، و) كما أثبت أصحاب أفلاطون الأمثال الافلاطونية المجردة، أثبتوا هيولى مجردة عن الصورة، ومدة وخلاء مجردين، وقد اعترف حذاقهم، بأن ذلك إنما يتحقق في الأذهان، لا في الأعيان، فلما أراد هؤلاء المتأخرون منهم، كابن سينا، أن يثبت أمر النبوات
[ ٩٨ ]
على أصولهم الفاسدة، زعموا أن النبوة لها خصائص ثلاثة، من اتصف بها فهو نبي:
ا- أن تكون له قوة علمية، يسمونها القوة القدسية، ينال بها العلم بلا تعلم.
٢- وأن يكون له قوة تخيلية، تخيل له ما يعقل في نفسه، بحيث يرى في نفسه صورا، أو يسمع في نفسه أصواتا، كما يراه النائم ويسمعه، ولا يكون لها وجود في الخارج، وزعموا أن تلك الصور هي ملائكة الله، وتلك الأصوات هي كلام الله تعالى.
٣- وأن يكون له قوة فعالة، يؤثر بها في هيولى العالم، وجعلوا معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، وخوارق السحرة، هي (من) قوى الأنفس، فأقروا من ذلك بما يوافق أصولهم، من قلب العصا حية دون انشقاق القمر ونحو ذلك، فإنهم ينكرون وجود هذا.