يبدو أن أول من افترى القصة الصوفية للخضر هو محمد بن علي بن الحسن الترمذي المسمى بالحكيم والمتوفي في أواخر القرن الثالث الهجري - فالترمذي هذا يقول في كتابه ختم الولاية - (وهذا الكتاب بنظري هو أخطر كتاب صوفي على الإطلاق) يقول في جوابه عن علامات الأولياء:
" وللخضر ﵇ قصة عجيبة في شأنهم وقد عاين شأنهم في البدء ومن وقت المقادير فأحب أن يدركهم، فأعطى الحياة حتى بلغ من شأنه أنه يحشر مع هذه الأمة وفي زمرتهم، حتى يكون تبعًا لمحمد ﷺ وهو رجل من قرن إبراهيم الخليل، وذي القرنين، وكان على مقدمة جنده، حيث طلب ذو القرنين عين الحياة ففاتته وأصابها الخضر، في قصة طويلة.
وهذه آياتهم وعلاماتهم. فأوضح علاماتهم ما ينطقون به من العلم وأصوله.
قال له قائل: وما ذلك العلم؟
قال: علم البدء، وعلم الميثاق، وعلم المقادير، وعلم الحروف.
فهذه أصول الحكمة وهي الحكمة العليا. وإنما يظهر هذا العلم عن كبراء
[ ١٣٤ ]
الأولياء، ويقبله عنهم من له حظ من الولاية " (ختم الولاية ص٣٦٢)
وفي هذا النص يزعم مجرد زعم بلا أدنى دليل أو علم أن الخضر هذا عاين منذ بدء الخليقة أمور الأولياء وعرفهم منذ كتابه المقادير (انظر) وأحب - في زعم الترمذي - أن يدرك هؤلاء الأولياء، فأعطى الحياة حتى يبلغ أمة محمد ﷺ. .
وأما هو أي الخضر فكان في قرن إبراهيم أي وجد في زمانه. . وزمن ذي القرنين. . فانظر هذا الجهل والتخريف والإفتراء. . الذي لا يقوم على أدنى دليل إلا الكذب والبهتان. . ثم يستطرد في بهتانه فيزعم أن ذا القرنين كان يحارب ويسافر ليصل إلى عين الحياة التي من شرب منها فلا يموت أبدًا فلم يستطع الوصول إليها ولكن الخضر وصل إليها. . فانظر هذا الكذب والتخريف.
وهذا بالطبع منقول بعضه من تخريف اليهود وافتراءاتهم أن آدم لما خلقه الله في الجنة أكل من شجرة المعرفة فأصبح كالله يعلم الخير والشر، ثم خاف الله منه أن يأكل من شجرة الحياة فيحيا أبدًا ولا يموت فلما خاف الله من ذلك طرده من الجنة من أجل ذلك. . (انظر التوراة الإصحاح الثالث) .
ولقد لفق الترمذي من هذه القصص الخرقاء قصته عن الخضر التي تلقفها الصوفية فيم بعد وزادوا عليها ما شاؤوا. والمهم هنا أنه زعم كل هذه المزاعم وأن الخضر حي أبدًا وأنه قاتل مع ذي القرنين. . ولسنا ندري أين كان ما دام أنه حي يرزق إلى آخر الحياة. أين كان عن شهود غزوة بدر وأحد والخندق والمواقع، ولماذا لم يشارك في فتح القادسية واليرموك، ولماذا لم يلتق بأبي بكر وعمر، ولم يتشرف قبل ذلك برؤيا رسول الله ﷺ ما دام أنه حي أبدًا واطلع على جميع الأولياء منذ البدء. . بل ولماذا لم ينزل ولم يلتق إلا بالكذابين الضالين أمثال هذا الترمذي الذي لم يتنبأ له إلا امرأته التي تنزل عليها الوحي حسب زعمه وبشرته بأنه سيكون من شأنه كذا وكذا إلى أن يكون خاتم الأولياء كما كان محمد خاتم النبيين! !
والترمذي الذي هذا هو شأنه يذكر أيضًا من صفات أوليائه المزعومين أنه
[ ١٣٥ ]
تظهر علي أيديهم الآيات كطي الأرض، والمشي على الماء، ومحادثة الخضر ﵇ الذي زعم أيضًا أن الأرض تطوي له برها وبحرها، سهلها وجبلها، يبحث عن الأولياء شوقًا إليهم (ختم الولاية ص٣٦١) .
ومنذ ذلك الوقت الذي افترى فيه من افترى هذه الفرية على الخضر ﵇ سواء كان الترمذي نفسه هذا أو هو ناقل عمن قبله. . أقول سواء كان هذا أو هذا فإن المتصوفة بدأوا ينسحبون الخرافات حول قصة الخضر وإليك بعضًا من هذه الخزعبلات والخرافات: