وهذه قصة تبين طريقة أخرى لتلقي الأذكار، إنها مخاطبة الموتى والأخذ عنهم حتى لو كان الذكر كلامًا لا معنى له في أي لغة من اللغات المعروفة! !
ذكر أحمد بن المبارك السلجماسي المتوفي سنة ١١٥٥هـ - قال:
" قص علينا بعض أصحابنا من أخيار أهل تلمسان، فأخبرني أنه سمع بعض من حج بيت الله الحرام يقول إنه زار قبر سيدي إبراهيم الدسوقي (نفعنا الله به) ! ! فوقف عليه الشيخ سيدي إبراهيم الدسوقي نفعنا الله به وعلمه دعاء وهذا هو: بسم الله الخالق، يلجمه بلجام قدرته. أحمى حميثًا أطمى طميثًا وكان الله قويًا عزيزًا. حم عسق حمايتنا كهيعص كفايتنا، فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " (الإبريز) .
" فقال له سيدي إبراهيم: ادع بهذا الدعاء ولا تخف من شيء فقال له صاحبنا التلمساني وهو الحاج الأبر التاجر الأطهر سيدي عبد الرحمن بن إبراهيم من
[ ٢٩٠ ]
أولاد إبراهيم القاطنين بتلمسان: إن أخي الحاج محمد بن إبراهيم استشكل معنى هاتين الكلمتين وهما (أحمى حميثًا وأطمى طميثًا) امتنع من هذا الدعاء وقال: لا أدري ما معناها ولعل أن يكون فيهما ما أكره، فسألني عن معنى الكلمتين. فسألت شيخنا ﵁ عن معناهما، فقال ﵁ بديهة لا يتكلم أحد اليوم على وجه الأرض بهاتين الكلمتين فمن أين لك بهما؟ ! . .
فحكيت له الحكاية، فقال ﵁: نعم سيدي إبراهيم الدسوقي من أكابر الصالحين ومن أهل الفتح الكبير وهو وأمثاله الذين يتكلمون بهاتين الكلمتين. ثم قال - رضي الله تعالى عنه ـ: هما كلمتان باللغة السريانية: أما أحمى فمعناه يا مالك الأسرار يا مالك الأنوار يا مالك الليل والنهار يا مالك الحساب المدرار، يا مالك الشموس والأقمار، يا مالك العطا والنفع، يا مالك الخفض والرفع، يا مالك كل حي، يا مالك كل شيء، وفي هذا الاسم سر عجيب لا يطيق القلم ولا العبارة تبلغه أبدًا. .
وأما قوله (أطمى) فهو بمنزلة من يصفه تعالى بالعظمة والكبرياء والقهر والغلبة والعز والانفراد في ذلك كله وكأنه يقول: يا عالم كل شيء يا قادرًا على كل شيء يا مكون كل شيء ويا مدبر كل شيء ويا قاهر كل شيء ويا من لا يتطرق إليه عجز ولا يتوهم في تصرفه نقص. .
(وطميثًا) إشارة إلى الأشياء التي يتصرف فيها، وإلى الممكنات التي يفعل فيها ما يشاء ويحكم ما يريد سبحانه لا إله إلا هو. وفي هذا الاسم سر عجيب لا يطيق القلم تبليغه أبدًا والله أعلم " (الإبريز) .
فانظر كيف أن إسناد هذه القصة مجهول عن مجهول عن ميت وكلمات الذكر لا معنى لها في أي لغة قديمة أو حديثة، وكلمة السريانية هي لا تعني اللغة السريانية البائدة المعروفة وإنما يفسرها الصوفية بأنها لغة الأرواح! ! ومع كل هذه الجهالة في الإسناد والحديث عن موتى يعلمون الناس الأذكار من قبورهم إلا أن كل ذلك طرق معتمدة عند الصوفية لتلقي العلم. .
[ ٢٩١ ]
ونقول (العلم) هنا تجوزًا والحق أنه تلقى هذه الضلالات من أفواه الشياطين الذين يخاطبونهم من هذه القبور ويلبسون عليهم دينهم ويصرفونهم عن الذكر الطيب الذي نطق به فم الرسول ﷺ فبدلًا من أن يذكر المسلم الله قائلًا: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، وأمثال هذه الكلمات الطيبات النافعات يقول: (سقفاطيس، سقاطيم، آمون، فاق آدم حم، هأ آمين، كد كد، كردد، ده، بها بهيا بهيا، لمقفتجل يا أرض خُذيهم) ! !
والعجيب بعد كل هذا أنهم إذا سئلوا من أين لكم بهذه الخزعبلات التي تسمونها أذكارًا يقولون كما قال أبو الحسن الشاذلي عن نفسه وقد سئل عن شيخه الذي أخذ عنه العلم فقال: " أما فيما مضى فكان سيدي عبد السلام بن مشيش. وأما الآن فأستقي من عشرة أبحر خمسة سماوية وخمسة أرضية، أما السماوية فجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل والروح وأما الأرضية فأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والنبي ﷺ " ا. هـ (أبو الحسن الشاذلي لعبد الحليم محمود ص٢١٠) .
وأما سيده عبد السلام بن مشيش هذا فهو الذي يقول في صلاته المشهورة عن الرسول: " اللهم إنه سرك الجامع الدال عليك وحجابك الأعظم القائم لك بين يديك اللهم ألحقني بنسبه وحققني بحسبه وعرفني إياه معرفة أسلم بها من موارد الجهل وأكرع بها من موارد الفضل واحملني على سبيله إلى حضرتك حملًا محفوفًا بنصرتك واقذف بي على الباطل فأدمغه وزج في بحار الأحدية وانشلني من أوحال التوحيد وأغرقني في عين بحر الوحدة حتى لا أرى ولا أسمع ولا أجد ولا أحس إلا بها واجعل الحجاب الأعظم حياة روحي وروحه سر حقيقتي وحقيقته جامع عوالمي بتحقيق الحق الأول يا أول يا آخر يا ظاهر، يا باطن اسمع ندائي بما سمعت به نداء عبدك زكريا وانصرني بك لك وأيدني بك لك
[ ٢٩٢ ]
واجمع بيني وبينك " (الحزب الكبير للدسوقي) .
وفي هذا الدعاء من الكفر والهذيان شيء عظيم لا يخفى على من عنده أي إلمام بشيء من علوم الدين قوله (وزج بي في بحار الأحدية وانشلني من أوحال التوحيد، وأغرقني في عين بحر الوحدة) تصريح واضح لعقيدة ابن مشيش ومن على شاكلته من أهل وحدة الوجود الذين يسمون عقيدة التوحيد أوحالًا! ! وأما قوله (واجعل الحجاب الأعظم حياة روحي) فيعني بالحجاب الرسول ﷺ أي أن صورة الرسول صورة الله كما مضى بيان ذلك في كلام عبد الكريم الجيلي، والعجيب من قول الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر والإمام الأكبر " كان ابن مشيش متمسكًا بالكتاب والسنة عاملًا بها ملتزمًا لهما " (أبو الحسن الشاذلي ص٢١) .
وقوله أيضًا عن ابن مشيش " ولتأمل القارئ في مدى انغماس (سيده) سيدنا ابن مشيش في النور وما وصل إليه من الفضل الإلهي ".
بل إن الشيخ عبد الحليم محمود يدون في كتابه عن الشاذلي ما هو أدهى وأمر من ذلك وأضل فيقول:
" ولقد بهر ابن مشيش أبا الحسن الشاذلي، بهره بعلمه المشيد على الكتاب والسنة وبهره بولايته وكرامته، يقول أبو الحسن، كما يروي صاحب كتاب درة الأسرار:
ورأيت له خرق عادات كثيرة، فمنها أنني كنت يومًا جالسًا بين يديه، وفي حجره ابن له صغير يلاعبه، فخطر ببالي أن أسأله عن اسم الله الأعظم، قال فقام إلى الولد، ورمى بيده في طوقي وهزني وقال:
(يا أبا الحسن، أنت أردت أن تسأل الشيخ عن اسم الله الأعظم ليس الشأن أن تسأل عن اسم الله الأعظم، إنما الشأن أن تكون أنت هو اسم الله الأعظم) ! !
يعني أن سر الله مودع في قلبك.
[ ٢٩٣ ]
قال فتبسم الشيخ وقال لي:
جاوبك فلان عني " ا. هـ.
ألا تعجب بعد ذلك من شيخ أكبر جامعة إسلامية معاصرة يروي هذه الترهات ويصدقها ويكتب كتابًا في سلسلة أعلام العرب تحت رقم ٧٢ ليحدثنا أن من أعلام العرب من كان له ابن صغير يلعب في حجره وأن هذا الغلام الصغير علم الذي في نفس ابن مشيش قبل أن يسأل أباه، وأن هذا الطفل أعلم الشيخ أن اسم الله الأعظم هو ابن مشيش! ! ! مثل هذا الكذب السمج يروي ويدون في كتب وينشر على الناس باسم الدين، وتوضع هذه النماذج الكاذبة المفتراة على الله ورسالاته لأن يكونوا هم أعلام العرب حتى تحذو الناشئة حذوهم وتسير على طريقهم؟ ! . . اللهم رحمتك بنا ومغفرتك لنا.
والمهم أن نعود الآن فنذكر بما أوردناه في صدر هذا الباب وهو الزعم بأن أوراد الطريقة الشاذلية التي تلقاها ابن إدريس وأخذها عن شيخه قد تعلمها ابن إدريس هذا مشافهة من النبي حال اليقظة لا حال المنام. وقد رأينا نماذج من هذه الأوراد ونماذج الرجال الذين يزعمون أن رسول الله تنزل عليهم، وحضر إليهم ليخصهم بهذه الكرامات وبهذه الأوراد والأذكار، وحرم من ذلك أبا بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة وجاء بعد ستة قرون من الزمان ليعلم هؤلاء أن يقول أحدهم " اللهم انشلني من أوحال التوحيد وأغرقني في بحار الوحدة ".
ويقول أيضًا:
" بكهيعص كفيت بحمعسق حميت فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم اللهم أمنا من كل خوف وهم وغم وكرب كد كد كردد كرده ده ده ده ده الله رب العزة كتب اسمه على كل شيء أعزه خضع كل شيء لعظمة سلطانه اللهم أخضع لي جميع من يراني من الجن والإنس والطير والوحوش والهوام "! !
" طهور بدعق محببة صورة سقفاطيس سقاطيم آحون ق أدُّمَّ حم هأ يا هو يا غوثاه يا من ليس للراجي سواه بما في اللوح من اسم خفي وبالذكر
[ ٢٩٤ ]
الحكيم وما تلاه وبالقبر الشريف وزائريه وبالقدس العلي وما حواه تقبل ربنا منا دعانا "! !
﴿ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين﴾ [فصلت: ٢٩] . ﴿ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] . بها بها بها بهيا بهيا بهيا بهيهات بهيهات بهيهات القديم الأزلي يخضع لي جميع من يراني لمقننجل يا أرض خذيهم قل كونوا حجارة أو حديدًا "! !
هذه نماذج من الأدعية التي يزعمون أنهم يتلقونها من الغيب وأن الرسول جاء ليعلمها لهم والحال أن جميعها من وضع الشياطين وتلبيس الأباليس ومن التمويه على العامة والسذج بأن هؤلاء المشايخ عندهم أسرار ويتكلمون بكلام من الغيب العجيب كل العجب أن يجعل أمثال هؤلاء الذين يصرفون الناس عن القرآن الحكيم والسنة النبوية المطهرة التي ظاهرها كباطنها أن يجعلوا أئمة للناس يقتدي بهم في هذا الدجل والشعوذة والكذب على الله ورسوله.