الحياة الإنسانية تنقسم إلى أجزاء كثيرة، وتجزئتها إلى جميع أجزائها خارجة عن موضوعنا، بل يكفي لنا أن نقسمها إلى جزئيها اللذين نراهما في بادئ النظر ولا نحتاج إلى التفكر العميق لمعرفتهما، بل يكفي لشعورهما أدنى التفكر، وهما كما ترى الحياة الفكرية أو التفكر، والحياة العملية أو العمل، فالإنسان يتفكر ويعمل، ولابد له من التفكر كما لابد له من العمل.
الإسلام يطالب بانقياد كلا الجزئين في حياتنا:
وهذه التجزئة تدلنا إلى أن معنى الآية المذكورة آنفًا أنه يجب أن تدخل حياتنا الفكرية في الإسلام كما تدخل حياتنا العملية فيه، وتنقاد لهداية الله تعالى شأنه في الحياة الفكرية كما تنقاد لها في الحياة العملية.
معنى الانقياد في الحياة الفكرية:
الانقياد في العمل واضح لا حاجة لتوضيحه، فإن كلنا يعرف أن معناه أن نعمل كما أمرنا الله بوساطة كتابه ورسوله ﷺ فنأتي بما أمرنا به ونحذر عما نهى عنه.
أما الانقياد في الحياة
[ ٥٢ ]
الفكرية فمعرفته أدق من هذا، لأن له ثلاث شعب وإحدى شعبها معروفة عند الخواص والعوام، وشعبتان منها لا يعرفهما إلا أخص الخواص.
أما الشعبة الأولى المعروفة عند الناس فهي: شعبة العقيدة، وحقيقتها أن نعتقد ما أمر الله به أن نعتقده ونؤمن ونستيقن به، فنؤمن بوحدانية الله تعالى مثلا، ونستيقن أن الشرك بأقسامه كلها باطل، وكذلك نؤمن برسالة سيدنا محمد ﷺ وبأن القرآن كلام الله وكتابه، وقس على هذا.
وأما الشعبة الثانية التي هي غير معروفة عند الناس فهي: شعبة الوجهة الفكرية.
وأما الشعبة الثالثة التي هي أيضًا غير معروفة عندهم فهي: شعبة منهاج الفكر أي طريق التفكر. والإسلام يطالبنا بالانقياد في هاتين الشعبتين أيضا كما يطالبنا بانقياد فكرنا وذهننا في الشعبة الأولى، ولابد لحصول الإسلام الكامل من انقياد أفكارنا لأوامر الله تعالى ونواهيه في هاتين الشعبتين أيضًا، وسنلقي الضوء على هاتين الشعبتين مفصلًا في السطور الآتية لدقتهما وخفائهما على أكثر الناس.
[ ٥٣ ]