حديث «خلق الله آدم على صورته» (^١) يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الضمير يعود على آدم، أي أن الله تعالى خلقه على صورته التي بقي عليها إلى أن مات، أي من حيث الطول والجسامة ونحوه. فليس كذريته الذين يولد أحدهم صغيرًا ثم ينمو.
وأما كونه خُلِقَ أولًا طينًا لازبًا، ثم صلصالًا، فهذا في غير الطول والجسامة.
ولك أن تقول: إن المراد الخلق بعد نفخ الروح. فآدم عقب نفخ الروح فيه كان كاملًا، وأولاده عقب نفخ الروح أجنَّة.
الوجه الثاني: أن الحديث مختصر من حديث طويل، كما في حديث «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه؛ فإن الله خلق آدم على صورته» (^٢).
وحديث آخر: أن النبي - ﵌ - مرَّ برجل يضرب ولده أو غلامه فنهاه، قائلًا: «إن الله خلق آدم على صورته» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٢٢٧)، ومسلم (٢٦١٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) هذه رواية مسلم السالفة.
(٣) لم أجده بهذا اللفظ، ولعلّ المؤلف عنى حديث أبي هريرة ولفظه: «إذا ضرب أحدكم فليتجنب الوجه، ولا يقل: قبّح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله تعالى خلق آدم على صورته» أخرجه أحمد (٧٤٢٠)، وابن حبان (٥٧١٠)، وابن خزيمة في «التوحيد» (٣٧).
[ ٢٤ / ٨٥ ]
فالضمير في الأول عائد على الوجه، وكأنَّ في الكلام حذفَ مضاف، أي: إن الله خلق وجه آدم على صورته.
وفي الثاني: على الشخص المضروب، أي إن الله خلق آدم مثله.
وقد قال قائل: إن كان المراد بذلك أنه ينبغي أن يكرم الوجه والشخص لأجل أن الله خلقه مشابهًا لخلق آدم، فكان الظاهر أن يقول: فإن الله خلق محمدًا لمزيد كرامته.
فقلت: الضرب متعلق بالجسم، ولآدم مزية جسمية لا يشاركه فيها أحد، وهو أنَّ الله خلقه بيديه، وفي «الصحيح» أنّ أهل المحشر يعدونها من مزاياه عند طلبهم منه الشفاعة (^١). فتبين أن ذكره هو الأنسب.
الوجه الثالث: أن المراد خَلَقه على صفة تقابل صفة الله ﷿. أي: فكما أن الله ﷿ عالم وقادر ومريد وسميع وبصير، فالإنسان عالم وقادر ومريد وسميع وبصير، وإن كان البون شاسعًا بين صفات الرب ــ جل وعلا ــ وصفات العبد، إلا أن الاشتراك في اللفظ يدل على مناسبة في المعنى (^٢).
ويَرِدُ عليه أمور:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) وهذا الوجه هو الذي كان عليه السلف من القرون الثلاثة، فإنه لم يكن بينهم «نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك». راجع «بيان تلبيس الجهمية» (٦/ ٣٧٣ وما بعدها) لشيخ الإسلام.
[ ٢٤ / ٨٦ ]
الأول: أنه لا يظهر عليه وجهٌ لتخصيص آدم بالذّكْر، فكلُّ إنسان كذلك.
الثاني: أن المقابلة مع ما ذكر من البون الشاسع لا يظهر لها وجه.
الثالث: أنه في حديثي الضرب لا معنى للمقابلة. والظاهر أن الحديث المطلق مقتطع من أحدهما. والله أعلم (^١).
* * * *