[قالوا: ما قولكم فيمن دعا نبيًا أو وليًا واستغاث بهم (^١) في تفريج الكربات، كقوله يا رسول الله أو يا ابن عباس أو يا محجوب أو غيرهم من الأولياء والصالحين].
الجواب: الحمد لله نحمده (^٢)، ونستعينه (^٢)، ونستغفره (^٢)، ونعوذ (^٢) بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه، ومن تبعهم بإحسان وقفى أثرهم إلى آخر الزمان.
أما بعد، فإن (^٣) الله تعالى قد أكمل لنا الدين، ورسوله قد بلغ البلاغ المبين، وأنزل عليه الكتب هدى وذكرى للمؤمنين، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة- ٣]، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل- ٨٩]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ
_________________
(١) في "أ" به.
(٢) وقع في "أ" أحمد … أستعينه … أستغفره … بالهمزة.
(٣) في "أ" فقد.
[ ٢٧ ]
قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس- ٥٧]، وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه- ١٢٣ - ١٢٤]. قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن واتبع ما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة (^١). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ، وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (^٢) [الزخرف- ٣٦ - ٣٧]. وروى الإمام مالك في الموطإ أن رسول الله ﷺ قال: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله" (^٣).
_________________
(١) أخرجه -كما في الدر المنثور ٥/ ٦٠٧ - الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس.
(٢) قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية -﵀- في ردِّه على البكري "ص ١٨٣ - ط السلفية بمصر- ١٣٤٦ هـ": فمن لم يعبد الرحمن عبد الشيطان ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ …﴾ وذكر الرحمن يراد به الذكر الذي أنزله الله تعالى كما قال: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى …﴾ فمن أعرض عن هدى الله الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه فلم يفرق بين ما أمره الله به، وما نهى عنه كان معرضًا عن ذكره المنزل فيقيض له شيطانًا يصده عن سبيل الله فيفرق -أي بين الأشياء- بمجرد هواه ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ انتهى.
(٣) أخرجه مالك في الموطإ بلاغًا "٢/ ٨٩٩": ورواه الحاكم في مستدركه "١/ ٩٣"، وابن عدي في الكامل "٤/ ١٣٨٦" وغيرهما من طريق داود بن عمر الضبي ثنا صالح بن موسى الطلحي ثنا عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إني قد خلفت اثنين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض". =
[ ٢٨ ]
وعن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لقد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" (^١)، وقال ﷺ: "ما تركت من شيء يقرب إلى الجنة إلاّ وقد حدثتكم به ولا شيء يقربكم من النار إلاّ
_________________
(١) = وإسناده ضعيف "صالح بن موسى الطلحي". قال أبو حاتم ضعيف الحديث منكر الحديث جدًا كثير المناكير عن الثقات، وقال النسائي: ضعيف وقال أيضًا منكر الحديث "ينظر التهذيب ٤/ ٤٠٤" وقال الحافظ في التقريب "متروك". وقد روى الحاكم هذا الحديث في مستدركه عن ابن عباس ﵄ "١/ ٩٣" وفي إسناده إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس. قال أحمد وابن معين لا بأس به وضعفه ابن أبي خيثمة والنسائي، وقال ابن معين يسوى فلسين، وقال الدارقطني لا اختاره في الصحيح، وقال سيف بن محمد كان يضع الحديث "ينظر التهذيب ١/ ٣١١" قال الحافظ ابن حجر في التقريب: صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه، اهـ. وللحديث شواهد ترفعه إلى درجة الصحة دون لفظه "وسنتي" فإن ثبوتها فيه نظر لما رأيت من طرقها والله سبحانه أعلم. فمن شواهده ما رواه مسلم في صحيحه -كتاب فضائل الصحابة- ٤/ ٨٧٣/ عن زيد بن أرقم ﵁ وفيه: "وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به" فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: "وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي … " الحديث.
(٢) أخرجه ابن ماجة في سننه -المقدمة- "١/ ٤"، وابن أبي عاصم في السنة "١/ ٢٦" قال ابن ماجه: حدثنا هشام بن عمار الدمشقي ثنا محمد بن عيسى بن سُميع حدثنا إبراهيم بن سليمان الأفطس عن الوليد بن عبد الرحمن الحرشي عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نذكر الفقر ونتخوفه فقال: "الفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده لتصبن عليكم الدنيا صبّا حتى لا يزيغ قلب أحدكم إزاغة إلاهية. وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء". وهذا إسناد حسن: محمد بن عيسى بن القاسم بن سميع فيه كلام يسير، والراجح فيه أن حديثه لا بأس به فقد وثقه ابن شاهين وهاشم بن عمار وقال أبو داود =
[ ٢٩ ]
وقد حدثتكم به" (^١)، وقال ﷺ: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" (^٢).
_________________
(١) = وابن عدي ليس به بأس وقال الحاكم مستقيم الحديث وقال الدارقطني ليس به بأس وقال ابن حبان مستقيم الحديث إذا بين السمع في خبره. انظر "التهذيب ٩/" وأما قول أبي حاتم: شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به. وقول دحيم: ليس من أهل الحديث. فلعلّ ذلك من أجل حديثه عن ابن أبي ذئب عن الزهري في مقتل عثمان فإنه لم يسمع من ابن أبي ذئب وإنما دلس هذا الحديث فأسقط الواسطة بينه وبين ابن أبي ذئب وهو "إسماعيل بن يحيى" وكان يضع الحديث. قلت: وهذا لا يوجب إطراح حديثه وعدم الاحتجاج به ولكن إذا لم يصرح بالسماع فلا يحتج به كما قاله ابن حبا. وأما هشام بن عمار فقد قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق مقرئ، كبر فصار يتلقن فحديثه القديم أصح، اهـ. وباقي رجال الإسناد ثقات. تنبيه: قال المحدث محمد بن ناصر الدين في سلسلته الصحيحة "٢/ ٣٠٨" على هذا الحديث: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات، وفي هشام بن عمار، وإبراهيم الأفطس كلام لا ينزل الحديث عما ذكرنا، اهـ. وكذا قال تخريج السنة لابن أبي عاصم ١/ ٢٦ هكذا قال -حفظه الله- وهو سبق قلم: فإن إبراهيم بن سليمان الأفطس لم يتكلم فيه أحدّ -فيما أعلم- بل قد قال فيه الحافظ ابن حجر في التقريب "ثقة ثبت" وهذه العبارة عند جماعة من أهل الحديث في أعلى مراتب التعديل. والصواب أن الذي فيه كلام لا يضر هو: محمد بن عيسى كما تقدم. ولقوله ﷺ: "لقد تركتكم على … " شاهدًا من حديث العرباض بن سارية الآتي. ولقوله في الحديث "لتصبن الدنيا صبًا" شواهد في الصحيحين والمسند والسنن ليس هذا موضع بسطها.
(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٢٦٣ - ٢٦٤": رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقري وهو ثقة. اهـ.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده "٤/ ١٢٦ - ١٢٧"، وأبو داود في سننه -كتاب السنة- "٥/ ١٣ - ١٤ - ١٥"، والترمذي في سننه -كتاب العلم- "٥/ ٤٤ - =
[ ٣٠ ]
فمن أصغى إلى كتاب الله وسنة رسوله وجد فيهما الهدي والشفا. وقد ذَمّ الله تعالى من أعرض عن كتابه ودعى عند التنازع إلى حكم غيره فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء- ٦١].
إذا عُرِفَ هذا فنقول: الذي شرعه الله ورسوله ﷺ عند زيارة القبور إنما هو تذكرة الآخرة، والإحسان إلى الميت بالدعاء له، والترحم عليه، والإستغفار له، وسؤال العافية كما في صحيح مسلم عن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: "السلام على أهل الديار-
_________________
(١) = ٤٥"، وابن ماجة في سننه -المقدمة- "١/ ١٥ - ١٦ - ١٧"، وابن حبان في صحيحه "١/ ١٠٥"، والآجري في الشريعة "ص ٤٧"، والمروزي في السنة "ص ٢١ - ٢٢"، وابن أبي عاصم في السنة -مختصرًا ومطولًا- "١/ ١٧ - ١٨ - ١٩ - ٢٠ - ٢٦ - ٢٧ - ٢٩ - ٣٠"، والطبراني في الكبير "١٨/ ٢٤٥، ٢٤٦، ٢٤٧"، والحاكم في مستدركه "١/ ٩٥ - ٩٦ - ٩٧"، وفي المدخل إلى الصحيح "ص ٧٩ - ٨٠ - ٨١"، والبيهقي في دلائل النبوة "٦/ ٥٤١"، وفي مناقب الشافعي "١/ ١٠ - ١١". جميعهم من طرق عديدة عن أبي نجيح العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. قلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا. قال: "قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلاّ هالك ومن يعش منك فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بما عرفتم من سنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعليكم بالطاعة … " الحديث. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ليس له علة، وأقرّه الذهبي على هذا. وصححه شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية -﵀- "في اقتضاء الصراط المستقيم- ٢/ ٥٧٩"، وقال الحافظ ابن كثير في "تحفة الطالب ص ١٦٣" صححه الحافظ أبو نعيم الأصفهاني، والدُغولي، وقال شيخ الإسلام الأنصاري: هو أجود حديث في أهل الشام وأحسنه، اهـ.
[ ٣١ ]
وفي لفظ- "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون (^١) نسأل الله لنا ولكم العافية" (^٢).
وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء" (^٣). وعن عائشة -﵂- عن النبي ﷺ: "ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه" (^٤) فبعد الدفن أولى وأحرى.
فبدل أهل الشرك قولاّ غير الذي قيل لهم، بدلوا الدعاء له بدعائه، والشفاعة له بالإستشفاع به، وقصدوا بالزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ إحسانًا إلى الميت سؤال الميت، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة بنص رسول الله صلى الله عليه سلم، فعن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "الدعاء مخ العبادة" رواه
_________________
(١) في "ب" "لاحقون" وورد هذا اللفظ عن عائشة عند مسلم.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه- كتاب الجنائز "٢/ ٦٧١"
(٣) أخرجه أبو داود في سننه -كتاب الجنائز- "٣/ ٥٣٨"، وابن ماجه في سننه -كتاب الجنائز- "١/ ٤٨٠" كلاهما من طريق محمد بن سلمة الحراني عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة قال: سمع رسول الله ﷺ فذكره. وإسناده جيد إلا أن ابن إسحاق مدلّس وقد عنعنه ولكنه قد صرح بالتحديث عند ابن حبان كما في -الموارد- "ص ١٩٢" فزالت هذه العلة بحمد الله.
(٤) أخرجه الإمام أحمد "٣/ ٢٦٦"، "٦/ ٣٢ - ٤٠ - ٩٧ - ٢٣١"، ومسلم في صحيحه -كتاب الجنائز- "٢/ ٦٥٤" كلاهما من طريق عبد الله بن يزيد عن عائشة … به.
[ ٣٢ ]
الترمذي (^١)، وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: "الدعاء هو العبادة" -ثم قرأ- رسول الله ﷺ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية [غافر- ٦٠]، رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة (^٢).
ومن المحال أن يكون دعاء الموتى مشروعًا، ويصرف عنه القرون
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه -كتاب الدعاء- "٥/ ٤٥٦" وقال: حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلاّ من حديث ابن لهَيْعَة، اهـ. وهو ضعيف الحديث عندهم، وفي السند الوليد بن مسلم وهو مدلس وقد عنعنه.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده "٤/ ٢٦٧ - ٢٧١ - ٢٧٦ - ٢٧٧"، وأبو داوود في سننه -كتاب الصلاة- "٢/ ١٦١"، والترمذي في سننه -كتاب التفسير- "٥/ ٢١١" وفي -كتاب الدعاء- "٥/ ٤٥٦"، وابن ماجه في سننه -كتاب الدعاء- "٢/ ١٢٥٨"، وابن المبارك في الزهد "ص ٤٥٩"، والطيالسي في مسنده "ص ١٠٨"، وابن أبي شيبة في المصنف "١٠/ ٢٠٠"، والبخاري في الأدب المفرد "٢/ ١٧٨"، وابن جرير الطبري في تفسيره "٢٤/ ٧٨ - ٧٩"، وابن حبان في صحيحه -الموارد- "ص ٥٩٥"، والطبراني في الصغير "٢/ ٩٧"، والحاكم في مستدركه "١/ ٤٩٠ - ٤٩١"، والبغوي في شرح السنة "٥/ ١٨٤"، وفي تفسيره -حاشية ابن كثير- "٧/ ٣٠٩"، والقضاعي في مسند الشهاب "١/ ٥١"، وأبو نعيم في الحلية "٨/ ١٢٠" جميعهم من طريق يُسَيْع بن معدان عن النعمان بن بشير مرفوعًا … به وسنده صحيح. وصححه الحاكم وأقره الذهبي، وقال الترمذي حسن صحيح، وصححه النووي، كما في الأذكار، وقال الحافظ في الفتح إسناده جيد "١/ ٤٩"، وحسنه السخاوي -كما في شرح الأذكار- لابن علاّن "٧/ ١٩١". والحديث عزاه السيوطي في الدر المنثور "٧/ ٣٠١" لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي حاتم وابن مردوية وأبي نعيم في الحلية "٨/ ١٢٠"، والبيهقي في شعب الإيمان كلهم عن النعمان بن بشير .. به. وأخرجه الخطيب في تاريخه "١٢/ ٢٧٩"، وابن مردوية -كما في الدر- "٧/ ٣٠١" وأبو يعلى -كما في شرح الأذكار- "٧/ ١٩١" عن البراء بن عازب ﵁.
[ ٣٣ ]
الثلاثة المفضلة (^١) بنص رسول الله ﷺ (^٢) ثم يتوقف
_________________
(١) ليست في "ب".
(٢) أخرجه الإمام أحمد "١/ ٣٧٨ - ٤١٧ - ٤٣٤ - ٤٣٨ - ٤٤٢"، والبخاري في صحيحه "٥/ ٢٥٩" "٧/ ٣" و"٢٤٤ - ٥٤٣"، ومسلم في صحيحه "٤/ ١٩٦٢ - ١٩٦"، جميعهم من طريق عبيدة السلماني عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "خير أمتي القرن الذي يلوني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه" هذا لف مسلم. وفي لفظ له "قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم … ". وأخرجه أحمد في مسنده "٤/ ٤٢٧ - ٤٣٦"، والبخاري في صحيحه "٥/ ٢٥٨" و"٧/ ٣" و"١١/ ٢٤٤ - ٥٨٠"، ومسلم في صحيحه "٤/ ١٩٦٤" جميعهم من طريق زهدم بن مضرب قال: سمعت عمران بن حصين يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذي يلونهم". قال عمران: "فلا أدري أقال رسول الله ﷺ بعد قرنه، قرنين أو ثلاثة … " الحديث هذا لفظ مسلم. وأخرجه الإمام أحمد في مسنده "٤/ ٤٢٦ - ٤٤٠"، ومسلم في صحيحه "٤/ ١٩٦٥" كلاهما من طريق زرارة بن أوفى عن عمران … به. وأخرجه أحمد في المسند "٤/ ٤٢٦" من طريق هلال بن يساف عن عمران بن حصين … به. وأخرجه أحمد "٦/ ١٥٦"، ومسلم في صحيحه "٤/ ١٩٦٥" كلاهما من طريق عبد الله البهي عن عائشة قالت: سأل رجل النبي ﷺ أيُّ الناس خير قال: "القرن الذي أنا فيه، ثم الثاني ثم الثالث" هذا لفظ مسلم. وأخرجه الإمام أحمد "٤/ ٢٦٧" من طريق عاصم بن بهدلة عن خيثمة بن عبد الرحمن والشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم … " الحديث. وأخرجه أحمد "٤/ ٢٧٦ - ٢٧٧" عن خيثمة بن عبد الرحمن عن النعمان بن بشير … به. وفي الباب عن جماعة من الصحابة غير من ذكرنا.
[ ٣٤ ]
الخلوف (^١) الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون.
فهذه سنة رسول الله ﷺ، وهذه (^٢) طريقة الصحابة والتابعين لهم بإحسان هل نقل عن أحد منهم نقل (^٣) صحيح أو حسن (^٤) أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسحوا بها فضلًا عن أن يسألوا أصحابها جلب الفوائد وكشف الشدائد، ومعلوم أن مثل هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله ﷺ بالأمصار عدد كثير فهم متوافرون، فما منهم من استغاث عند قبر ولا دعاه، ولا استشفى به، ولا استنصر به، ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته، ولا بغيره من الأنبياء، ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء، ولا الصلاة عندها.
فإن كان في هذا (^٥) أثر صحيح أو حسن فأوقفونا عليه، بل الذي صح عنهم خلاف ما ذهبتم إليه. ولما قحط الناس في زمن (^٦) عمر بن الخطاب استسقى بالعباس وتوسل بدعائه وقال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعمِّ نبينا فأسقنا فيسقون" كما (^٧) ثبت ذلك في صحيح البخاري في كتاب (^٨) الاستسقاء من صحيحه (^٩).
_________________
(١) في "ب" "الخلف".
(٢) في "ب" "فهذه".
(٣) في "أ" "بنقل".
(٤) في "ب" "نقل صحيحًا أو حسنًا" وهو خطأ. وما أثبته من "أ" ومن "إغاثة اللهفان" لابن القيم "١/ ٢٠٢" الذي نقل المؤلف هذه الأسطر منه بتصرف.
(٥) في "ب" "منها".
(٦) في "أ" "زمان".
(٧) سقطت "كما" من "أ".
(٨) في "ب" "باب" وهو خطأ.
(٩) أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الاستسقاء- "٢/ ٤٩٤"، وفي فضائل الصحابة "٧/ ٧٧" عن أنس بن مالك ﵁.
[ ٣٥ ]
ونحن نعلم بالضرورة أنَّ النبي ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدًا من الأموات، لا الأنبياء، ولا الصالحين، ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة، ولا بغيرها.
بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الأكبر الذي حرّمه الله ورسوله (^١). قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا
_________________
(١) قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية في ردِّه على البكري "ص ٢٣٢": سؤال الميت والغائب نبيًا كان أو غيره من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين لم يأمر الله به ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين. وهذا مما يعلم بالإضطرار من دين المسلمين أن أحدًا منهم ما كان يقول: إذا نزلت به ترة أو عرضت له حاجة لميت يا سيدي فلان أن في حسبك أو اقضِ حاجتي. كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين. ولا أحد من الصحابة ﵃ إستغاث بالنبي ﷺ بعد موته ولا بغيره من الأنبياء لا عند قبورهم ولا إذا بعدوا عنها وقد كانوا يقفون تلك المواقف العظام في مقابلة المشركين في القتال ويشتد البأس بهم ويظنون الظنون ومع هذا لم يستغث أحد منهم بنبي ولا غيره من المخلوقين ولا أقسموا بمخلوق على الله أصلًا ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء ولا قبور غير الأنبياء ولا الصلاة عندها وقد كره العلماء كمالك وغيره أن يقوم الرجل عند قبر النبي ﷺ يدعو لنفسه وذكروا أن هذا من البدع التي لم يفعلها السلف، اهـ. وقال -﵀ وأسكنه الفردوس الأعلى- كما في مجموع الفتاوى لابن قاسم "١/ ١٥٩": فإن دعاء الملائكة والأنبياء بعد موتهم وفي مغيبهم وسؤالهم والإستغاثة بهم والاستشفاع بهم في هذه الحال ونصب تماثيلهم -بمعنى طلب الشفاعة منهم- هو من الدين الذي لم يشرعه الله ولا ابتعث به رسولًا ولا أنزل به كتابًا وليس هو واجبًا ولا مستحبًا باتفاق المسلمين ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين وإن كان ذلك مما يفعله كثير من الناس ممن له عبادة وزهد ويذكرون فيه حكايات ومنامات فهذا كله من الشيطان، اهـ. وانظر الفتاوى "١/ ١٦٠ - ١٦١ - ١٦٢".
[ ٣٦ ]
مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن- ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف ٥ - ٦]، وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء- ٢١٣]، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ الآية [الرعد- ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس- ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ، إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ …﴾ [فاطر- ١٣ - ١٤]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء-٥٦ - ٥٧].
قال مجاهد يبتغون إلى ربهم الوسيلة هو: عيسى وعزير والملائكة (^١)، وكذا قال إبراهيم النخعي قال: كان ابن عباس يقول في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء- ٥٧] هو: (^٢) عزير والمسيح والشمس والقمر (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير "١٥/ ١٠٦" من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد … به. وابن أبي نجيح اسمه عبد الله بن يسار ثقة إلا أنه لم يسمع التفسير من مجاهد قاله يحيى بن سعيد وابن حبان. وقال شيخ الإسلام في ردِّه على البكري "ص ٢٨٣": وفي التفسير الصحيح عن مجاهد … فذكره.
(٢) في "ب" "عيسى".
(٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره "١٥/ ١٠٦" من طريق النخعي إبراهيم يزيد عن ابن عباس ولم يسمع النخعي منه كما نص على ذلك علي بن المديني وغيره. [ينظر التهذيب ١/ ١٧٧]. =
[ ٣٧ ]
وعن السدي عن أبي صالح (^١) عن ابن عباس قال: عيسى وأمّه والعزير (^٢) وعن عبد الله بن مسعود قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرًا من الجن فأسلم الجنيون والأنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم فنزلت هذه الآية. ثبت ذلك عنه في صحيح البخاري ذكره في كتاب التفسير (^٣).
وهذا الأقوال في معنى الآية كلها حق فإن الآية تعمّ كل من كان معبوده عابدًا لله سواء كان من الملائكة أو من الجن أو من البشر، فالآية خطاب لكل من دعا من دون الله مدعوًا، وذلك المدعوّ يبتغي
_________________
(١) = وأخرج هذا الأثر -كما في الدر- "٥/ ٣٠٦" سعيد بن منصور وابن المنذر. فائدة: قال إمام أهل السنة أبو عبد الله أحمد بن حنبل -﵀- "ثلاث علوم ليس لها أصول: المغازي، والملاحم، والتفسير" وفي لفظ "ليس لها أسانيد". قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية -﵀- في ردِّه على البكري ١/ ١٨: "ومعنى ذلك أن الغالب عليها أنها مرسلة ومنقطعة"، اهـ.
(٢) في "ب" "عن أبي هريرة" وفي "أ" "عن أبي" وكلاهما خطأ والتصويب من تفسير ابن جرير، ومن الرد على البكري لشيخ الإسلام الذي نقل المؤلف منه هذه التفاسير ص ٢٨٤ - ٢٨٥.
(٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره "١٥/ ١٠٦" وسنده ضعيف أبو صالح هو مولى أم هانيء ضعيف مدلس ولم يسمع من ابن عباس. قال شيخ الإسلام أبو العباس في ردِّه على البكري "١/ ١٧": قال عبد الله بن أحمد سمعت أبي يقول: ترك ابن مهدي أبا صالح باذام. وضعفه سفيان وغيره وكان الشعبي يمسك بإذنه ويقول: "ويلك أنت لا تحفظ القرآن، وتفسير القرآن" وكان مجاهد ينهي عن تفسيره قاله البخاري، اهـ. وعزا السيوطي هذا الأثر لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردوية.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب التفسير- "٨/ ٣٩٨"، ومسلم في صحيحه -كتاب التفسير- "٤/ ٢٣٢١". واللفظ لمسلم.
[ ٣٨ ]
إلى الله الوسيلة ويرجو رحمته، ويخاف عذابه، فكل من دعا ميتًا أو غائبًا من الأنبياء والصالحين فقد تناولته هذه الآية.
ومعلوم أن المشركين يسألون الصالحين بمعنى أنهم وسائط بينهم وبين الله، ومع هذا فقد نهى الله عن دعائهم، وبين أنهم لا يملكون كشف الضرّ عن الداعي (^١) ولا تحويله، لا يرفعونه بالكلية، ولا يحولونه من موضع إلى موضع، كتغيير صفته أو قدره، ولهذا قال ﴿وَلَا تَحْوِيلًا﴾ فذكَرَ نكرة (^٢) تعم أنواع التحويل، فكل من دعا ميتًا من الأنبياء، أو الصالحين، أو دعا الملائكة، أو دعا الجن فقد دعا من لا يغيثه، ولا يملك كشف الضر عنه ولا تحويلًا.
وهؤلاء المشركون اليوم منهم من إذا نزلت به شدّة (^٣) لا يدعو إلا شيخه، ولا يذكر إلى إسمه، قد لهج به كما يلهج (^٤) الصبي بذكر أمّه، فإذا تعس أحدهم قال: يا ابن عباس، أو يا محجوب، ومنهم من يحلف بالله ويكذب، ويحلف بابن عباس أو غيره فيصدق ولا يكذب، فيكون المخلوق في صدره أعظم من الخالق.
فإذا كان دعاء الموتى يتضمن هذا الاستهزاء بالدين، وهذه المحادة لرب العالمين (^٥)، فأي الفريقين أحق بالاستهزاء (^٦)
_________________
(١) في "ب" "الداعين".
(٢) في "أ" "النكرة".
(٣) في "ب" "الشدد".
(٤) في "أ" "كما قد يلهج الضبي" وما في "ب" هو الموافق لما في "الردّ على البكري" لشيخ الإسلام "ص ٣٥٢" الذي نقل المؤلف منه هذه العبارة.
(٥) في "ب": "لله ولكتابه".
(٦) في "ب": "بالله" وهو خطأ.
[ ٣٩ ]
والمحادة لله (^١)؟ من كان يدعو الموتى، ويستغيث بهم، أو يأمر بذلك، أو من كان لا يدعو إلاّ الله وحه لا شريك له كما أمرت به رسله، ويوجب طاعة الرسول، ومتابعته في كل ما جاء به.
ونحن بحمد الله من أعظم إيجابًا لرعاية جانب الرسول، تصديقًا له فيما أخبر، وطاعة له فيما أمر، واعتناء بمعرفة ما بعث به، واتباع ذلك دون ما خالفه عملًا بقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف- ٣]، وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام- ١٥٥].
ومعنا ولله الحمد أصلان عظيمان أحدهما: أنا (^٢) لا نعبد إلاّ الله، فلا ندعو إلاّ هو ولا نذبح النسك إلا لوجهه، ولا نرجو إلاّ هو، ولا نتوكل إلاّ عليه وحده لا شريك له (^٣).
والأصل الثاني: أنا (^٤) لا نعبده إلاّ بما شرع، لا نعبده بعبادة مبتدعة. وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله محمدًا رسول الله (^٥) فإن شهادة أن لا إله إلاّ الله تتضمن إخلاص الإلهية لله، فلا يتأله القلب، ولا اللسان، ولا الجوارح لغيره (^٦)، لا بحب، ولا خشية، ولا إجلال، ولا رغبة، ولا رهبة (^٧). وشهادة أن محمدًا
_________________
(١) لفظة "لله" ليست في "ب".
(٢) ليبست في "ب" وفي المطبوعة "أن".
(٣) قوله "وحده لا شريك له" ليست في "أ".
(٤) في "ب" "أن".
(٥) وهذان الأصلان ذكرهما شيخ الإسلام أبو العباس -رحمه الله تعالى- في مواضع كثيرة من كتبه وقرّرهما وقعّدهما جزاه الله عنا كل خير. انظر الفتاوى لابن قاسم جـ "١/ ٨٠ - ١٨٩ - ٣١٠ - ٣٣٣ - ٣٦٥"، جـ "١٠ - ١٧٢"، جـ "١١/ ٥٠ - ٥٣ - ٥٨٥ - ٦١٧ - ٦١٩"، جـ "٢٨ - ٢٣"، جـ "١٨ - ٣١٧ - ٣٥٢".
(٦) في "أ" "غيره" وفي المطبوعة "بغيره".
(٧) في "ب" "ونحوهم".
[ ٤٠ ]
رسول الله تتضمن تصديقه في جميع ما أخبر به، وطاعته واتباعه في كل ما أمر به، فما أثبته وجب إثباته، وما نفاه وجب نفيه … وقد روى البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلاّ من أبى" قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟، قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" (^١).
إذا تمهد (^٢) هذا فنقول: الذي نعتقده وندين الله به، أن من دعا نبيًا، أو وليًا، أو غيرهما وسأل منهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، أن هذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا أولياء، وشفعاء يستجلبون بهم المنافع، ويستدفعون بهم المضار بزعمهم. قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ- إلى قوله- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس- ١٨].
فمن جعل الأنبياء، أو غيرهم، كابن عباس، أو المحجوب، أو أبي طالب (^٣)، وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده "٢/ ٣٦١"، والبخاري في صحيحه -كتاب الاعتصام- "١٣ - ٢٤٩" كلاهما من طريق عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ .. فذكره.
(٢) في "ب" "إذا عرف".
(٣) كذا في جميع النسخ. وليس ببعيد على القبوريين أن يدعوا أبا طالب من دون الله مع أنه مات على الشرك إتفاقًا لفساد فطرهم، وكدر أفهامهم، ومحقِ عقولهم وظلمة قلوبهم. وقد قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: إعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين: أحدهما: أن الأولين لا يشركون لا يدعون الملائكة، والأولياء، والأوثان مع الله إلاّ في الرخاء، وأما في الشدّة فيخلصون لله بعكس أهل زماننا. الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناسًا مقربين عند الله، إما أنبياء، وإما أولياء، وإما ملائكة، أو يدعون أحجارًا أو أشجارًا مطيعة لله ليست عاصية، وأهل زماننا =
[ ٤١ ]
المنافع، ودفع المضار، بمعنى أن الخلق يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبًا منهم أنْ (^١) يباشروا سؤال الملك، أو لكونهم أقرب إلى الملك، فمن جعلهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك، حلال المال والدم، وقد نص العلماء ﵏ على ذلك وحكوا عليه الإجماع. قال في الإقناع وشرحه (^٢): ومن جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم، ويدعوهم، ويسألهم كفر إجماعًا (^٣)، لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام قائلين ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر- ٣]، انتهى.
وقال الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي -رحمه الله تعالى- (^٤):
_________________
(١) = يدعون مع الله أناسًا من أفسق الناس. إلخ، اهـ. بتصرف من "كشف الشبهات".
(٢) سقطت "أن" من "ب". وما في "أ" هو الموافق لما في فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية المسماة "الواسطة بين الحق والخلق". التي نقل المؤلف منها هذه الأسطر. انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام لابن قاسم ١/ ١٢٤ - ١٢٦.
(٣) "٦/ ١٦٨ - ٤٦٩".
(٤) في "أ" "إجماعٌ" وهو خطأ.
(٥) ابن عقيل الحنبلي له مؤلفات كثيرة لم يصلنا منها إلا النزر اليسير، ولعلّ كلامه هذا في كتابه "الفنون" الذي فقد أكثره منذ أمدٍ بعيد -فيما أعلم- وقد نقل المؤلفُ عبارةَ ابنِ عقيل هذه من "إغاثة اللهفان" للإمام ابن القيم -﵀- "١/ ١٩٥". تنبيه: ابن عقيل وإن كان حنبليًا في الفروع فإنه ليس بحنبلي في الأصول. قال شيخ الإسلام أبو العباس -﵀- في الدرء "٨/ ٦٠": ولابن عقيل أنواع من الكلام، فإنه كان من أذكياء العالم، كثير الفكر والنظر في كلام الناس، فتارة يسك مسلك نفاة الصفات الخبرية، وينكر على من يسميها صفات، ويقول: إنما هي إضافات، موافقة للمعتزلة، كما فعله في كتابه "ذم =
[ ٤٢ ]
لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذْ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع. مثل تعظيم القبور، وإكرامها، والتزامها (^١) بما نهى عنه الشرع، من إيقاد النيران، وأخذ تربتها تبركًا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخِرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى. انتهى كلامه.
وقال الإمام البكري الشافعي -﵀- في تفسيره عند قوله
_________________
(١) = التشبيه وإثبات التنزيه" وغيره من كتبه، وتارة يثبت الصفات الخبرية، ويرد على النفاة والمعتزلة بأنواع من الأدلة الواضحات، وتارة يوجب التأويل كما فعله في "الواضح" وغيره، وتارة يحرّم التأويل ويذمه وينهي عنه، كما فعله في كتاب "الانتصار لأصحاب الحديث" فيوجد في كلامه من الكلام الحسن البليغ ما هو معظم مشكور، ومن الكلام المخالف للسنة والحق ما هو مذموم مدحور … الخ انتهى بتصرف. وهذا يدل على أن الرجل متذبذب الاعتقاد. لكن قال ابن رجب في الذيل على الطبقات "١/ ١٤٤": ويظهر منه -أي ابن عقيل- في بعض الأحيان نوع انحراف عن السنة وتأويل لبعض الصفات، ولم يزل فيه بعض ذلك إلى أن مات -﵀-، اهـ. وقال الإمام الذهبي -﵀- في الميزان "٣/ ١٤٦": إلا أنه -أي ابن عقيل- خالف السلف، ووافق المعتزلة في عدة بدع نسأل الله العفو والسلامة، فإن كثرة التبحر في كلام ربما أضر بصاحبه، ومن حسن إسلام تركه ما لا يعنيه، اهـ. وقد ذكر الذهبي أيضًا في "معرفة القرّاء الكبار" ١/ ٣٠٨ أن في ابن عقيل شائبة اعتزال وتجهم وانحراف عن السنة، اهـ. واستقصاء كلام العلماء في هذا يطول. والمقصود إنما هو مجرد التنبيه.
(٢) في "أ" "وإلزامها".
[ ٤٣ ]
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر- ٣].
وكانت الكفار إذا سئلوا من خلق السموات والأرض قالوا "الله" فإذا سئلوا عن عبادة الأصنام قالوا: ما نعبدهم إلى ليقربونا إلى الله زلفى (^١) لأجل طلب شفاعتهم عند الله. فهذا كفرُ منهم. انتهى كلامه.
فتأمل ما ذكره صاحب الإقناع، وكذا (^٢) ما ذكره ابن عقيل من تعظيم القبور، وخطاب الموتى بالحوائج، وأنّ ذلك كفر.
وقال الحافظ عماد الدين (^٣) بن كثير -﵀- في تفسيره (^٤) عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾: أي إنما يحملهم على عبادتهم لهم (^٥) أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين بزعمهم، فعبدوا تلك الصور، تنزيلًا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم، ورزقهم، وما ينوبهم من أمور الدنيا.
فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به (^٦). قال قتادة والسديّ ومالك عن زيد بن أسلم، وابن زيد ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي
_________________
(١) سقطت من "أ" "زلفى".
(٢) في "أ" "وكذلك".
(٣) في "أ" "العماد" وكلاهما صواب.
(٤) ٤/ ٤٥.
(٥) سقطت "لهم" من النسخ وأثبتها من ابن كثير.
(٦) كما قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
[ ٤٤ ]
ليشفعوا لنا، ويقربونا عنده، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: لبيك لا شريك لك إلاّ شريك هو لك تملكه وما ملك (^١).
وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- بردّها، والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأنّ هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم لم يأذن الله فيه، ولا رضي به، بل أبغضه، ونهى عنه قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل- ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الانبياء- ٢٥]. وأخبر أن الملائكة التي في السموات من المقربين وغيرهم كلهم عبيد خاضعون لله لا يشفعون عنده إلاّ بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وكرهوه (^٢) ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل- ٧٤] تعالى الله عن ذلك علوًا (^٣) كبيرًا. انتهى كلامه.
وقال الإمام البكري -﵀- عند قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [يونس- ٣١] فإن قلت: إذا أقروا بذلك فكيف عبدوا الأصنام؟ قلت: كلهم
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه -كتاب الحج ٢/ ٨٤٣ عن ابن عباس قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك. قال فيقول رسول الله ﷺ: "ويلكم! قدٍ قدٍ" فيقولون إلا شريكًا هو لك. تملكه وما ملك. يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت.
(٢) في "ب" "وأبغضوه" وفي ابن كثير "وأبوه" وكل صواب.
(٣) "علوًا كبيرًا" ليست في "أ".
[ ٤٥ ]
كانوا يعتقدون بعبادتهم الأصنام عبادة الله تعالى والتقرب إليه لكن (^١) بطرق مختلفة. ففرقة قالت: ليست لنا أهلية عبادة الله تعالى بلا واسطة لعظمته، فعبدناها لتقربنا إليه زلفى. وفرقة قال الملائكة ذو وجاهة ومنزلة عند الله فاتخذنا لنا أصنامًا على هيئة الملائكة لتقربنا إلى الله زلفى. وفرقة قالت جعلنا الأصنام قبلة لنا في العبادة كما أن الكعبة قبلة في عبادته. وفرقة اعتقدت أن لكل صنم شيطانًا موكلًا بأمر الله، فمن عبد الصنم حق عبادته قضى الشيطان حوائجه بأمر الله، وإلاّ أصابه شيطانه بنكبة بأمر الله تعالى. انتهى كلامه.
فانظر إلى كالم هؤلاء الأئمة وتصريحهم بأن المشركين ما أرادوا ممن عبدوا إلاّ التقرب إلى الله وطلب شفاعتهم عند الله. وتأمل ما ذكره ابن كثير، وما حكاه عن زيد بن أسلم وابن زيد ثم قال: وهذه الشبهة هي (^٢) التي اعتمدها المشكرون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم بردّها والنهي عنها. وتأمل ما ذكره البكري -﵀- عند آية الزمر: أن الكفار ما أرادوا ممن عبدوهم (^٣) إلا الشفاعة. ثم صرّح بأن هذا كفر. فمن تأمل ما ذكره الله تعالى في كتابه تبين له أن الكفار ما أرادوا ممن عبدوا إلا التقرب إلى الله وطلب شفاعتهم عند الله، فإنهم لم يعتقدوا فيها أنها تخلق الخلائق، وتنزل المطر، وتنبت النباتـ بل كانوا مقرين أن الفاعل لذلك هو الله وحده قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ -إلى قوله- فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾
_________________
(١) في "ب" "نحن" وهو خطأ.
(٢) "هي" ليست في "أ".
(٣) ليست في "أ".
[ ٤٦ ]
[يونس- ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت- ٦١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ..﴾ [المؤمنون- ٨٤ - ٨٥] إلى غير ذلك من الآيات التي يخبر الله فيها أن المشركين معترفون أن الله هو الخالق الرازق (^١)، وإنما كانوا يعبدونهم ليقربوهم ويشفعوا لهم، كما ذكره سبحانه ففي قوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس- ١٨] فبعث الله الرسل، وأنزل الكتب ليعبدوه (^٢) وحده، ولا يجعل معه إله آخر.
وأخبر سبحانه أن الشفاعة كلها له، وأنه لا يشفع عنده أحد إلاّ بإذنه، وأنه لا يأذن إلاّ لمن رضِيَ قوله وعمله، وأنه لا يرضى إلاّ التوحيد، فالشفاعة مقيدة بهذه القيود.
قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ، قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر- ٤٣]،
_________________
(١) قال شيخ الإسلام في الرد على البكري "ص ١٨٤ - ١٨٥": وهذا التوحيد توحيد الربوبية العامة كان المشركون يقرون به فهو وحده لا ينجى من النار، ولا يدخل الجنة، بل التوحيد المنجي شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدًا رسول الله بحيث يقر بأن الله سبحانه هو المستحق للعبادة دون ما سواه، وأن محمدًا رسوله فمن يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن عصى الرسول فقد عصى الله، فيحل ما حلله الله ورسوله، ويحرم ما حرمه الله ورسوله، ويأمر بما أمر الله به ورسوله، وينهى عما نهى الله عنه ورسوله. وهذا المقام غلط فيه كثير من السالكين لم يميزوا بين الأول والثاني من توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية ولو طردوا قولهم لخرجوا عن الدين كما تخرج الشعرة من العجين، اهـ.
(٢) "أ" "ليعبد وحده" وكلاهما صحيح.
[ ٤٧ ]
وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [الم تنزيل السجدة- ٤]، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة- ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا …﴾ [طه- ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم- ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الانبياء- ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ- ٢٣].
وفي الصحيحين من غير وجه عن رسول الله ﷺوهو سيد ولد آدم، وأكرم الخلق على الله- أنه قال: آتي تحت العرش فأخر لله ساجدًا. فيفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع. قال فيحد لي حدًا ثم أدخلهم الجنة ثم أعود -فذكر أربع مرات (^١) - صلوات الله وسلامه عليه، وعلى سائر الأنبياء.
وقال الإمام البكري الشافعي -﵀- عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام- ٥١] نفى الشفيع وإن كانت الشفاعة واقعة في الآخرة، لأنها من حيث أنها لا تقع إلاّ بإذنه كأنها غير موجودة من غيره وهو كذلك، لكن جعل الله ذلك لتبيين الرتب. وجملة النهي حال من ضمير "يحشروا" وهي محل الخوف، والمراد به المؤمنون العاصون. انتهى.
وقال أيضًا عند قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه- ١٠٩] دلّ أن الشفاعة تكون للمؤمنين فقط.
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه ١٣/ ٤٧٣، ومسلم ١/ ١٨٢. ولهذا الحديث طرق وألفاظ في الصحيحين والسنن والمسانيد بلغت حدّ التواتر.
[ ٤٨ ]
وقال الحافظ عماد الدين بن كثير عند قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [الرعد- ١٦] (^١) يقرر تعالى أنه لا إله إلاّ هو لأنه معترفون أنه (^٢) هو الذي خلق السموات والأرض، وهو ربها ومدبرها، وهم مع هذا قد اتخذوا من دونه أولياء (^٣) يعبدونهم، وإنما عبد هؤلاء المشركون معه آلهة يعترفون أنها مخلوقة عبيد له. كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلاّ شريكًا هو لك تملكه وما ملك. وكما أخبر عنهم في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر- ٣] فأنكر تعالى ذلك عليهم حيث اعتقدوا ذلك وهو تعالى لا يشفع عنده أحد إلاّ بإذنه ولا تنفع الشفاعة عنده إلاّ لمن أذن له ثم إنه (^٤) قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم يزجرهم عن ذلك وينهاهم عن عبادة من سوى الله فكذبوهم. انتهى (^٥).
والمقصود بيان شرك المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ، وأنهم ما أرادوا ممن عبدوا إلاّ التقرب إلى الله، وطلب شفاعتهم عند الله. وبيان أن طلب الحوائج من الموتى والإستغاثة بهم في الشدائد أنه من الشرك الذي كفر الله به المشركين.
وبيان أن الشفاعة كلها لله ليس لأحد معه من الأمر شيء. وأنه لا شفاعة إلا بعد إذن الله. وإنه تعالى لا يأذن إلاّ لمن رضي (^٦) قوله
_________________
(١) ٢/ ٥٠٧.
(٢) في ابن كثير "أنه".
(٣) في "أ": "من دون الله" وما في "ب" هو الموافق لما في تفسير ابن كثير.
(٤) "أنه" ليست في "أ".
(٥) بتصرف.
(٦) في "ب" "ارتضى".
[ ٤٩ ]
وعمله. وأنه لا يرضى إلاّ التوحيد. كما تقدمت الأدلة الدالة على ذلك.
ومعلوم أن أعلى الخلق، وأفضلهم، وأكرمهم عند الله هم: الرسل (^١)، والملائكة المقربون، وهم عبيد محض لا يسبقونه بالقول، ولا يتقدمون بين يديه، ولا يفعلون شيئًا إلاّ بعد إذنه لهم، وأمرهم فيأذن الله سبحانه لمن شاء أن يشفع، فيه. فصارت الشفاعة فيه الحقيقة إنما هي له تعالى، والذي يشفع (^٢) عنده إنما شفع بإذنه له وأمره بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه، وهي إرادته أن يرحم عبده. وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها المشركون ومن وافقهم، وهي التي أبطلها سبحانه في كتابه بقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ الآية [البقرة- ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة- ٢٥٤].
ولهذا كان أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد، كما صرحت بذلك النصوص. فروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلاّ الله خالصًا من قلبه" (^٣).
_________________
(١) "الرسل" سقطت من "ب". وهي في "أ" وفي "إغاثة اللهفان" لابن القيم ١/ ٢٢١ وقد نقل المؤلف هذه الأسطر منها باختصار وتصرف.
(٢) في "أ" "شفع".
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢/ ٣٧٣، والبخاري في صحيحه -كتاب العلم- ١/ ١٩٣ وفي -الرقاق- ١١/ ٤١٨ كلاهما من طريق المقبري عن أبي هريرة … به. وأخرجه الإمام أحمد ٢/ ٣٠٧ - ٥١٨ من طريق معاوية بن مغيث -أو معتب- الهذلي عن أ [ي هريرة بلفظ قريب من هذا.
[ ٥٠ ]
وعن عوف بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ "أتاني آتٍ من عندي ربي فخيرني بين أن (^١) يدخل نصف أمتي الجنة، وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئًا". رواه الترمذي وابن ماجه (^٢).
فأسعد الناس بشفاعة رسول الله ﷺ أهل التوحيد، والذين جردوا التوحيد لله، وأخلصوه من التعلقات الشركية، وهم الذين ارتضى الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الانبياء- ٢٨]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه- ١٠٩] فأخبر سبحانه أنه لا يحصل يومئذ شفاعة تنفع إلا بعد رضاه قول المشفوع له وإذنه للشافع فيه وأما المشرك فإنه لا يرتضيه، ولا يرضى قوله، فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه، فإنه سبحانه علقها بأمرين رضاه عن المشفوع له، وإذنه للشافع. فما لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة، وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه سبحانه، فإنه الذي أذن، والذي قبل، والذي رضي عن المشفوع، والذي وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة.
_________________
(١) "أن": سقطع من "ب".
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده "٦/ ٢٨ - ٢٩"، والترمذي في سننه -كتاب صفة القيامة- "٤/ ٦٢٧"، وابن حبان -الموارد- "ص ٦٤٤" وابن خزيمة -في كتاب التوحيد- "ص ٢٦٤ - ٢٦٥"، وقال الحاكم في مستدركه "١/ ٦٧" حديث صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، والآجري في الشريعة "ص ٣٤٥" كلهم من طريق قتادة عن أبي المليح عن عوف بن مالك … به وفيه قصة. وقال الهيثمي في المجمع "١٠/ ٣٧٠" رواه الطبراني بأسانيد ورجال بعضها ثقات، اهـ. وللحديث طرق عن عوف بن مالك ليس هذا موضع بسطها.
[ ٥١ ]
فالرب ﵎ هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك ولهذا أثبتها سبحانه بإذنه في مواضع من كتابه، وبين النبي ﷺ انها لا تكون إلاّ لأهل التوحيد كما تقدم في حديث أبي هريرة وعوف بن مالك.
فمتخذ الشفيع مشرك، لا تنفعه شفاعة، ولا يشفع فيه، ومتخذ الرب وحده إلهة ومعبوده هو الذي يأذن سبحانه للشفيع أن يشفع فيه. قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ، قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ الآية [الزمر- ٤٣ - ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس- ١٨] فبين أن المتخذين شفعاء مشركون، وأن الشفاعة لا تحصل باتخاذهم، وإنما تحصل بإذنه ﷾ للشافع، ورضاه عن المشفوع له كما تقدم بيانه.
والمقصود أن الكتاب والسنة دلاَّ على أن من جعل الملائكة، أو الأنبياء، أو ابن عباس أو أبا طالب، أو المحجوب "وغيرهم من الأنبياء والصالحين" (^١) وسائط بينه وبين الله ليشفعوا له عند الله، لأجل قربهم من الله، كما يفعل عند الملوك أنه كافر مشرك، حلال المال والدم، وإن قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد (^٢) أن محمدًا رسول الله، وصلى، وصام، وزعم أنه مسلم، بل هو من الأخسرين أعمالًا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
_________________
(١) ما بين القوسين من "ب".
(٢) وأشهد: سقطت من "ب".
[ ٥٢ ]
ومن تأمل القرآن العزيز وجده مصرحًا بأن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مقرون بأن اله سبحانه هو الخالق الرازق، وأنا السموات السبع، ومن فيهن، والأرضين السبع ومن فيهن كلهم عبيده، وتحت قهره، وتصرفه، كما حكاه تعالى عنهم في سورة "يونس" وسورة "المؤمنون" و"العنكبوت" وغيرها من السور، ووجده مصرحًا بأن المشركين يدعون الصالحين كما ذكر تعالى ذلك (^١) عنهم في سورة "سبحان" و"المائدة" وغيرهما من السور، وكذلك أخبر (^٢) عنهم أنهم يعبدون الملائكة، كما ذكر ذلك في "الفرقان" (^٣) و"سبأ" و"النجم"، ووجده مصرحًا أيضًا (^٤) بأن المشركين ما أراد ما ممن عبدوا إلا الشفاعة، والتقرب إلى الله، كما ذكر تعالى ذلك عنهم في سورة "يونس" و"الزمر" وغيرهما من السور (^٥).
فإذا تبين لكم أن القرآن قد صرح بهذه المسائل الثلاث أعني:
اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية.
وأنهم يدعون الصالحين.
وأنهم ما أرادو (^٦) منهم إلاّ الشفاعة "التقرب إلى الله" (^٧).
تبين لكم أن هذا الذي يفعل عند القبور اليوم، من سؤالهم جلب الفوائد، وكشف الشدائد، أنه الشرك الأكبر الذي كفر الله به
_________________
(١) ذلك: ليست في "ب".
(٢) في "أ" "ذكر".
(٣) في "أ" "الأنبياء".
(٤) أيضًا: ليست في "ب".
(٥) وقد تقدم ذكر هذه الآيات في متن هذا الكتاب.
(٦) في "ب" "يريدون".
(٧) ما بين القوسين من "ب".
[ ٥٣ ]
المشركين، فإن هؤلاء المشركين مشبهون شبهوا الخالق تعالى بالمخلوق (^١) وفي القرآن، وكلام أهل العلم من الرد على هؤلاء ما لا
_________________
(١) قال شيخ الإسلام أبو العباس -﵀- في الردّ على البكري "ص ٦٠ - ٦١ - ٦٢" ما ملخصه: وأصل ضلال المشركين أنهم ظنوا أن الشفاعة عند الله كالشفاعة عند غيره. وهذا أصل ضلال النصارى. فمن ظن أن الشفاعة المعهودة من الخلق للخلق تنفع عند الله مثل أن يشفع الإنسان عند من يرجوه المشفوع إليه أو يخافه كما يشفع عند الملك ابنه أو أخوه أو أهوانه أو نظراؤه الذين يخافهم أو يرجوهم فيجيب سؤالهم -لأجل رجائه وخوفه منهم- فيمن يشفعون فيه عنده، وغن كان الملك أو الأمير أو غيرهما يكره الشفاعة فيمن شفعوا فيه فيشفعهم فيه على كراهة منه، ويشفعون عنده بغير إذنه. فالله تعالى هو رب كل شيء ومليكه وخالقه فلا يشفع أحد عنده إلاّ بإذنه ولا يشفع أحد في أحد إلاّ لمن أذن الله للشفيع أن يشفع فيه، فإذا أذن للشفيع شفع وإن لم يسأله الشفيع ولو سأل الشفيع الشفاعة ولم يأذن الله لم تنفع شفاعته كما لم تنفع شفاعة نوح في ابنه ولا إبراهيم في أبيه ولا لوط في قومه ولا صلاة النبي ﷺ على المنافقين ولا استغفاره لهم. فمن قال من المغالين والجاهلين أن لله عبادًا لو سألوه أن لا يقيم القيامة لما أقامها، فهو مفتر كذاب. فإن أفضل الخلق عنده أجاب أكثر مسائلهم مما يوافق قدره وأمره وردّ بعضها، فما حال من هو دونهم؟ وما أخبر أنه سيفعله فال بد من وقوعه. وإنما تقع الشفاعة وتنفع ويظهر جاه الشفيع ووجاهته عند المشفوع إليه إذا شفع فيمن أذن له أن يشفع فيه وفي إجابته سؤاله وقبول شفاعته … الخ، اهـ. كلامه -﵀-. ولما ذكر الإمام ابن القيم -﵀- في الإغاثة ١/ ٢٢١ خطر قياس الخالق سبحانه على المخلوق في الشفاعة وغيرها قال: وبهذا القياس الفاسد عبدت الأصنام، واتخذ المشركون من دون الله الشفيع والوليّ.، اهـ. وسيأتي في كلام المؤلف -﵀- ما يبين خطأ هذا الاعتقاد، وخطره، وأنه لا يصح قياس الخالق ﷾ على الملوك والأمراء في الشفاعة وغيرها
[ ٥٤ ]
يتسع له هذا الموضع، فإن الوسائط التي بين الملوك وبين الناس تكون على أحد وجوه ثلاثة (^١).
إما لإخبارهم عن (^٢) أحوال الناس بما لا يطلعون عليه (^٣). ومن قال: إن الله لا يطلع على (^٤) أحوال العباد حتى يخبره بذلك بعض الأنبياء، أو غيرهم من الأولياء والصالحين فهو كافر، بل هو سبحانه يعلم السّر وأخفى، لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
الثاني: أن يكون الملك عاجزًا عن تدبير رعيته، ودفع أعدائه إلاّ بأعوان يعاونونه فلا بدّله من أعوان وأنصار لذلّه وعجزه. والله سبحانه ليس له ظهير ولا ولي من الذل وكل ما في الوجود من الأسباب فهو سحبانه ربّه وخالقه فهو الغني عن كل ما سواه وكل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم في الحقيقة شركاؤهم. والله سبحانه ليس له شريك في الملك بل لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد ولهذا لا يشفع عنده أحد إلاّ بإذنه لا ملك مقرّب ولا نبي مرسل فضلًا عن غيرهما فإن من شفع عنده بغير إذنه فهو شريك له في حصول المطلوب أثر فيه بشفاعته حتى يفعل ما يطلب منه. والله تعالى لا شريك له بوجه من الوجوه.
الثالث: أن يكون الملك ليس مريدًا النفع لرعيته (^٥)، والإحسان إليهم، إلاّ بمحرّك يحركه من خارج، فإذا خاطب الملك من ينصحه،
_________________
(١) في "أ" "ثلاث".
(٢) في "أ" "من" وهو الموافق لما في فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١/ ١٢٦ التي نقل المؤلف منها هذا التقسيم.
(٣) في "أ" "بما لا يعرفونه" وهو الموافق لما في فتاوى شيخ الإسلام ١/ ١٢٦.
(٤) في "أ" "إن الله لا يعرف" وفي الفتاوى ١/ ١٢٧ "إن الله لا يعلم".
(٥) في "أ" "مريدًا لنفع رعيته" وهو موافق لما في فتاوى شيخ الإسلام ١/ ١٢٧.
[ ٥٥ ]
أو يعظه، أو من يدل عليه (^١)، بحيث يكون يرجوه ويخافه، تحركت إرادة الملك، وهمته في قضاء حوائج رعيته. والله تعالى رب كل شيء، ومليكه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها (^٢)، وكل الأسباب إنما تكون بمشيئته، وإرادته فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. وهو سبحانه إذا أراد إجراء نفع العباد بعضهم على يد بعض (^٣) جعل هذا يحسن إلى هذا، أو يدعو له (^٤)، أو يشفع له فهو الذي خلق ذلك كله، وهو الذي خلق في قلب هذا المحسن والداعي إرادة الإحسان، والدعاء، والشفاعة، ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف مراده، أو يعلمه ما لم يكن يعلم، والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون إلاّ بإذنه كما تقدم إيضاحه (^٥)، بخلاف الملوك المحتاجين، فإن الشافع عندهم يكون شريكًا لهم في الملك، وقد يكون مظاهرًا لهم (^٦) معاونًا لهم على ملكهم، وهم يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك،
_________________
(١) في "أ" "أو من يدل عليه بحديث بحيث" وما في "ب" هو الموافق لما في فتاوى شيخ الإسلام ١/ ١٢٧.
(٢) كما ورد هذا في الحديث المتفق على صحته عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قدم على رسول الله ﷺ سبي، فإذا امرأة من السبي تحلب ثديها تسعى، إذا وجدت صبيًا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته. فقال لنا النبي ﷺ: "أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ " قلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه. فقال: "لله أرحم بعباده من هذه بولدها" هذا لفظ البخاري "١٠/ ٤٢٧ - فتح". ولفظ مسلم "فإذا امرأة من السبي، تبتغي، إذا وجدت صبيًا في السبي، أخذته … " "٤/ ٢١٠٩".
(٣) في "ب" "بينهم" بدل قوله: "بعضهم على يد بعض".
(٤) له: ليست في "أ".
(٥) في "أ" "بيانه" ..
(٦) في "ب" "إليهم.
[ ٥٦ ]
والملك يقبل شفاعتهم تارة لحاجته إليهم، وتارة لجزاء إحسانهم، ومكافأتهم حتى أنه يقبل شفاعة ولده وزوجته لذلك، فإنه محتاج إلى الزوجة والولد حتى لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك، ويقبل شفاعة مملوكه فإنه إذا لم يقبل شفاعته يخاف أن لا يطيعه (^١)، ويقبل شفاعة أخيه مخافة أن يسعى في ضرره، وشفاعة العباد بعضهم عند بعض كلها من هذا الجنس فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلاّ لرغبة أو لرهبة (^٢). والله تعالى لا يرجو أحدًا، ولا يخافه، ولا يحتاج إلى أحد بل هو الغني سبحانه عما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، والمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما يعهدونه من الشفاعة عند المخلوق، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ -إلى قوله- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس- ١٨]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء- ٥٦ - ٥٧] فأخبر سبحانه أن ما يدعى من دونه لا يملك كشف الضر ولا تحويله، وأنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه، ويتقربون إليه. فقد نفى سبحانه ما أثبتوه من توسط الملائكة والأنبياء. وفيما ذكرنا كفاية لمن أراد الله هدايته (^٣)، وأما من أراد الله فتنته فلا حيلة فيه ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف- ١٧].
_________________
(١) في "ب" "الآن لا يعطيه" وهو خطأ ظاهر.
(٢) في "ب" "للرغبة أو لرهبة".
(٣) في "أ" "لمن هداه الله".
[ ٥٧ ]