وهي: [أما المسألة الثالثة فقالوا فهل يجوز البناء على القبور؟].
فنقول: ثبت في الصحيحين والسنن عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن البناء على القبور وأمر بهدمه، كما رواه مسلم في صحيحه حيث قال: حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويّته (^١). وقال أيضًا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يبني عليه، وأن يكتب عليه (^٢) قال أيضًا: حدثنا هارون بن سعيد الأيلي قال: حدثنا وهب قال حدثني عمرو بن الحارث أن ثمامة بن شفي حدثه قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسوي ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها (^٣).
_________________
(١) هكذا نقل الشيخ سند مسلم. ولمسلم في هذا الحديث أكثر من شيخ. قال -﵀-: حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب. قال يحيى أخبرنا. وقال الآخران: حدثنا وكيع … فذكره "٢/ ٦٦٦".
(٢) الذي في صحيح مسلم "٢/ ٦٦٧": وأن يقعد عليه، بدل أن يكتب عليه.
(٣) هكذا نقل المؤلف سند مسلم. ولمسلم في هذا الحديث عدة شيوخ قال =
[ ٩١ ]
وقال الترمذي: "باب ما جاء في تسوية القبور" حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي (^١) وائل أن عليًا ﵁ قال لأبي الهياج الأسدي ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع قبرًا مشرفًا إلاّ سوّيته، ولا تمثالًا إلا طمسته. قال: وفي الباب عن جابر.
وقال ابن ماجه في "باب ما جاء في النهي عن البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها": حدثنا أزهر بن مروان ومحمد بن زياد حدثنا عبد الوارث عن أيوب عبن أبي الزبير عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور (^٢). وحدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يكتب على القبر شيء. وحدثنا محمد بن يحيى حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي حدثنا وهب حدثنا عبد الرحمن بن يزيد عن القاسم بن مخيمرة عن أبي سعيد أن النبي ﷺ نهى أن يبنى على القبور (^٣).
_________________
(١) = -﵀-: حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمر وحدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث ح وحدثني هارون بن سعيد الأيلي ثنا ابن وهب حدثني عمرو بن الحارث "في رواية أبي الطاهر" أن أبا علي الهمداني حدثه "وفي رواية هارون" أن ثماثمة بن شفي حدثه قال: كنا مع فضالة … فذكره. وقوله "بِرُوْدِس" قال النووي: هكذا ضبطناه في صحيح مسلم وكذا نقله القاضي عياض في المشارق عن الأكثرين. وهي جزيرة بأرض الروم.
(٢) في "أ" "عن وائل" وهو خطأ.
(٣) وقع في النسخ تحريف في سند ابن ماجه فاصلحناه من السنن
(٤) انظر سنن ابن ماجه "١/ ٤٩٨". ويأتي تخريج أحاديث هذه المسألة في الرسائل القادمة إن شاء الله.
[ ٩٢ ]
وقال النووي -﵀- في شرح مسلم: قال الشافعي -﵀- في الأم: "رأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى، ويؤيد الهدم قوله: ولا قبرًا مشرفًا إلاّ سوّيته". وقال الأذرعي -﵀- في "قوت المحتاج" ثبت في صحيح مسلم النهي عن التجصيص والبناء. وفي الترمذي وغيره: النهي عن الكتابة. وقال القاضي ابن كج: ولا يجوز أن يبنى عليها قباب ولا غيرها، والوصية عليها باطلة.
قال الأذرعي: ولا يبعد الجزم بالتحريم في ملكه وغيره من غير حاجة على من علم النهي، بل هو القياس الحق، والوجه في البناء على القبور المباهاة والمضاهاة للجبابرة والكفار، والتحريم يثبت بدون ذلك. وأما بطلان الوصية ببناء القباب وغيرها من الأبنية العظيمة، وانفاق الأموال الكثيرة عليه فلا ريب في تحريمه، والعجب كل العجب من يلزم ذلك الورثة من حكام العصر، ويعمل بالوصية بذلك! انتهى كلام الأذرعي -﵀- ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور، وما أمر به، وما نهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما أنتم عليه من فعلكم مع قبر أبي طالب والمحجوب وغيرهما وجد أحدهما مضادًا للآخر، مناقضًا له بحيث لا يجتمعان أبدًا، فنهى رسول الله ﷺ عن البناء على القبور كما تقدم ذكره، وأنتم تبنون عليها القباب العظيمة، والذي رأيته في المعلاة أكثر من عشرين قبة، ونهى رسول الله ﷺ أن يزاد عليها غير ترابها وأنتم تزيدون عليها غير التراب التابوت الذي عليه ولباس الجوخ، ومن فوق ذلك القبة العظيمة المبنية بالأحجار والجص.
وقد روى أبو داود من حديث جابر: أن رسول الله ﷺ نهى أن يجصص القبر، أو يكتب عليه، أو يزاد عليه.
[ ٩٣ ]
ونهى رسول الله ﷺ عن الكتابة عليها كما تقدم في صحيح مسلم.
وقال أبو عيسى الترمذي "باب ما جاء في تجصيص القبور والكتابة عليها": حدثنا عبد الرحمن بن الأسود ثنا محمد بن ربيعة عن ابن جريج (^١) عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تجصص القبور أن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ" هذا حديث حسن صحيح.
وهذه القبور عندكم مكتوب عليها القرآن والأشعار.
وقال أبو داود "باب البناء على القبور". حدثنا أحمد بن حنبل ثنا عبد الرزاق قال أخبرني ابن جريج (^٢) حدثني أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول: سمعت النبي ﷺ نهى أن يقعد على القبر، وأن يجصص، وأن يبنى عليه انتهى.
ولعن رسول الله ﷺ من أسرجها. والذي رأيته ليلة دخولنا مكة -شرفها الله- في المقبرة أكثر من مائة قنديل. هذا مع علمكم بأن رسول الله ﷺ لعن فاعله. فقد روى ابن عباس أن رسول الله ﷺ: لعن زائرات القبور، والمتخذين عليها المساج والسرج. رواه أهل السنن.
وأعظم من هذا كله وأشد تحريمًا الشرك الأكبر الذي يفعل عندها وهو دعاء المقبورين وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، لكن تقولون لنا: إن هذا لا يفعل عندها وليس عندنا أحد
_________________
(١) في "أ" و"ب" "جريج" وهو خطأ.
(٢) في "أ" و"ب" "جريج" وهو خطأ.
[ ٩٤ ]
يدعوها ويسألها. ونقول: اللهم اجعل ما ذكروه حقًا وصدقًا ونسأل الله أن يطهر حرمه من الشرك. ولا ريب أن دعاء الموتى وسؤالهم جلب الفوائد، وكشف الشدائد أنه من الشرك الأكبر الذي كفر الله به المشركين كما تقدم بيانه في المسألة الأولى.
وقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن- ١٨] وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء- ٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس- ١٠٦] (^١)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ، إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا ..﴾ الآية [فاطر- ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الاحقاف- ٥ - ٦]، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد- ١٤].
وقد روى الترمذي عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "الدعاء مخ العبادة" (^٢) وعن النهمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: "الدعاء هو العبادة" ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر- ٦٠]. رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
_________________
(١) سقطت هذه الآية من "أ" "ب".
(٢) تقدم الكلام عليه.
[ ٩٥ ]
قال العلقمي في شرح الجامع الصغير حديث "الدعاء مخ العبادة" قال شيخنا: قال في النهاية: مخ الشيء خالصه. وإنما كان مخها لأمرين: أحدهما أنه امتثال لأمر الله حيث قال: "ادعوني استجب لكم" فهو محض العبادة وخالصها. والثاني: أنه إذا رأى نجاح الأمور من الله تعالى قطع عمله عما سواه ودعاه لحاجته وحده وهذا أصل العبادة. ولأن الغرض من العبادة الثواب عليها وهذا هو المطلوب من الدعاء. وقوله: "الدعاء هو العبادة" قال شيخنا: قال الطيبي (^١): أتى بالخبر المعرف باللام ليدل على الحصر، وأن العبادة ليست غير الدعاء. وقال شيخنا: قال البيضاوي: لما حم بأن الدعاء هو العبادة الحقيقية التي تتأهل أن تسمى عبادة من حيث أنه يدل على أن فاعله مقبل على الله معرض عما سواه لا يرجو إلاّ إياه ولا يخاف إلاّ منه. واستدل عليه بالآية يعني قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر- ٦٠] فإنها تدل على أنه أمر مأمور به إذا أتى به المكلف قبل منه لا محالة، وترتب عليه المقصود ترتب الجزاء على الشرط، والسبب على المسبب، وما كان كذلك كان أتم العبادة. انتهى كلام العلقمي -﵀-.
وليكن هذا آخر الكلام على هذه المسائل الثلاث فإن وافقتمونا على أن هذا هو الحق فهو المطلوب. وإن زعمتم أن الحق خلافه فأجيبونا بعلم من الكتاب والسنة فإنهما الحاكمان بين الناس فيما تنازعوا فيه كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. [النساء- ٥٩].
وقد ذكرنا لكم الأدلة من الكتاب والسنة وكلام الأئمة فإن لم تسلموا لهذه الأدلة فاذكروا لنا جوابها من الكتاب والسنة وكلام
_________________
(١) في المطبوعة الطيالسي.
[ ٩٦ ]
الأئمة. فإذا أجبتم على هذه المسائل الثلاث أجبناكم عن بقية المسائل إن شاء الله.
ولنختم الكلام بقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج- ٤٠ - ٤١] والحمد لله أولًا وآخرًا كما يحب ربنا ويرضى وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا والحمد لله رب العالمين.
_________________
(١) قال محققه عفا الله عنه: تم ما أردت تعليقه على هذه الرسالة النفيسة قبل صلاة العصر من اليوم الثامن والعشرين من شهر الله المحرم سنة سبع وأربعمائة بعد الألف والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
[ ٩٧ ]