[وهي: من قال لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله، ولم يصل، ولم يزك هل يكون مؤمنًا].
فنقول: أما من قال لا إله إلاّ الله محمد رسول الله وهو مقيم على شركه يدعو الموتى ويسألهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات فهذا كافر مشرك حلال المال والدم وإن قال لا إله إلاّ الله محمد رسول الله وصلى وصام وزعم أنه مسلم كما تقدم بيانه.
وأما إن وحّد الله تعالى ولم يشرك به لكنه ترك الصلاة ومنع الزكاة، فإن كان جاحدًا للوجوب فهو كافر إجماعًا، وأما أن أقراّ بالوجوب ولكنه ترك الصلاة تكاسلاّ عنها فهذا قد اختلف العلماء في كفره.
والعلماء إذا أجمعوا فإجماعهم حجة لا يجمعون على ضلالة، وإذا تنازعوا في شيء ردّ ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، إذا الواحد منهم ليس بمعصوم على الإطلاق بل كل واحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا الله والرسول. قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء- ٥٩]. قال العلماء الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إلى السنة بعد وفاته. وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى- ١٠] وقد ذم الله تعالى من أعرض عن كتابه ودعا عند التنازع إلى غيره، فقال
[ ٥٩ ]
تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء- ٦١]. إذا عرفت هذا فنقول: اختلف العلماء -﵏- في تارك الصلاة كسلًا من غير جحود، فذهب الإمام أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه ومالك إلى أنه لا يحُكم بكفره واحتجوا بما رواه عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له" (^١).
_________________
(١) أخرجه الإمام مالك في الموطأ "١/ ١٢٣"، والحميد في مسنده "١/ ١٩١"، والإمام أحمد في مسنده "٥/ ٣١٥ - ٣١٩ - ٣٢٢"، وأبو داود في سننه -كتاب الصلاة- "٢/ ١٣٠"، والنسائي في سننه -كتاب الصلاة- "١/ ٢٣٠"، وابن ماجه في سننه -كتاب إقامة الصلاة- "١/ ٣٠٨"، والطحاوي في مشكل الآثار "٤/ ٢٢٣"، والبيهقي في سنن "٢/ ٨"، والبغوي في شرح السنة "٤/ ١٠٤"، وابن عدي في مقدمة الكامل "١/ ٦٢". كلهم من طريق يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبّان عن ابن محيريز أن رجلًا من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلًا بالشام يكنى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب. فقال المخدجي: فرُحت إلى عبادة بن الصامت، فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد فأخبرته بالذي قال أبو محمد. فقال عبادة: كذب أبو محمد سمعت رسول الله ﷺ يقول … فذكره -هذا سياق مالك- وإسناده ضعيف المخدجي يقال اسمه رفيه لا يعرف قاله الذهبي في الميزان "٤/ ٦٠٠". وفي المنهل العذب المورد "٨/ ٤٧" قال ابن عبد البر: مجهول، اهـ. وللحديث طريقان آخران عن عبادة بن الصامت. الطريق الأول: أخرجه الإمام أحمد في مسنده "٥/ ٣١٧"، وأبو داود في سننه -كتاب الصلاة- "١/ ٢٩٥"، والبغوي في شرح السنة "٤/ ١٠٥" كلهم عن محمد بن مطرف عن =
[ ٦٠ ]
وذهب إمامنا أحمد بن حنبل والشافعي في أحد قوليه وإسحاق بن راهويه وعبدا الله بن المبارك والنخعي والحكم وأيوب السختياني وأبو داود الطيالسي وغيرهم من كبار الأئمة والتابعين إلى أنه كافر، وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعًا ذكره عنه الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي في شرح الأربعين. وذكره في كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر عن جمهور الصحابة -﵃-.
وقال الإمام أبو محمد بن حزم: سائر الصحابة -﵃- ومن بعدهم من التابعين يكفرون تارك الصلاة مطلقًا ويحكمون عليه بالإرتداد، منهم أبو بكر وعمر وابنه عبد الله وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس ومعاذ بن جبل وجابر بن عبد الله "وأبو الدرداء" وأبو هريرة" (^١) وعبد الرحمن بن عوف "وغيرهم من الصحابة ولا نعلم لهؤلاء
_________________
(١) = زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي قال زعم أبو محمد أن الوتر واجب. فقال عبادة بن الصامت كذب أبو محمد، أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له ومن لم يفعل فليس لله على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه" هذا لفظ أبي داود وإسناده جيد. الطريق الثاني: أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده "ص ٧٨" عن زمعة عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني قال كنت في مجلس من أصحاب النبي ﷺ فيه عبادة بن الصامت … فقال أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أتاني جبريل فقال يا محمد إن الله ﷿ قال: إني قد فرضت على أمتك خمس صلوات … " فذكر الحديث. وإسناده ضعيف زمعة هو ابن صالح ضعفوه. انظر التهذيب "٣/ ٣٣٨".
(٢) ما بين قوسين من: "ب".
[ ٦١ ]
مخالفًا من الصحابة -﵃ أجمعين" (^١).
وأجابوا عن قوله ﷺ: "من لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له" أنّ المراد عدم المحافظة عليهن في وقتهن بدليل الآيات والأحاديث الورادة فيها وفي تركها.
واحتجوا على كفر تاركها بما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" (^٢) وعن بريدة بن الحصيب قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" رواه الإمام أحمد وأهل السنن وقال الترمذي حديث صحيح إسناده على شرط مسلم (^٣) وعن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بين العبد والكفر والإيمان الصلاة فإذا تركها فقد أشرك" (^٤).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: "من حافظ
_________________
(١) ما بين قوسين من: "ب".
(٢) "١/ ٨٨".
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده "٥/ ٣٤٦"، والترمذي في سننه -كتاب الإيمان- "٥/ ١٤" وقال: حديث حسن صحيح غريب، والنسائي في سننه -كتاب الصلاة- "١/ ٢٣١"، وابن ماجه في سننه -كتاب إقامة الصلاة- "١/ ٣٤٢": وإسناده صحيح. قال الحاكم في مستدركه "١/ ٦ - ٧": صحيح الإسناد لا تعرف له علة بوجه من الوجوه، وأقرّه الذهبي.
(٤) قال الإمام ابن القيم في كتابه الصلاة -ص ٥٠٨ من مجموعة الحديث النجدية: رواه هبة الله الطبري وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم.، اهـ.
[ ٦٢ ]
عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا وبرهانًا ونجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف" رواه الإمام أحمد وأبو حاتم وابن حبان في صحيحه (^١).
وعن عبادة بن الصامت قال: أوصانا رسول الله ﷺ فقال: "لا تشركوا بالله شيئًا ولا تتركوا الصلاة عمدًا فمن تركها عمدًا خرج من الملة" رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه (^٢). وعن معاذ بن جبل قال قال رسول الله ﷺ: "من ترك صلاة مكتوبة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله" رواه الإمام أحمد (^٣) وعن أبي الدرداء قال: أوصاني أبو القاسم ﷺ أن لا أترك الصلاة متعمدًا فمن تركها متعمدًا فقد برئت منه الذمة. رواه ابن أبي حاتم (^٤) وعن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ أنه قال:
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده "٢/ ١٦٩"، وابن حبان في صحيحه -موراد ص ٨٧ - وقال الهيثمي في المجمع "١/ ٢٩٢": رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجال أحمد ثقات. قلت وفي سند أحمد: عيسى بن هلال وثقة ابن حبان!.
(٢) لم أقف على سند ابن أبي حاتم. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد على حديث عبادة هذا: رواه الطبراني وفيه سلمة بن شريح. قال الذهبي: لا يعرف، وبقية رجاله رجال الصحيح.، اهـ. "٥/ ٢٤٦".
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده "٥/ ٢٣٨" مطولًا، والطبراني في الكبير "كما في المجمع". قال الهيثمي في مجمع الزوائد "٦/ ٢١٥": ورجال أحمد ثقات إلا أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير لم يسمع من معاذ. وإسناد الطبراني متصل وفيه عمر وبن واقد القرشي وهو كذاب.، اهـ.
(٤) لم أقف على سند ابن أبي حاتم. قال الهيثمي في المجمع على حديث أبي الدرداء هذا: =
[ ٦٣ ]
"رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة … " الحديث وعن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. رواه الترمذي (^١).
فهذه الأحاديث كما ترى صريحة في كفر تارك الصلاة مع ما تقدم من إجماع الصحابة، كما حكاه إسحاق بن راهويه وابن حزم وعبد الله بن شقيق، وهو مذهب جمهور العلماء من (^٢) التابعين ومن بعدهم.
ثم اعلم "رحمك الله وأرشدك" (^٣) أن العلماء كلهم مجمعون على قتل تارك الصلاة كسلًا إلاّ أبا حنيفة ومحمد بن شهاب الزهري وداود فإنهم قالوا يحبس تارك الصلاة المفروضة حتى يموت أو يتوب.
ومن احتج لهذا القول بقوله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلًا الله فإذا قالوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلًا بحقها" (^٤) فقد أبعد النجعة، فإن هذا الحديث لا حجة فيه، بل هو حجة لمن يقول بقتله كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
واحتج الجمهور على قتله بالكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله
_________________
(١) = رواه الطبراني وفيه شهر بن حوشب وحديثه حسن وبقية رجاله ثقات.، اهـ والصواب في حال شهرِ أنه حسن الحديث في الشواهد والمتابعات. والله أعلم. وحديث أبي الدرداء هذا له شواهد كثيرة يرتفع الضعف عنه بها. انظر مجمع الزوائد "٥/ ٢١٦ - ٢١٧".
(٢) أخرجه الترمذي في سننه -كتاب الإيمان- "٥/ ١٤". قال النووي في رياض الصالحين "ص ٤٤٠" إسناده صحيح
(٣) سقطت "من" من "أ".
(٤) ما بين قوسين من "ب".
(٥) تقدم الكلام عليه.
[ ٦٤ ]
تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^١) إلى قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة- ٥] فشرط الكف التوبة من الشرك وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فإذا لم توجد هذه الثلاث لم يكف عن قتالهم ولم يخل سبيلهم.
قال ابن ماجه ثنا نصر بن علي ثنا (^٢) أو أحمد ثنا "أبو جعفر الزازي" (^٣) عن الربيع بن أنس عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من فارق الدنيا على (^٤) والإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، مات والله عنه راضٍ" قال أنس: وهو الدين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء. وتصديق ذلك في كتاب الله، في آخر ما نزل: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ قال: خلعوا الأوثان وعبادتها ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ (^٥) -وقال في آية أخرى- ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة- ١١] (^٦) (^٧).
_________________
(١) سقط أو الآية من "ب".
(٢) في "ب" "أخبرنا" وفي نسخة ابن ماجه "ثنا" وكلاهما بمعنى واحد على قول.
(٣) ما بين قوسين سقط من النسخ. والاستدراك من سنن ابن ماجه.
(٤) في "ب" "بالإخلاص".
(٥) في "أ" "ب" "فخلوا سبيلهم" وليست في سنن ابن ماجه.
(٦) أخرجه ابن ماجه في سننه -"١/ ٢٧"- وإسناده ضعيف لأن رواية أبي جعفر الرازي -عيسى بن أبي عيسى عبد الله بن ماهان- عن الربيع بن أنس مضطربة جدًا. قال ابن حبان في الثقات "٤/ ٢٢٨": والناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه لأن في أحاديثه عنه اضطرابًا كبيرًا.، اهـ. على أن في أبي جعفر والربيع ضعف يسير. وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: إسناده ضعيف.، اهـ.
(٧) اقتصر المؤلف -رحمه الله تعالى- على هذا الدليل من الكتاب. وقد واصل =
[ ٦٥ ]
وأما السنة فثبت في الصحيحين عن ابن عمر -﵄- أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحق الإسلام وحسابهم على الله" (^١)
فعلق العصمة على الشهادتين والصلاة والزكاة.
وقد بعث النبي ﷺ كتابًا فيه: "من محمد رسول الله إلى أهل عمّان أما بعد: فأقروا بشهادة أن لا إله إلاّ الله. وأني رسول الله. وأدوا الزكاة. وخطوا المساجد. وإلا غزوتكم" خرّجه الطبراني والبزار وغيرهما ذكره الحافظ ابن رجب الحنبلي في "شرح الأربعين" (^٢).
وروى ابن شهاب عن حنظلة عن علي بن الأشجع أن أبا بكر الصديق بعث خالد بن الوليد وأمره أن يقاتل الناس على خمس. فمن ترك واحدة منهن فقاتله عليها كما تقاتل على الخمس: شهادة أن لا إله إلاّ الله. وأن محمدًا رسول الله. وإقام الصلاة. وإيتاء الزكاة. وصوم رمضان. وحج بيت الله الحرام. وقال سعيد بن جبير: قال عمر بن الخطاب: لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم على تركه كما نقاتل على ترك الصلاة والزكاة.
_________________
(١) = الإمام العلامة شمس الدين ابن القيم -﵀- أدلة الكتاب على كفر تارك الصلاة إلى عشرة أدلة. انظرها في كتابه القيم "الصلاة" "ص ٤٩٩ إلى ص ٥٠٧ من مجموعة الحديث النجدية".
(٢) تقدم الكلام عليه.
(٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد "١/ ٢٩": رواه الطبراني في الأوسط وإسناده لم أر أحدًا ذكرهم إلاّ أن الطبراني قال: تفرد به موسى بن إسماعيل، قلت وليس هو التبوذكي لأن هذا يروي عن التابعين والله أعلم، اهـ.
[ ٦٦ ]
وبالجملة فالكتاب والسنة يدلان على أن القتال ممدود إلى الشهادتين والصلاة والزكاة وقد أجمع العلماء على ذلك. قال في شرح الإقناع: أجمع العلماء على أن كل طائفة ممتنعة عن (^١) شريعة من شرائع الإسلام فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله كالمحاربين وأولى انتهى.
وأما حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله فإذا قالواها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها" فهذا لا إشكال فيه -بحمد الله- (^٢) وليس لكم فيه حجة بل هو حجة عليكم ولو لم يكن إلاّ قوله: "إلاّ بحقها" لكان كافيًا في إبطال قولكم وقد قال علماؤنا -﵏- إذا قال الكافر لا إله إلاّ الله، فقد شرع في العاصم (^٣) لدمه فيجب الكف عنه فإن تم ذلك تحققت العصمة وإلاّ بطلت ويكون النبي ﷺ قد قال كل حديث في وقت. فقال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله" ليعلم المسلمون أن الكافر المحارب إذا قالها كُفّ عنه وصار دمه وماله معصومًا ثم بين ﷺ في الحديث الآخر أنّ القتال ممدود إلى الشهادتين والعبادتين فقال: "أمر أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله. وأن محمدًا رسول الله. ويقيموا الصلاة. ويؤتوا الزكاة" فبين أن تمام العصمة وكمالها إنما يحصل بذلك ولئلا تقع الشبهة بأن مجرد الإقرار يعصم على الدوام كما وقعت لبعض الصحابة حتى جلاّها أبو بكر الصديق ثم وافقوه ﵃.
_________________
(١) في "أ" "من".
(٢) سقطت من "أ".
(٣) في "ب" "المعاصم".
[ ٦٧ ]
ومما يبين فساد قولكم وخطأ فهمكم في معنى حديث أبي هريرة أن الصحابة -﵃- أجمعوا على قتال مانعي الزكاة بعد مناظرة حصلت بين أبي بكر وعمر -﵄- واستدل عمر على أبي بكر بحديث أبي هريرة فبين صدّيق الأمة -﵁- أن الحديث حجة على قتال مانعي الزكاة وهم يشهدون أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله ويصلون.
ونحن نسوق الحديث ثم نذكر ما قاله (^١) العلماء في شرحه (^٢) ليتبين لكم أن فهمكم الفاسد لم يقل به أحد من العلماء وأنه فهم مشؤم مذموم مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة فنقول:
ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله ﷺ وكَفَرَ من كفر من العرب قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله. وأن محمدًا رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها". فقال أبو بكر: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال فوالله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه. فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق.
وهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب الزكاة ومسلم في كتاب الإيمان. وهو من أعظم الأدلة على فساد قولكم، فإن الصديق -﵁- جعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد الوجوب.
_________________
(١) في "ب" "كلام".
(٢) في "ب" "عليه".
[ ٦٨ ]
وقد تكلم النووي -﵀- على هذا الحديث في شرح صحيح مسلم فقال: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله. محمد رسول الله. ويقيم الصلاة. ويؤتوا الزكاة. ويؤمنوا بجميع ما جاء به النبي ﷺ. وأن من قال ذلك عصم نفسه وماله إلاّ بحقها ووكلت سريرته إلى الله تعالى. وقتال من منع الزكاة أو غيرها من حقوق الإسلام. واهتمام الإمام بشرائع الإسلام.
وساق (^١) الحديث ثم قال: قال الخطابي في شرح هذا الكلام كلامًا حسنًا لا بدّ من ذكره لما فيه من الفوائد. قال -﵀-: مما يجب تقديمه في هذا أن يعلم أن أهل الردة كانوا صنفين صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا (^٢) الملة وعادوا لكفرهم وهم الذين عنى أبو هريرة بقوله: "وكفر من كفر من العرب" والصنف الآخر فرقوا بين الصلاة والزكاة فأقروا بالصلاة وأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها إلى الإمام وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة (^٣) من كان يسمع بالزكاة ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي وقبضوا على أيديهم في ذلك كبني يربوع فإنهم جمعوا زكاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم وفي هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر -﵁- فراجع أبا بكر -﵁- وناظره واحتج عليه بقول النبي ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله فمن قال لا إله إلاّ الله فقد عصم نفسه وماله" وكان هذا من عمر تعلقًا بظاهر الكلام
_________________
(١) في "أ" "ثم". وقد اختصر المؤلف -﵀- كلام الخطابي. وانظره كاملًا في صحيح مسلم شرح النووي "١/ ٢٠٢" إلى "٢٠٦".
(٢) في "ب" "نبذوا".
(٣) في "ب" "أي مانعي" وفي "أ" "المانعين الزكاة".
[ ٦٩ ]
قبل أن ينظر في آخر ويتأمل شرائطه. فقال له أبو بكر: الزكاة حق المال يريد أن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال معلقة بإيفاء شرائطها، والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم. ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها وكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعًا من الصحابة –﵃- ولذلك ردّ المختلف فيه إلى المتفق عليه فلما استقر عندهم صحة رأي أبي بكر وبان لعمر صوابه تابعه على قتال القوم وهو معنى قوله: "فلما رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال عرفت أنه الحق" يريد انشراح صدوره بالحجة التي أدلى بها والبرهان الذي أقامه نصًا ودلالة انتهى.
فتأمل هذا الباب الذي ذكره النووي –﵀- وهو إمام الشافعية على الإطلاق تجده صريحًا في ردّ شبهتكم أن من قال: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله. لا يباح دمه وماله وإن ترك الصلاة ومنع الزكاة فالترجمة بنفسها صريحة في ردّ قولكم فإنه صرح بالأمر بالقتال على ترك الصلاة ومنع الزكاة. وتأمل ما ذكره الخطابي أن الذين منعوا الزكاة منهم من كان يسمع بها ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدّوهم عن ذلك الرأي وقبضوا على أيديهم كبني يربوع فإنهم أرادوا أن يبعثوها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم. وأنه عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر في أمر هؤلاء ثم إن عمر وافق أبا بكر على قتالهم.
وتأمل قوله: احتج عمر بقول النبي ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله". وكان هذا من عمر تعلقًا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخر ويتأمل شرائطه" وتأمل قوله: "أن قتال الممتنع عن الصلاة كان إجماعًا من الصحابة" وقد أشار
[ ٧٠ ]
الخطابي إلى أن حديث أبي هريرة مختصر. قال النووي -﵀- قال الخطابي: ويبين لك أن حديث أبي هريرة مختصر أن عبد الله بن عمر وأنسًا -﵄- روياه بزيادة لم يذكرها أبو هريرة. ففي حديث ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حيث يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها" وفي رواية أنس: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله. وأن يستقبلوا قبلتنا. وأن يأكلوا ذبيحتنا وأن يصلوا صلاتنا. فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها. لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" انتهى.
قلت (^١): وقد ثبت في الطريق الثالث المذكور في الكتاب من رواية أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله. ويؤمنوا بي وبما جئت به. فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها". وفي استدلال أبي بكر واعترض عمر -﵁- دليل على أنهما لم يحفظا عن رسول الله ﷺ ما رواه ابن عمر وأنس وأبو هريرة وكأن (^٢) هؤلاء الثلاثة سمعوا هذه الزيادة في روايتهم في مجلس آخر فإن عمر لو سمع ذلك لما خالف، ولما كان احتج بالحديث فإن هذه الزيادة حجة عليه. ولو سمع أبو بكر هذه الزيادة لاحتج بها، ولما كان احتج بالقياس والعموم والله أعلم. انتهى كلام النووي.
_________________
(١) القائل هو النووي -﵀-.
(٢) في "أ" و"ب" "وكانوا" وما أثبته من نسخة المنار وشرح مسلم.
[ ٧١ ]
فتأمل ما ذكره الخطابي تجده صريحًا في ردّ قولكم. وتأمل قوله: "فإن عمر لو سمع ذلك لما خالف ولما كان احتج بالحديث فإن هذه الزيادة حجة عليه" وبالجملة فحديث أبي هريرة حجة عليكم لا لكم. ولو لم يكن فيه إلاّ قوله: "بحقها" لكان كافيًا في بطلان شبهتكم، فإن الصلاة والزكاة من أعظم حقوق لا إله إلاّ الله بل هم أعظمها على الإطلاق.
ومما يد على بطلان قولكم وفساد فهمكم في معنى الحديث أعني حديث أبي هريرة- "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله" أن جميع الشراح والمحشين لم يتأولوه على هذا التأويل الذي ذهبتم إليه. فإنه حديث صحيح مخرج في الصحاح، هؤلاء شراح البخاري ومحشيه نحوًا (^١) من أربعين كما نبه عليه القسطلاّني في خطبة شرح البخاري وكذا شراح مسلم هل أحد منهم استدل به على ترك قتال (^٢) من ترك الفرائض بل الذي ذكروه خلاف ما ذهبتم إليه ولو لم يكن إلاّ احتجاج عمر به على أبي بكر ثم موافقته لأبي بكر على قتال مانعي الزكاة لكان كافيًا.
ونحن نذكر لكم كلام الشراح عذرًا ونذرًا. قال النووي -رحمه الله تعالى-: قوله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله، فمن قال: لا إله إلًا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها وحسابه على الله ﷿". قال الخطابي: معلوم أن المراد بهذا أهل الأوثان دون أهل الكتاب لأنهم يقولون لا إله إلاّ الله ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف. قال ومعنى "حسابه على الله" أي
_________________
(١) في "أ" و"ب" "نحو" وما أثبته من طبعة المنار.
(٢) في "ب" "قتل".
[ ٧٢ ]
فيما يسرونه ويخفونه "دون ما يخلون به في الظاهر.
قال ففيه أن من أظهر الإسلام وأسر الكفر يقبل منه إسلامه في الظاهر وهذا قول أكثر العلماء وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تقبل ويحكى ذلك عن أحمد بن حنبل (^١) هذا كلام الخطابي. وذكر القاضي عياض -﵀- معنى هذا وزاد عليه وأضحه فقال: اختصاص عصمة المال والنفس لمن قال لا إله إلاّ الله تعبير (^٢) عن الإجابة إلى الإيمان وأن المراد مشركو العرب، وأهل الأوثان ومن لا يوحد، وهم كانوا أول من دعي إلى الإسلام وقوتل (^٣) عليه، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقول لا إله إلاّ الله إذا كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده ولذلك جاء الحديث الآخر: "وأني رسول الله. ويقيم الصلاة. ويؤتي الزكاة". هذا كلام القاضي عياض.
قلت: ولا بد من الإيمان بما جاء به رسول الله ﷺ كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة: "حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله. ويؤمنوا بي وبما جئت به". انتهى كلام النووي.
فتأمل ما ذكره الخطابي وما ذكر القاضي أن المراد بقول: "لا إله إلاّ الله التعبير عن الإجابة إلى الإيمان، واستدل لذلك بالحديث الآخر الذي فيه "وأني رسول الله. وتقيم الصلاة. وتؤتي الزكاة".
_________________
(١) تقدم الكلام في الرسالة الأولى على مذهب الإمام أحمد -﵀- في توبة الزنديق.
(٢) في "ب" "تعبيرًا" وهو خطأ.
(٣) في "ب" "قوتلوا".
[ ٧٣ ]
وتأمل قوله: "إن المراد بحديث أبي هريرة مشركو العرب، ومن لا يوحد، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقول لا إله إلاّ الله. إذ كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده".
وتأمل قول النووي: "ولا بد من الإيمان بما جاء به رسول الله ﷺ" وبالجملة فقوله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله" لا (^١) نعلم أحدًا من العلماء أجراه على ظاهره، وقال إن من قال لا إله إلاّ الله يكف عنه ولا يجوز قتاله وإن ترك الصلاة ومنع الزكاة. هذا لم يقل به أحد من العلماء. ولازم قولكم أن اليهود لا يجوز قتالهم لأنهم يقولون لا إله إلاّ الله. "وأن الخوارج الذين قاتلهم علي بن أبي طالب لا يجوز قتالهم، لأنهم يقولون لا إله إلاّ الله" (^٢) وأن الصحابة مخطئون في قتالهم لمانعي الزكاة لأنهم يقولون لا إله إلاّ الله. بل ولازم قولكم أن بني حنيفة مسلمون لا يجوز قتالهم لأنهم يقولون لا إله إلاّ الله. سبحان الله ما أعظم هذا الجهل ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم- ٥٩].
ومن العجب أنكم تقرؤون في صحيح البخاري هذا الباب الذي ذكره في كتاب الإيمان. حيث قال: باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ثنا عبد الله بن محمد المسندي (^٣) ثنا أبو روح الحرمي (^٤) ثنا شعبة عن واقد بن محمد قال: سمعت أبي
_________________
(١) في "ب" "لم".
(٢) ما بين قوسين من طبعة المنار.
(٣) في طبعة المنار "السندي" وهو خطأ.
(٤) في طبعة المنار "الجرمي" وفي "ب" "الحري" وكلاهما خطأ.
[ ٧٤ ]
يحدث عن ابن عمر -﵄- أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله. وأن محمدًا رسول الله. ويقيموا الصلاة. ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منهي دماءهم وأموالهم إلاّ بحق الإسلام وحسابهم على الله" ثم بعد ذلك تقولون من قال: لا إله إلاّ الله حرم ماله ودمه ولا أدري بماذا تجيبون به عن هذه الآية والحديثين اللذين ذكرهما البخاري وبأي شيء تدفعون به هذه الأدلة؟.
وقال الإمام أبو عيسى الترمذي في سننه باب أمرت أن أقاتل الناس حيت يقولوا لا إله إلاّ الله. ثنا هناد ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله" الحديث ثم أردفه بحديث أبي هريرة في قتال أبي بكر لمانعي الزكاة، وساق الحديث بتمامه. ثم قال: باب ما جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله. ويقيموا الصلاة. ثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني ثنا ابن المبارك (^١) ثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله. وأن محمدًا عبده ورسوله. وأن تستقبلوا قبلتنا ويأكلوا ذبيحتنا. وأن يصلوا صلاتنا فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلاّ بحقها لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" وفي الباب عن معاذ بن جبل وأبي هريرة. هذا حديث حسن صحيح.
والمقصود بيان فساد هذه الشبهة التي دسها من يدعي أنه من العلماء على الجهلة من الناس أن من قال لا إله إلاّ الله محمد رسول الله
_________________
(١) سقط من طبعة المنار "ابن المبارك".
[ ٧٥ ]
فهو مسلم ولا يجوز قتله وإن ترك فرائض الإسلام. فهذا كلام الله وهذا كلام رسوله وهذا كلام العلماء صريحًا (^١) في رد هذه الشبهة بل قد دل الكتاب والسنة والإجماع على أن الطائفة الممتنعة تقاتل على ترك الصلاة ومنع الزكاة وإن أقرّوا بالوجوب كما تقدمت النصوص الدالة على ذلك. بل قد صرح العلماء أن أهل البلد إذا تركوا الأذان والإقامة يقاتلون كما سيأتي. وصرحوا أيضًا بأنهم لو تركوا إقامة صلاة الجماعة يُقاتلون. وكذلك لو تركوا صلاة العيد. وعلماء الحرم الشريف (^٢) يقولون: من قال لا إله إلاّ الله فقد عصم ماله ونفسه وإن لم يُصل ولم يُزك (^٣) فسبحان الله مقلب القلوب والأبصار (^٤) كيف يشاء. وهل هذا إلاّ معارضة لكلام الله وكلام رسول وكلام أئمة المذاهب، وهذا كلامهم موجود في كتبهم يُصرحون بأن من ترك الصلاة قُتل وأن الطائفة الممتنعة من فعل الصلاة والزكاة والصيام والحج تقاتل حتى يكون الدين كله لله، ويحكون عليه الإجماع كما صرح بذلك أئمة الحنابلة في كتبهم فإذا كانوا مصرحين بأن من ترك بعض شعائر الإسلام كأهل قرية إذا تركوا الأذان أو تركوا صلاة الجماعة أو تركوا صلاة العيد أنهم يقاتلون فكيف بمن ترك الصلاة رأسًا. وهؤلاء يقولون: من قال لا إله إلاّ الله محمد رسول الله فقد عصم ماله ودمه وإن كانوا طائفة ممتنعين من فعل الصالة والزكاة. بل يصرحون بأن أهل (^٥) البوادي مسلمون (^٦) حرام علينا دماؤهم وأموالهم مع العلم القطعي بأنهم لا
_________________
(١) في "ب" "صريح".
(٢) في "ب" والمنار "حرم الله".
(٣) في "أ" و"ب" "ولم يزكي".
(٤) ليست في "أ" و"ب".
(٥) ليست في "أ" و"ب".
(٦) في "أ" "إسلام".
[ ٧٦ ]
يؤذنون ولا يصلون ولا يزكون بل الظاهر عنهم أنهم كافرون بالشرائع وينكرون البعث بعد الموت. سبحان الله ما أعظم هذا الجهل. وقد ذكرنا من كلام الله وكلام رسوله وكلام شراح الحديث ما فيه الهدى لمن هداه الله.
وبينا أن العصمة شرطها التوحيد وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فمن لم يأت بهذه الثلاث لم يكف عنه ولم يخل سبيله وقد قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال- ٣٩]، وقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة- ٥]، وقال النبي ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحق الإسلام وحسابهم على الله".
وأما كلام الفقهاء فنذكره على التفصيل إن شاء الله! أما كلام المالكية فقال الشيخ علي الأجهوري في شرح المختصر: من ترك فرضًا آخر لبقاء (^١) ركعة بسجدتيها من الضروري قتل بالسيف حدًا على المشهور. وقال ابن حبيب وجماعة ظاهر المذهب كفرًا، واختاره ابن عبد السلام انتهى.
وقال في فضل الأذان، قال المازري: في الأذان معنيان أحدهما إظهار الشعائر والتعريف بأن الدار دار (^٢) إسلام وهو فرض كفاية
_________________
(١) في "أ" "فبقاء".
(٢) سقط من "أ" "دار".
[ ٧٧ ]
يقاتل أهل القرية حتى يفعلوه، فإن عجز عن قهرهم على إقامته إلا بقتال قوتلوا (^١)، والثاني الدعاء للصالة والأعلام بوقتها.
وقال الأبي في شرح مسلم: والمشهور أن الأذان فرض كفاية على أهل المصر لأنه شعار الإسلام، فقد كان رسول الله ﷺ إن لم يسمع الأذان أغار والا أمسك (^٢)، وقال المصنف يقاتلون عليه ليس القتال عليه من خصائص القول بالوجوب لأنه نصّ عن عياض، وفي قول المصنف والوتر غير واجب إلاّ (^٣) أنهم اختلفوا في التمالي على ترك السنن هل يقاتلون عليها؟ والصحيح قتالهم وإكراههم لأن في التمالي على تركها إماتتها. انتهى
وقال في فضل صلاة الجماعة. قال ابن رشد: صلاة الجماعة مستحبة للرجل في نفسه (^٤) فرض كفاية في الجملة. ويعني بقوله في الجملة أنها فرض كفاية على أهل المصر ولو تركوها قوتلوا كما تقدم انتهى.
وعبارة غيره وإن تركها أهل بلد قوتلوا وأهل حارة أجبروا عليها. انتهى كلام الشيخ علي الأجهوري.
فانظر تصريحهم بأن تارك الصلاة يقتل باتفاق أصحاب مالك وإنما اختلفوا في كفره، وأن ابن حبيب وابن عبد السلام اختاروا أنه يقتل كافرًا. وتأمل كلامهم في الطائفة الممتنعة عن الأذان أو عن إقامة الجماعة في المساجد أنهم يقاتلون، فأين هذا من قولكم إن من ترك
_________________
(١) سقط من "أ" و"ب" "قوتلوا".
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه "٢/ ٨٩" ومسلم في صحيحه ٢/ ٢٨٨.
(٣) سقطت "إلا" من "أ" و"ب".
(٤) تقدم من الرسالة الأولى بيان أن الصواب وجوب الصلاة على الأعيان.
[ ٧٨ ]
الفرائض مع الإقرار بوجوبها لا يحلّ قتالهم لأنهم يقولون: لا إله إلاّ الله.
وأما كلام الشافعية فقال الشيخ الإمام العلامة أحمد بن حمدان الأذرعي -﵀- في كتاب "قوت المحتاج في شرح المنهاج". من ترك الصلاة جاحدًا لوجوبها كفر بالإجماع، وذلك جار في كل جحود مجمعٍ عليه معلوم من الدين بالضرورة، فمن تركها كسلًا قتل حدًا على الصحيح أو المشهور. أما قتله فلأن الله أمر بقتل المشركين ثم قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾. [التوبة- ٥] فدل على أن القتل لا يرفع إلا بالإيمان وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ولما في الصحيحين "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا من دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها" ثم قال: "إشارات" منها جعل قتلة ردة ووجد لشر ذمة منهم منصور التميمي، وابن خزيمة، وقضية كلام الرونق أنه كلام منصوص (^١) حيث قال: فإذا قتل ففي ماله ودفنه بين المسلمين قولان: أحدهما ما رواه الربيع عن الشافعي إن ماله يكون فيئًا ولا يدفن في مقابر المسلمين والثاني ما رواه المزني عن الشافعي أن ماله يكون لورثته ويدفن في مقابر المسلمين. وقال منصور في المستعمل سألت الربيع ما نصنع بماله إذا قتلناه؟ قال يكون فيئًا. "ومنها" قال في الروضة: تارك الوضوء يقتل على الصحيح جزم به الشيخ أبو حامد. وفي البيان: لو صلى عريانًا مع القدرة على السترة (^٢) أو الفريضة قاعدًا بلا عذر قتل، وكذلك لو ترك التشهد أو الإعتدال، حكاه ابن الأستاذ عن البحر. فإن صح طُرد في سائر الأركان
_________________
(١) في المطبوعة "منصور"
(٢) في "أ" "الستر".
[ ٧٩ ]
والشروط، ويجب أن يكون محله فيما أجمع عليه، ومنها لو امتنع من الصوم والزكاة حسب ومنع المفطرات. وقال إمام الحرمين يجوز أن يجعل الممتنع مما يضيق عليه كالممتنع من الصلاة يجبر عليه فإن أبى ضربت عنقه.
قال المصنف والصحيح قتله بصلاة واحدة بشرط إخراجها عن وقت الضرورة انتهى كلام الأذرعي فانظر كلامه في قتل من ترك الصلاة كسلًا. وأن ربيع روى عن الشافعي أن ماله يكون فيئًا ولا يدفن في مقابر المسلين.
وتأمل كلام أبي حمد وكالم صاحب الروضة في قتل تارك الوضوء وكلام صاحب البيان فيمن صلى عريانًا مع القدرة على السترة وصلى الفريضة قاعدًا بلا عذر أنه يقتل فأين هذا من قولكم إن من قال لا إله إلاّ الله كف عنه ولا يجوز قتاله بوجه من الوجوه. وقال الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي (^١) في التحفة في باب حكم تارك الصلاة: ان ترك الصلاة جاحدًا وجوبها كفر بالإجماع، أو تركها كسلًا مع اعتقاده وجوبها قتل للآية ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ وخبر "أمرت أن أقاتل الناس" فإنهما شرطان (^٢) في الكف عن القتل والمقاتلة الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة لأن الزكاة يمكن الإمام أخذها ولو بالمقاتلة ممن امتنعوا وقاتلوا فكانت فيها على حقيقتها بخلافها في الصلاة فإنه لا يمكن فعلها بالمقاتلة. فكانت فيها بمعن القتل (^٣).
وقال في باب صلاة الجماعة: قيل وهي فرض للرجل فتجب
_________________
(١) في "أ" و"ب" "الهيثمي" وهو خطأ.
(٢) في "أ" و"المنار" شرطا.
(٣) هنا سقط كثير من "أ".
[ ٨٠ ]
بحيث تظهر بها الشعائر (^١) في ذلك المحل في البادية أو غيرها فإن لم يظهر الشعار بأن امتنعوا كلهم أو بعضهم -كأهل محلة من قرية كبيرة ولم يظهر الشعار إلا بهم- قتلوا، يقاتلهم (^٢) الإمام أو نائبه لإظهار هذه الشعيرة الكبيرة.
وقال في باب الأذان: الأذان والإقامة سنة وقيل فرض كفاية فيقاتل أهل بلد تركوهما أو أحدهما بحيث لم يظهروا الشعائر (^٣). وقال في باب صلاة العيدين: هي سنة وقيل فرض كفاية فعليه يقاتل أهل بلد تركوهما أو أحدهما. انتهى كلامه في التحفة (^٤).
فانظر إلى كلامه في قتل تارك الصلاة كسلًا. وتأمل قوله إن الآية والحديث شرطا في الكف عن القتل والمقاتلة الإسلام وإقام
_________________
(١) في النسختين "الشعار".
(٢) في "أ" "يقاتل".
(٣) فال الإمام ابن قدامة في كتابه المغنى "١/ ٣٠٢": وظاهر كلام الخرقي أن الآذان سنةٌ مؤكدة وليس بواجب لأنه جعل تركه مكروهًا. وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، لأنه دعاء إلى الصلاة فأشبه قوله: "الصلاة جماعة" وقال أبو بكر بن عبد العزيز هو من فروض الكفايات. وهذا قول أكثر أصحابنا، وقول أصحاب مالك. وقال عطاء ومجاهد والأوزاعي: هو فرض لأن النبي ﷺ أمر به مالكًا وصاحبه. وداوم عليه هو وخلفاؤه وأصحابه، والأمر يقتضي الوجوب … الخ، اهـ. ورجح شيخ الإسالم أبو العباس قول أكثر الأصحاب "مجموع الفتاوى ٢٢/ ٦٤" "حاشية الروض المربع ١/ ٤٢٩".
(٤) الذي عليه أكثر أصحابنا في هذه المسألة -كما في الأصناف- أنها فرض كفاية. وعن الإمام أحمد رواية بوجوبها اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -كما في الانصاف وهو مذهب الإمام أبي حنيفة. وعن الإمام أحمد رواية أخرة بسنيتها وفاقًا لمالك وأكثر أصحاب الشافعي. انظر المغنى لابن قدامة "٢/ ٢٧٢" والانصاف للمروادي "٢/ ٤٢٠". وحاشية الروض المربع لابن قاسم "٢/ ٤٩٢".
[ ٨١ ]
الصلاة وإيتاء الزكاة، وإن الإمام يأخذ الزكاة بالمقاتلة ممن امتنعوا أو قاتلوا. وتأمل كلامه في باب صلاة الجماعة، وأنها تجب بحيث يظهر الشعار في ذلك المحل حتى في البادية وأنهم يقاتلون إذا امتنعوا. وتأمل كلامه في الأذان والإقامة، وأن الإمام يقاتل على تركهما وعلى ترك أحدهما على القول بأنهما فرض كفاية. وتأمل كلامه في الطائفة إذا امتنعوا من صالة العيدين، فأين هذا من كلام من يقول: إن أهل البلد والبوادي إذا قالوا: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله لم يجز قتالهم وإن لم يصلوا ولم يزكوا، سبحان الله ما أعظم هذا الجهل.
وأما كلام الحنابة فقال في الإقناع وشرحه في كتاب الصلاة ومن حجب وجوبها كفر، فإن تركها تهونًا وكسلًا لا جحودًا (^١) دعاه الإمام أو نائبه إلى فعلها لاحتمال أن يكون تركها لعذر يعتقد سقوطها به كالمرض ونحوه، فيهدّده فإن أبى أن يصليها حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾. [التوبة- ٥]. فمن (^٢) ترك الصلاة لم يأت بشرط التخلية فيبقى على إباحة القتل وبقوله ﵇: "ومن ترك الصلاة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله ورسوله".
رواه الإمام أحمد عن مكحول وهو مرسل جيد (^٣)، ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثة أيام كمرتد (^٤) نصًا، فإن تاب بفعلها وإلاّ قتل بضرب عنقه بالسيف لما رواه جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" رواه مسلم وروى بريدة
_________________
(١) في النسختين "لا جحود" وهو خطأ.
(٢) في النسختين "فمتى".
(٣) قاله ابن مفلح في المبدع.
(٤) أي كسائر المرتدين.
[ ٨٢ ]
أن النبي ﷺ قال: "من تركها فقد كفر" رواه الخمسة وصححه الترمذي، انتهى وقال –﵀- في باب الأذان والإقامة: فإن تركهما أي الأذان والإقامة أهل بلد قوتلوا، أي يقاتلهم الإمام أو نائبه حتى يفعلوهما، لأنهما من أعلام الدين الظاهرة، فقوتلوا على تركهما كصلاة العيد.
وقال -﵀- في باب صلاة الجماعة: وهي واجبة وجوب عين، فيقاتل تاركها كالأذان، لكن الأذان إنما يقاتل على تركه إذا تركه أهل البلد كلهم بخلاف الجماعة فإنه يقاتل تاركها وإن أقامها غيره لأن وجوبها على الأعيان بخلافه. وقال -﵀- في باب صلاة العيدين: وهي فرض كفاية إن تركها أهل بلد يبلغون أربعين بلا عذر قاتلهم الإمام كالأذان لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، وفي تركها تهاون بالدين.
وقال -﵀- في "باب إخراج الزكاة" ومن منعها بخلًا أو تهاونًا أخذت منه قهرًا كدين الآدمي، وإن غيب ماله أو كتمه وأمكن أخذها بأن كان في قبضة الإمام أخذت منه بغير زيادة، وإن لم يمكن أخذها استتيب ثلاثة أيام وجوبًا، فإن تاب وأخرج كفّ عنه وإلاّ قتل لإتفاق الصحابة على قتال مانعيها وغن لم يمكن أخذها إلاّ بقتال وجب على الإمام قتاله إن وضعها موضعها، انتهى كلامه في الإقناع وشرحه.
فتأمل كلامه فيمن ترك الصلاة كسلًا من غير جحود أن يستتاب، فإن تاب وإلاّ قتل كافرًا وتأمل كلامه في أهل البلدان، إذا تركوا الأذان والإقامة وصلاة العيد أنهم يقاتلون بمجرد ترك ذلك، فهذا كلام المالكية، وهذا كلام الشافعية، وهذا كلام الحنابلة، الكل منهم قد صرح بما ذكرناه، فإذا كانوا مصرحين بقتال من التزم شرائع
[ ٨٣ ]
الإسلام، إلاّ أنهم تركوا الأذان أو تركوا صلاة الجماعة أو تركوا صلاة العيد، فكيف بمن ترك الصلاة رأسًا كالبوادي الذين لا يصلون ولا يزكون ولا يصومون، بل ينكرون الشرائع، ويكرون البعث بعد الموت، هذا هو الغاب عليهم إلا من شاء وهم القليل، وإلا فأكثرهم ليس معهم من الإسلام إلاّ أنهم يقولون لا لا إله إلاّ الله ومع هذا يجادل عنهم علماء مكة المشرفة ويقولون: إنهم مسلمون، وإن دماءهم وأموالهم حرام بحرمة الإسلام، وإن لم يصلوا ولم يزكوا ولم يصوموا إلاّ أنهم يقولون لا إله إلاّ الله، وهل هذا إلًا رد على الله تعالى حيث قال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة- ٥] وهؤلاء يقولون يخلى سبيلهم وإن لم يصلوا ولم يزكوا. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منهي دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام". وهؤلاء يقولون: من قال لا إله إلاّ الله عصم دمه وماله وإن لم يصلّ ولم يزك ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم- ٥٩] فهذا كتاب الله وهذه سنة رسوله وهذا إجماع الصحابة على قتل من ترك الصلاة أو منع الزكاة. قال صدّيق الأمة أبو بكر ﵁: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ وفي رواية عناقًا لقاتلتهم على منعها، وهذا أيضًا إجماع العلماء قال في شرح الإقناع: أجمع العلماء على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام فإنه (^١) يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله
_________________
(١) في "أ" و"ب" "فانهم".
[ ٨٤ ]
كالمحاربين وأولى، انتهى. وقال أبو العباس -﵀-: "القتال واجب حتى يكون الدين كله لله وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب فأيما طائفة ممتنعة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات أو الزكاة أو الصيام أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء أو الأموال أو الخمر أو الزنا أو الميسر، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب أو غير ذلك من التزام واجبات الدين أو محرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها، التي يكفر الواحد بجحودها، فان الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء، وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرّت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر أو الأذان أو الإقامة عند من لا يقول بوجوبها ونحو ذلك من الشعائر فهل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات أو المحرمات المذكورة ونحوها فال خلاف في القتال عليها"، انتهى كلامه.
فتأمل كلام إمام الحنابلة وتصريحه بأن من امتنع عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة كالصلوات الخمس أو الصيام أو الزكاة أو الحج، أو عن ترك المحرمات كالزنا أو شرب الخمر أو المسكرات أو غير ذلك، فإنه يجب قتال الطائفة الممتنعة عن ذلك حتى يكون الدين كله الله، ويلتزموا (^١) جميع شرائع الإسلام، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائع الإسلام، وإن ذلك مما اتفق عليه الفقهاء من سائر الصحابة فمن بعدهم فأين هذا من قولكم: إن من قال لا إله إلاّ الله فقد عصم ماله ودمه وإن ترك (^٢) الفرائض وارتكب (^٣) المحرّمات، بل من تأمل سيرة النبي صلى الله
_________________
(١) في "ب" و"المنار" يلتزمون.
(٢) في "أ" "ارتكبوا- تركوا".
(٣) في "أ" "ارتكبوا- تركوا".
[ ٨٥ ]
عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده عرف أن قولكم هذا مضاد لما فعله النبي ﷺ وما فعله الخلفاء الراشدون ومن بعدهم. فيا سبحان الله: "أما علمتم أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود وهم يقولون لا إله إلاّ الله وسبي نساءهم، واستحلّ دماءهم وأموالهم" (^١) أما علمتم أن رسول الله ﷺ أراد أن يغزو بني المصطلق لما قيل له إنهم منعوا الزكاة، وكان الذي قاله كاذبًا، والقصة مشهورة في كتب الحديث والتفسير، ذكرها المفسرون عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات- ٦].
أما علمتم أن علي بن أبي طالب ﵁ حرق الغالية مع أنهم يقولون لا إله إلاّ الله؟ أما علمتم أن الصحابة ﵁ قاتلوا الخوارج بأمر نبيهم ﷺ، مع أنه ﷺ أخبر أن الصحابة يحقرون صلاتهم مع صلاتهم وصيامهم مع صيامهم، وقراءتهم مع قرآءتهم وقال: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم؟ " أما علمتم أن الصحابة قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله ويصلون ويؤذنون؟ (^٢).
أما علمتم أن الصحابة قاتلوا بني يربوع لما منعوا الزكاة، مع أنهم مقرون بوجوبها وكانوا قد جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة وفي أمر هؤلاء عرضت الشبهة لعمر ﵁ حتى جلاها الصديق أبو بكر ﵁ وقال:
_________________
(١) ما بين قوسين من المطبوعة.
(٢) في المطبوعة "ويصومون".
[ ٨٦ ]
"والله لو منعوني عقالًا -وفي رواية عناقًا- كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، فقال عمر: فوالله ما هو إلى أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر لقتال فعرفت أنه الحق، وقد تقدم ذلك مبسوطًا، وذكرنا لفظه في شرح مسلم في "باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة".
أما علمتم أن رسول الله ﷺ بعث صاحب الراية (^١) إلى رجل تزوج امرأة أبيه كما رواه الترمذي في سننه حيث قال: "باب ما جاء فيمن تزوج امرأة أبيه". حدثنا أبو سعيد الأشج أخبرنا حفص بن غياث (^٢) عن أشعث عن عدي بن ثبات عن البراء قال: مرّ بي خالي أبو بردة ومعه لواء فقلت أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن آتيه برأسه، حديث حسن غريب، انتهى (^٣).
_________________
(١) في "أ" و"ب" "الراية" وفي المطبوعة "البراء".
(٢) في "ب" "عثمان".
(٣) أخرجه أحمد في مسنده "٤/ ٢٩٥"، وأبو داود في سننه -كتاب الحدود- "٤/ ٦٠٢"، كلاهما من طريق مطرف بن طريف عن أبي الجهم مولى البراء عنه .. به وإسناده جيد. وأخرجه الترمذي في سننه -كتاب الأحكام- "٣/ ٦٣٤"، والنسائي في سننه "٦/ ١٠٩"، وابن ماجة "٢/ ٨٦٩" كلهم من طريق عدي بن ثابت عن البراء فال: مرّ بي خالي فذكر. وأخرجه أبو داود "٤/ ٦٠٢" من طريق عدي بن ثابت عن يزيد بن البراء عن أبيه قال: لقيت عمي … فذكره. وقال الترمذي: وقد روى محمد بن إسحاق هذا الحديث عن عدي بن ثابت عن عبد الله بن يزيد عن البراء …، اهـ. قال وفي الباب عن قرّة المزني. =
[ ٨٧ ]
ولو تتبعنا الآيات والأحاديث والآثار وكلام العلماء في قتال من قال: لا إله إلاّ الله إذا ترك بعض حقوقها لطال الكلام جدًا، فكيف بمن ترك (^١) الإسلام كله، وكذب به، واستهزأ به على عمد إلا أنهم يقولون: لا إله إلاّ الله كهؤلاء البوادي؟ وفيما ذكرنا كفاية لمن طلب
_________________
(١) = قال المنذري -﵀- في مختصره سنن أبي داود "٦/ ٢٦٨" على هذا الحديث: وقد اختلف في هذا اختلافًا كثيرًا. فروى عن البراء كما تقدم. وروى عنه عن عمه كما ذكرناه أيضًا. وروي عنه قال: "مرّ بي خالي أبو بردة بن دينار ومعه لواء" وهذا لفظ الترمذي فيه. وروي عنه عن خاله وسماه "هشيم في حديثه: الحارث بن عمرو" وهذا لفظ ابن ماجه فيه. وروي عنه قال: مرّ بنا ناسٌ ينطلقون". وروي عنه: "إني لأطرف على إبل ظلت لي في تلك الأحياء في عهد رسول الله ﷺ إذ جاءهم رهط معهم لواء" وهذا في لفظ النسائي.، اهـ. قال الإمام شمس الدين ابن القيم -﵀-: وهذا كله يدل على أن الحديث محفوظ ولا يوجب هذا تركه بوجه. فإن البراء بن عازب حدّث به عن أ [ي بردة بن دينار واسمه الحارث بن عمرو. وأبو بردة: كنيته، وهو عمّه وخاله، وهذا واقع في النسب، وكان معه رهط، فاقتصر على ذكر الرهط مرّة، وعين من بينهم أبا بردة بن دينا باسمه مرّة، وبكنيته أخرى، وبالعمومة تارة، وبالخوُلة أخرى. فأي علة في هذا توجب ترك الحديث؟ والله الموفق للصواب. والحديث له طرق حسان يؤيد بعضها بعضًا. منها: مطرف عن أبي الجهم عن البراء. ومنها: شعبة عن الركين بن الربيع عن عدي بن ثابت عن البراء ومنها: الحسن بن صالح عن السدي عن عدي عن البراء. ومنها: معمر عن أشعث عن عدي عن يزيد بن البراء عن أبيه.، اهـ.
(٢) في المطبوعة "جحد".
[ ٨٨ ]
الإنصاف، فقد ذكرنا الأدلة من كلام الله وكلام رسوله ﷺ، وكلام الصحابة، وإجماع العلماء بعدهم. فإن كان هذا الذي ذكرنا له معنى آخر ما فهمناه بينوه لنا من كلام الله وكلام رسوله وكلام العلماء فرحم الله أمرءًا نظر لنفسه، وعرف أنه ملاق الله الذي عنده الجنة والنار.
[ ٨٩ ]