هو الإمام العالم العلاّمة، الحبر البحر الفهامة، المحقق المجتهد، الحافظ المتفنن، قامع المشبهين، ورافع راية الموحدين، الشيخ الجليل، المدقق النبيل، حمد بن ناصر بن عثمان بن حمد بن عبد الله بن محمد (**) بن حمد بن حسن بن طوق بن سيف آل معمّر (^١) العنقري السَّعدي" (^٢) التميمي النجدي الحنبلي.
وحسن بن طوق هذا هو الذي نزح من "ثرمداء" إلى "ملهم" ثم أتى إلى "العيينة" وكان فيها آل يزيد من بني حنيفة فاشتراها منهم عام " (٨٥٠) هـ" واستوطنها هو وأولاده. وما زالت تنمو شيئًا فشيئًا حتى بلغت الذروة -بين بلدان نجد- في التقدم العمراني وكثرة السكان
_________________
(١) (*) مصادر الترجمة:
(٢) روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين للقاضي.
(٣) الدرر السنية في الأجوبة النجدية جـ ١٢ للشيخ ابن قاسم.
(٤) علماء نجد خلال ستة قرون للبسام.
(٥) عنوان المجد لابن بشر. (**) وقع في شجرتنا "راجح" بدل "محمد". وقد كتب لي بعض كبار آل معمّر هذا النسب وأثبت اسم "محمد" بدل "راجح" وهذا هو الذي أثبته المؤرخ حسين بن حسن في كتابه "أعلام تميم- ص ٣٩١". قلت ولعلّ لقبه "راجح" و"محمد اسمه والله تعالى أعلم.
(٦) ويجتمع كاتب هذه الترجمة مع المؤلف في الجدّ السابع.
(٧) نسبة إلى بني سعد بن زيد مناة بن تميم.
[ ١١ ]
والحركة التجارية والعلمية لا سيما في زمن الأمير -عبد الله بن محمد بن معمر- كما قاله ابن بشر في عنوان المجد.
وذكر الشيخ الفاضل عبد الله بن بسام -حفظه الله- في كتابه علماء نجد "١/ ٢٣٩" أن بين المترجم له، وحسن بن طوق قرابة من عشرة أجداد لم يستطع العثور على أسمائهم. هكذا قال: والصواب أن بينه وبين حسن خمسة أجداد، وأسماؤهم معروفة، وقد أثبتها من شجرتنا "آل عبد الكريم"، ومن كبار أسرة "آل معمّر".
ولد هذا العالم الجليل في مدينة "العيينة" سنة "١١٦٠ هـ" وكانت يومؤذ أكبر مدن نجد، كما أنها بلد عشيرته آل معمّر -حكّام العيينة- فكان من بيت حكم وإمارة.
ومن المعلوم أن العيينة بعد قيام دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب تأثرت بدعوته، وصار فيها أناس من أنصار منهجه، فنشأ المترجم فيها وأخذ العلم عن علمائها الذين هم أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
ولما شبّ رغب في التزود من العلم فرحل إلى "الدرعية" مقرّ دعوة شيخ الإسلام. ولازم فيها شيخ الإسلام ملازمة الظل، فانتفع بذلك أعظم الإنتفاع، كما أخذ العلم عن غيره من علماء الدرعية كالشيخ سليمان بن عبد الوهاب، والشيخ حسين بن غنام.
وثابر على تحصيل العلم بجد واجتهاد، ووافق ذلك منه فهمًا جيدًا، وذكاء حادًا، وحفظًا قويًا، فبرز في العلوم الشرعية عامة، وأدرك في العلوم العربية إدراكًا جيدًا، وبلغ مبلغًا كبيرًا حتى صار من أكابر علماء نجد، ومن أوسعهم إطلاعًا، وأطولهم باعًا، وأجوبته أكبر شاهد على ذلك.
[ ١٢ ]
قال ابن قاسم: بلغ في العلوم العقلية والنقلية مبلغًا، له اليد الطولي في الأصول، والفروع، والحديث، واللغة العربية، وغيرها، قليل المثل في الديانة والعبادة، جمع أنواع المحاسن والمعالي، قرن بين خلتي العلم والحلم، والحسب والنسب، والعقل والفضل، والتدريس والتصنيف، والفتاوى والنصائح، أوحد العصر في أنواع الفضائل، مجالسه بالعلم معمورة، وبالفقهاء مشحونة، وأوقاته بالخير مقرونة، وأخلاقه بالذكاء مشهورة، اهـ.
قال ابن بسام فلما بلغ هذا المبلغ الكبير من العلم، جلس للتدريس في مدينة الدرعية الزاهية بالعلماء والآهلة بالطلاب، والمستمعين، فنفع الله تعالى بعلمه خلقًا كثيرًا، واستفاد منه جم غفير، فصار من طلابه النابهون
ابنه الشيخ عبد العزيز بن معمر -صاحب كتاب "منحة القريب المجيب في الردّ على عباد الصليب"-، والشيخ المحدّث الفقيه العلاّمة سليمان بن عبد الله آل الشيخ، والشيخ العلاّمة الإمام عبد الرحمن بن حسن، والشيخ المحقق الجليل عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، والشيخ عبد العزيز بن حمد بن مشرّف، والشيخ عثمان بن عبد الجبار بن شبانة، والشيخ علي بن حسن اليماني، والشيخ جمعان بن ناصر، وغيرهم من العلماء. كما قصد بالأسئلة والفتاوى من أنحاء الجزيرة العربية فأجاب عنها الأجوبة المحررة السديدة التي تدل على العلم الواسع، والفقه النقي، والباع الطويل في
[ ١٣ ]
جميع العلوم الشرعية فجاءت في فتاويه ورسائله فوائد زائدة عما كتبه من قبله من الفقهاء تنبئ عن حسن تصرف، وجمال تخريج على كلام العلماء الذين سبقوه، ففتاويه ورسائله لو جمعت لجاءت سفرًا كبيرًا مفيدًا، ولكنها طبعت مفرقة مع فتاوى ورسائل علماء نجد، اهـ.
وقال محمد بن عثمان القاضي: وكان ذا مكانة مرموقة، وله شهرة بلغت الآفاق، ولكلمته نفوذ، وكان واعظ زمانه، ولمواعظه وقع في القلوب، غزير الدمعة لا تفارق خدّه … وكان يعظ الناس أدبار الصلوات في الدرعية وفي الحجاز مدة إقامته فيه، ويأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، والولاة يشدّون من أزره، ونفع الله به أممًا لا يحصون، ومحا بدعًا كانت في الحجاز، فهدم الشريف قبابًا كانت على القبور بسبب إرشاداته القيمة، وله هيبة، ولكلامه وقع في القلوب، اهـ.
قال الشيخ ابن بسام -حفظه الله- حدثني وجيه الحجاز الشيخ السلفي محمد بن حسين نصيف قال حدثني رجل ثقة من آل عطية من أهل جدة عن أبيه قال: جمعنا في مسجد عكاشة حينما قدم حمد بن ناصر بكتاب الصلح بين سعود وغالب فصعد المنبر وخطب خطبة بليغة تدور حول تحقيق التوحيد وإخلاص العبادة، ثم حذّر من ترك الصلوات، وأمر بأدائها في المساجد، ونهى عن شرب الدخان، وبيعه وتعاطيه، كما أمر بهدم القباب التي على القبور، وأمر بالحضور إلى المساجد لسماع رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب فامتثل الناس هذا كله، فصرتَ لا ترى الدخان لا استعمالًا ولا بيعًا، وصارت المساجد تزدحم بالمصلين وهدمت القباب التي على القبور، وصار الناس يحضرون لسماع الدرس، اهـ.
[ ١٤ ]
وقد كان موضعَ الثقة من الأمراء، فقد بعثه الإمام عبد العزيز عام "١٢١١ هـ" إلى الشريف غالب أمير مكة -وقد تقدم ذكر سبب هذه البعثة وما دار فيها-.
ولولا مكانته العلمية، وعقليته الراسخة، ما اختاره الإمام عبد العزيز وأيده علماء الدرعية على أن يكون السفير الكبير في هذه المهمة العظيمة، فصار يجادل العلماء بمذاهبهم، ويرد عليهم من كتبهم، وأقوال أئمتهم.
وفي سنة "١٢٢٢ هـ" بعثه الإمام سعود رئيسًا لقضاة مكة المكرمة فمكث يقضي، وسدد في أحكامه، وظل في منصبه حتى توفاه الله في العشر الأوسط من ذي الحجة سنة "١٢٢٥ هـ" في مكة، وصلى عليه المسلمون تحت الكعبة المشرّفة، ثم خرجوا به من الحرم إلى البيضية، وخرج الإمام سعود بن عبد العزيز من القصر وصلى عليه بعدد كثير ودفن في مكة، اهـ. من ابن بشر كما في الروضة.
[ ١٥ ]
وجد بأول النسخ ما نصه (^١):
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين (^٢) الحمد لله الذي نصر الدين، بالحجة والسيف والتمكين، وجعل لدينه من ينفي (^٣) عنه غلو الغالين، وتحريف المحرفين، بالدلائل (^٤) القاطعة والبراهين.
أما بعد، فلما كان في السنة الحادية عشر بعد المائتين والألف من هجرته ﷺ طلب غالب والي مكة المشرفة من عبد العزيز بن محمد بن سعود والي نجد متعنا الله بحياته (^٥) أن يبعث إليه عالمًا من علمائه، وليناظر علماء الحرم الشريف في شيء من أمور الدين. فبعث إليه عبد العزيز الشيخ حمد (^٦) بن ناصر بن عثمان الحنبلي في ركب فلما وصلوا والي مكة بها جمع علماء الحرم الشريف، وأرباب مذاهب الأئمة الأربعة خلا الحنابلة فوقعت مناظر عظيمة بين الشخ حمد (^٧) المذكور وعلماء الحرم الشريف ومقدمهم يومئذ في الكلام الشيخ عبد الملك الحنفي فوقعت المناظرة في مجالس عديدة لدى والي مكة بمشهد عظيم من أهلها وذلك في شهر رجب من السنة "١٢١١ هـ" المذكورة من هجرته ﷺ فظهر الحق وبان، وانخفض الباطل واستكان، وأقرّ الخصم بعد البيان، ومما سألوه عنه ثلاث مسائل فأجاب أيّده الله بروح منه بما يشفي العليل،
_________________
(١) وهذا الكلام ليس من كلام المؤلف كما يدل عليه السياق.
(٢) "وبه نستعين" ليست في "ب".
(٣) في "ب" "ينافي".
(٤) في "أ" "بالأدلة".
(٥) في "ب" "رحمه الله تعالى وتغمده برحمته".
(٦) وقع في جميع النسخ "أحمد" وهو خطأ والصواب ما أثبته.
(٧) وقع في جميع النسخ "أحمد" وهو خطأ والصواب ما أثبته.
[ ١٦ ]
ويبتهج به من يتبع (^١) الدليل، وسميت هذه الأجوبة "الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب" (^٢) المسألة الأولى
_________________
(١) في "ب" "يبتغي".
(٢) سبب تسمية هذه الرسالة بهذا الإسم ما ذكر في حاشية نسخة "أ" قال الناسخ: وأخبرني من لا أتهم: لقد قال عبد المالك المشار إليه: لا نسلم لكتاب الله، ولا لسنة، ولا لكلام الأئمة خلا أبا"*" حنيفة فهذا سبب إسم الأجوبة انتهى. وأظن أن واضع هذا الإسم هو صاحب النسخة "أ" أو المؤلف والله أعلم. "*" في أصل الحاشية: "أبي حنيفة".
[ ١٧ ]