الْخَاسِرُونَ» . الأعراف:١٧٥- ١٧٨.
أما قول الغزالي: «فإن المستقل بالنظر الذي يستوي ميله في نظره إلى الكفر والإسلام عزيز» . فقد ينكر هذا عليه ويقال: كيف يمدح من يستوي ميله في نظره إلى الباطل والحق؟ ! ويجاب عن هذا بأن مقصوده أن أكثر المتكلمين يميلون إلى الإسلام بدون استيقان منهم أنه الحق، بل عليه فألفوه واعتادوه، ولذلك، يرى من نشأ على اليهودية أو النصرانية أو غيرهما يميلون إلى ما نشأو اعليه مع أنه باطل في نفس الأمر.
لكني أقول: أما أئمة السنة الذين وفوا بشرط الله ﷿ من التسليم والخضوع
والطاعة له، فلا شأن لهم في هذا لأنهم قد تعرضوا لأن يكتب الله في قلوبهم الإيمان، ويؤيدهم بروح منه، ويزيدهم هدى، ويزيدهم هدى، ويرزقهم النور اليقين، فقنعوا بالمأخذين السلفيين، واهتدوا بها عن بصيرة ويقين، ومن اختار ما علم أنه الحق، وثبت عليه، وأعرض من الشبهات، ولا يقال إنه غير مستقل إنه غير مستقل بالنظر، كما إن النظار المستقلين قطعوا بالبديهيات، وأجابوا عن الأمور التي أو ردها القادحون بما تقدم. وكما أن الغزالي وهو يرى أنه مستقل بالنظر قال: إنه أيقن بالضروريات بدون دليل، بل بنور قذف في صدره، وأنه حصل له الإيمان بالله تعالى، وبالنبوة، واليوم الآخر بدون دليل محرر، بل بأسباب وقرائن وتجارب لا تحصى، ولا ريب أنه لا يمكنه أن يشرح ما حصل له للخصم شرحًا وافيًا يحصل للخصم اليقين.
بل أقول: إن عامة المسلمين المحبين الخاضعين له، الذين يغلب عليهم التقوى والطاعة هم ممن تعرض لذاك النور، وذلك التأييد وتلك الهداية، وكثير منهم لهم من اليقين الحقيقي الناشيء عن الفطرة والنظر العادي، واجتماع أمور كثيرة يفيد مجموعها اليقين مع عناية الله ﷿ وتأييده ما ليس لأكابر النظار، (١) وذلك
_________________
(١) ثم رأيت نقلًا عن (فيصل التفرقة) للغزالي عبارة طويلة تراها في (روح المعاني) ج ٨ ص ١١٩ فيها «لست أنكر يجوز ان يكون ذكر أدلة المتكلمين أحد أسباب =
[ ٦٧ ]
فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. فأما المتكلمون فلا يبعد أن يكون أكثرهم كما قال الغزالي، وذلك أنهم لأم يتعرضوا لذلك النور والتأييد والهداية، بل تعرضوا للحرمان والإضلال بعدولهم عن الصراط المستقيم وسلوكهم غير سبيل المؤمنين، فإذا حصل لأحدهم شيء من الاعتقاد حمد نفسه قبل ربه! وقال: «إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي» أقرأ من سورة (القصص): ٧٨، ومن سورة (الزمر): ٤٩.
وإذا قيل لهم صدّقوا بما جاءت به الرسل قالوا: لا نصدق فيما يتعلق بالمعقولات، إلا بما أدركته عقولنا أو أكثر كشفنا، واستهزءوا بمن يأخذ دينه من النصوص وسموهم الحشوية (١)، والغثاء، والغثر، وغير ذلك. قال الله تعالى: «فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ» المؤمن:٨٣. وقال تعالى: «أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ» الآية - البقرة: ٨٥.
وإذا قيل لهم آمنوا بالنصوص كما آمن بها السلف الصالح قالوا أولئك أعراض أميون جفاة لا يدرون ما المعقول، قال الله تعالى: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ» البقرة: ١٣. وآل بهم الزيغ إلى نسبة الكذب إلى الله تعالى ورسله، كما يجيء بالباب الأتي، فأنا يهديهم الله تعالى؟ قال سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ» النحل:١٠٤- ١٠٥.
_________________
(١) = الإيمان في حق بعض الناس ولكن ذلك ليس بمقصور عليه وهو نادر أيضًا فالإيمان المستعار من الدلائل الكلامية ضعيف جدًا مشرف على التزلزل بكل شبهة، بل الإيمان الراسخ أيمان العوام الحاصل في قلوبهم في الصبا بتواتر السماع والحاصل بعد البلوغ بقرائن لا يمكن العبارة عنها» . المؤلف.
(٢) هذا من التنابز بالألقاب وتعمد الاساءة وقد ترددت في كتب المؤولين كثيرًا. زهير
[ ٦٨ ]