فضمها هواتها إلى ما سبق، ملصقين لها بالعبادات الشرعية، تعاطيها من الخائضين في الكلام والفلسفة، فمنهم من تعاطاها ليروج مقالاته المنكرة بنسبتها إلى الكشف والإلهام الروحي، ويتدرع عن الإنكار عليه بزعم أنه من أولياء الله تعالى، ومنهم من تعاطاها على أمل أن يجد فيها حلًا للشكوك والشبهات التي أو قعه فيها التعمق في الكلام والفلسفة.
ومن أول من مزج التصوف بالكلام الحارث المحاسبي، ثم اشتد الأمر في الذين أخذوا عنه فمن بعدهم، وكان من نتائج ذلك قضية الحلاج، ولعله كان في أقران الحلاج من هو موافق له في الجملة، بل لعل فيهم من هو أوغل منه إلا أنهم كانوا يتكتمون، ودعا الحلاج إلى إظهار ما أظهره حب الرياسة.
وكذلك الفارابي وابن سينا نتقًا من ذلك.
وكذلك في كلام متفلسفي المغاربة كابن باجة وغيره. وهكذا الباطنية كانوا ينتحلون التصوف، فلما جاء الغزالي نصب منصب الكلام والفلسفة الباطنية، وزعم أن الحق لا يعدوا هذه الأربع المقالات، وقضى ظاهرًا للتصوف مع ذكره كفيره أن طائفة من المتصوفة ذهبوا إلى الأباحة المحضنة، وفي ذلك نبذ الشرائع البتة، ثم لم يزل الأمر يشتد حتى جاء ابن عربي وابن سبعين التلمساني، ومقالاتهم معروفة، ومن تتبع ما كان عليه النبي ﵌ والصحابة وأئمة التابعين، وما يصرح به الكتاب والسنة وآثار السلف، وأنعم النظر في ذلك، ثم قارن ذلك بمقالات هؤلاء القوم علم يقينًا أنه لا يمكنه إن لم يغالط نفسه أن يصدق الشرع ويصدقهم معًا، وإن غالط نفسه وغالطته، فالتكذيب ثابت في قرارها ولابد.
هذا والشرع يقضي بأن الكشف ليس مما يصلح الاستناد إليه في الدين، ففي (صحيح البخاري) من حديث أبي هريرة «سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله
[ ٧٩ ]
وسلم يقول: لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة» .
وورد نحوه من حديث جماعة من الصحابة ذكر في (فتح الباري) منها حديث ابن عباس عند مسلم وغيره، وحديث أم كرز عند أحمد وابن خزيمة وابن حبان، وحديث حذيفة بن أسيد عند أحمد والطبراني، وحديث عائشة عند أحمد، وحديث أنس عند أبي يعلي. (١)
وفيه حجة على أنه لم يبق مما يناسب الوحي إلا الرؤيا، اللهم إلا يكون بقي ما هو دون الرؤيا فلم يعتد به، فدل ذلك أن التحديث والإلهام والفراسة والكهانة والكشف كلها دون الرؤيا، والسر في ذلك أن الغيب على مراتب.
الأولى: ما لا يعلمه إلا الله، ولم يعلم به أحدًا أو أعلم به بعض ملائكته.
الثانية: ما قد علمه غير الملائكة من الخلق.
الثالثة: ما عليه قرائن ودلائل إذا تنبه لها الإنسان عرفه كما ترى أمثلة ذلك فيما يحكى من زكن إياس والشافعي وغيرهما، فالرؤيا قد تتعلق بما هو من المرتبة الأولى لكن الحديث يقضي أنه لم يبق منها إلا ما كان على وجه التبشير فقط وفي معناه التحذير، والفراسة تتعلق بالمرتبة الثالثة، وبقية الأمور بالمرتبة الثانية، وإنما الفرق بينها والله أعلم أن التحديث والإلهام من إلقاء الملك في الخاطر، والكهانة من إلقاء الشيطان، والكشف قوة طبيعية غريبة كما يسمى في هذا العصر قراءة الأفكار.
نعم قد يقال: أن الرياضة قد تؤهل صاحبها لأن يقع له في يقظته ما يقع له في نومه فيكون الكشف ضربًا من الرؤيا.
وأقول: إن صح هذا فقد تقدم أن الرؤيا قصاراها التبشير والتحذير، وفي
_________________
(١) قلت: قد خرجتها وغيرها في «إرواء الغليل» (٢٥٣٩)، وبعضها في الأحاديث الصحيحة» (٤٦٨) ن.
[ ٨٠ ]