كثير من المتعمقين يسترون تكذيبهم للنصوص بدعوى أن ما يخالفونه منها هو من المتشابه المنهي عن إتباعه، وقد كثر الكلام في المحكم والمتشابه، وسألخص ما
[ ١٨٥ ]
بان لي راجيًا من تعالى التوفيق.
المعنى المتبادر إلى الذهن من كلمتي «محكم» و«متشابه» أن المحكم هو المتقن الذي لا خلل فيه، والمتشابه هو الذي يشبه بعضه بعضًا، والقرآن كلام رب العالمين، أحكم الحاكمين، العليم القدير، فلابد أن يكون كله محكمًا، وينبغي أن يعلم إحكام الشيء يختلف باختلاف ما أعد له، ففي البناء يختلف الإحكام في الحصن ودار السكنى وقصر النزهة، (١) وهكذا يختلف الإحكام في حجر الدار الواحدة كالمجلس والمخزن والحمام، ويختلف المعد لغرض واحد باختلاف الأحوال، فالمجلس الذي يصلح للشتاء قد لا يصلح للصيف، والذي يصلح للصيف في بلد لا تكون فيه السموم (٢) قد لا يصلح في بلد تكون فيه، وهكذا الكلام كما يقوله البيانيون في تفسير البلاغة، فمهما يكن في بعض الآيات مما يزعمه بعض الناس خللًا فهو بالنظر إلى ما أعدت له الآية عين الإحكام. وهناك صفات تشترك فيها آيات القرآن كالإحكام والصدق وغير ذاك من الصفات المحمودة، فيصح أن يقال: إن القرآن كله متشابه كما أنه كله محكم، وقد وصفه الله تعالى بهذين الوصفين، قال تعالى: «الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ» فاتحة سورة (هود) .
وقال ﷿: «وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ» فاتحة سورة (يّس) .
وقال سبحانه: «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا» . الزمر: ٢٣. (٣)
_________________
(١) كل بحسبه، فإتقان الحصن غير إحكام دار السكنى قصر النزهة. م ع
(٢) السموم الرياح الحارة مع الجفاف كاصبا والشمال في تهامة والحجاز وكالجنوب في مصر. م ع
(٣) والذي أفاده شيخ الإسلام ابن تيمية أن الإحكام والتشابه العام في القرآن يتشابهان، فهو محكم متقن بين واضح، وهو متشابه يشبه بعضه بعضًا في الإحكام والصدق والبيان والوضوح. م ع
[ ١٨٦ ]
فيبقى النظر في قوله تعالى: «الم. اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ.نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ» إلى قوله: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوالْأَلْبَابِ. رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» . فواتح سورة (آل عمران) .
دل هذا أن منه آيات محكمات غير متشابهات، وآيات متشابهات غير محكمات، فلابد أن يكون الإحكام والتشابه هنا معنى غير الأول فما هو؟
أشهر ما روي عن السلف في ذلك قولان:
الأول: أن المحكم ما ينسخ. والمتشابه المنسوخ.
الثاني: أن المحكم ما للناس سبيل إلى معرفة تأويله كآيات الحلال والحرام. والمتشابه ما لا يعلم تأويله إلا الله كوقت قيام الساعة. وقد عرف من عادة السلف أنهم يفسرون الآية ببعض ما تتناوله وذلك على سبيل التمثيل، وأنهم كانوا يطلقون النسخ على ما يشمل البيان بالتخصيص ونحوه، وفيمكن أن يشرح ذلك القولان على ما يأتي:
القول الأول: أن المحكمات هي كل آية بينة بنفسها، والمتشابهات ما تحتاج إلى أن يبينها غيرها كالمنسوخ والمجمل بنوعيه.
القول الثاني: أن المحكمات كل آية يتهيأ للسامع مع معرفة معناها الذي سيقت لبيانه أن يعرف ما تتوق إليه نفسه مما يتعلق بما اشتملت عليه، والمتشابهات ما عدا ذلك، فالآيات المنذرة بقيام الساعة إنما سيقت لإعلام العباد أن لهم بعد هذه الحياة الفاني حياة خالدة يحاسبون فيها على ما قدموه في الدنيا ويجزون به، ليستعدوا لها بالإيمان والعمل الصالح والاستكثار منه، واجتناب الكفر والظلم
[ ١٨٧ ]
والفسوق العصيان، فهذا هو المقصود، ولكن كثيرًا من النفوس تخطاه متعطشة إلى معرفة وقت قيام القيامة، قال الله تعالى: «يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» . الأعراف: ١٨٧.
(حفي عنها): معني بالسؤال عن وقتها حتى علمته، فرد الله تعالى عليهم بأن رسول ليس مثلهم في الحرص على معرفة ذلك لأنه يعلم أن المهم هو الإستعداد لها فهو مستعد فلا يهمه أن تقوم بعد لحظة أو بعد ألوف القرون، وفي القرآن عدة آيات أخرى في هذا المعنى. وفي (الصحيحين) عن أنس «أن رجلًا قال: يار رسول الله متى الساعة؟ قال ويلك وما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله، قال أنت مع من أحببت، قال: أنس فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بها» . عدل به النبي ﵌ إلى المهم، ونبهه على أن المحبة تقتضي المعينة، فمن صدق حبه لله ورسوله كان معها في الدنيا بالإيمان والطاعة والاتباع فيحبه الله فينيله المعية في الآخرة بالنجاة والدرجات، قال تعالى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» . وتفاوت المعية في الدنيا دليل تفاوت المحبة، وقضية ذلك تفاوت المعية في الآخرة، ويزيد الله تعالى من شاء من فضله.
ويدخل في المتشابه على القول الثاني الآيات المتعلقة بذات الله تعالى وصفاته وغيبه كقوله تعالى فيما قصة من خطابه لإبليس: «قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي» . ص: ٧٥.
فالآيات سيقت لحض بني آدم على مخالفة الشيطان وتحذيرهم من طاعته أو فعل مثل فعله، وبيان عداوته لهم، وبيان إقامة الله ﷿ الحجة عليه، وبيان أن الله
[ ١٨٨ ]