قال السلفي: المقصد التاسع مبني على ما قبله وقد علم حاله، وما ذكر من أن الفرض على هؤلاء كذا وعلى هؤلاء كذا لم يذكره ابن سينا، ولكنه قد يؤخذ من كلامه، وقد نحا الغزالي في بعض كتبه قريبًا من هذا المنحي، وصرح به ابن رشد في كتبه وزاد فأو جب على «الخاصة» أن يكتموا نتائج تعمقهم المخالفة للدين، وأن إظهارها كفر أنه يحمل العامة على الكفر.
وأقول: كان الحق على المتعمقين عندما برون مخالفة بعض نتائج تعمقهم للدين أن يعملوا بنصيحة ذاك الفريق من الفلاسفة القائلين أن النظر المتعمق فيه لا يوثق به في الآلهيات كما تقدم في الباب الأول، وحينئذ يحصرون تعمقهم في البحث عن الطبيعيات ونحوها، فإن أبى أحدهم فاليقصر داءه على نفسه على فلا يعلم ولا يصنف ولا يناظر، فإن اضطر إلى الذب عن الدين فليخل بمن يطعن في الدين وليقل له: لم يخف عنا ما بدا لك، ولكن عرفنا ما مل تعرف فإن الشرائع الحقة جاءت بما تنكره، فإما أن يكون الحق ما جاءت به إذ من المحال أن يخطئ الله وأنبياؤه، وتصيب أنت بنظرك الذي قد جربت عليه الخطأ والغلط غير مرة، وإما أن تكون الشرائع جاءت
[ ١٥٣ ]
بما يصلح الجمهور على علم بما فيه، وعلى كلا الحالين لا ينبغي معارضتها، فإن أبيت فأني أرى علي أن أرد عليك، وأقدح فيما تستدل به.
أقول: ومن تأمل طرق استدلالهم ومناقضاتهم ومعارضاتهم عرف أنه لا يصعب على الماهر في كلامهم الدفاع عن تلك النصوص، وأنفعل مع اعتقاده خلافها لم يكن عليه عند نفسه غضاضة في علمه ولا دينه - إن كان متدينًا - لأنه إنما رضي لنفسه من ذلك ما يرى أن رب العالمين رضيه لنفسه ولأنبيائه ورسله، وقد وبخ الله ﷿ المشركين في قولهم أن له سبحانه بنات مع كراهيتهم أن تكون لهم بنات، قال تعالى: «أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى. تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى» النجم - ٢١ - ٢٢
وقال سبحانه: «أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ. وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا
ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ. أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ» الزخرف - ١٦ - ١٧ - ١٨
مع أن المشركين فيما أرى حاولوا التنزيه لأنهم رأو أن الابن من شأنه أن يشارك أباه في ملكه بخلاف البنات فإنهن كن في عرفهم مطرحات. وصنيع أولئك الذين يسمون أنفسهم «الخاصة» أسوأ من ذلك، إذ يزعمون أن الله ﵎ رضي لنفسه ولرسله الكذب والتلبيس، ثم لا يرتضون مثل ذلك لأنفسهم بل يتنزهون عن ذلك جهدهم، مع علمهم بأن صنيعهم مناقض لما يقولون أن صلاح الناس فيه وموقع فيما يقولون: إنه فساد عظيم. فليتهم إذ لم يسمح لهم شرف أنفسهم في زعمهم أن يتلوثوا بما يزعمون أن الله ﷿ ارتضاه لنفسه ولرسله سكتوا عن مناقضة ما جاء به الشرع وتركوا المسلمين ودينهم. لكن الله ﵎ أراد أن يهتك أستارهم، ويبلو بهم كما ابتلاهم، قال تعالى: «أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (*) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ» . فاتحة (العنكبوت) .
[ ١٥٤ ]