قال السلفي: لسنا نلتفت إلى دعوى ابن سينا ومن وافقه ولا إلى نظرهم المتعمق فيه بل نقول: كل ما كان حقًا في نظر المأخذين السلفيين فهو حق، وكل ما كان باطلًا في نظرهما فهو باطل، وقد تقدم في الباب الأول ما فيه كفاية، وبذلك تسقط دعواهم وما بني عليها.
وحاصل كلام ابن سينا ومن وافقه إنما هو نسبة الكذب إلى الله تبارك في كثير مما أخبر به عن نفسه وغيبه، وإلى الرسول في كثير مما أخبر به عن ربه، فإن منهم من اعترف، ومنهم من تقوم عليه الحجة، بأن من تلك النصوص في دلالتها على المعنى الذي يزعمون بطلانه ما هو ظاهر بين، وما هو صريح واضح، وما هو مؤكد مثبت، مع أنه ليس في المأخذين السلفيين ما يصح أن قرينة تصرف أفهام المخاطبين الأولين من كان مثلهم عن فهم تلك الظواهر، بل فيها ما هو واضح كل الوضوح بل، فيها ما هو واضح كل الوضوح في تثبيت تلك الظواهر.
ولا يقتصر أمرهم على هذا بل يلزمه أن يتناول الكذب في زعمهم جميع النصوص الواردة في الثناء على الله ﷿، وعلى رسوله وعلى كتابه، وعلى دين الإسلام - بالصدق والحق والهداية والبيان والإبانة ونحوذلك كقول الله ﷿ «وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا» «وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا» وغير ذلك مما لا يحصى.
[ ١٤٥ ]
ومن المعلوم من دين الإسلام بالضرورة تنزيه الله ﷿ عن الكذب، وتنزيه أنبياءه عن الكذب عليه أي فيما أخبروا به عنه أو عن دينه. وقد تقدم الكلام في ذلك، وفيه بيان تنزههم عن تعمد الكذب فيما عدا ذلك، فإن ثبت أن كلمات إبراهيم ﵇ مما يطق عليه اسم الكذب، فاظاهر أنها كانت قبل النبوة كما مر، وبالجملة فهي أشد ما حكي عنه الأنبياء، فقد سماها إبراهيم ومحمد ﵉ «كذبات» وسميت في الحديث «خطايا» ويرى إبراهيم ﵇ أنها تقعد به عن رتبة الشفاعة في المحشر، وتقتضي أن يستحي من ربه ﷿.
وأرى أن أو ازن بين تلك الكلمات وبين النصوص التي زعم المتعمقون بطلان معانيها
الظاهرة ليتضح للناظر أنه يلزم أن يكون إبراهيم أصدق من رب العالمين - لا من محمد فحسب - بدرجات لا نهاية لها. وذلك من وجوه:
الأول: أن كلمات إبراهيم ثلاث فقط لم يقطع منه طول عمره غيرها، وتلك النصوص تبلغ آلافًا، عن أنهم يزعمون أن نصوص التوراة وسائر كتب الله ﷿ كذلك.
الثاني: أن كلمات إبراهيم في مقاصد موقتة، وتلك النصوص تعم الأزمنة إلى يوم القيامة.
الثالث: أن كلمات إبراهيم تتعلق بالذين خاطبهم فقط وتلك النصوص تعم حاجة الناس إليها إلى يوم القيامة.
الرابع: أن كلمات إبراهيم في مقاصد دنيوية ليس فيها إخبار عن الله ﷿ ولا عن دينه، وتلك النصوص في أصل الدين وأساسه.
الخامس: ان إبراهيم لم يكن عند الذين خاطبهم نبيًا فيشتد وثوقهم بخبره، وفي الحديث: «كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثًا هو لك به مصدق وانت له لك به
[ ١٤٦ ]
كاذب»، (١) وتلك النصوص مخاطب بها المسلمون الذين يؤمنون بأن القرآن كتاب الله وأن محمدًا رسول الله.
السادس: أن إبراهيم لم يكن قد التزم لمخاطبيه أن لا يحدثهم إلا بالصدق، وتلك النصوص في الكتاب والسنة، وقد قال تعالى: «وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا»، «وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا»، «الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ» وغير ذلك.
السابع: أن كلمات إبراهيم قريبة لإحتمال المعنى الواقع، وتلك النصوص أكثرها بغاية البعد عما يزعم المتعمقون أنه الواقع.
الثامن: أن كلمات إبراهيم لم تؤكد، تلك النصوص كثير منها مؤكدة فيما هي ظاهرة فيه غاية التأكيد.
التاسع أنت كلمات إبراهيم لت تكرر، وتلك النصوص تكرر كثير منها في الكتاب والسنة.
العاشر: أن حال إبراهيم كانت ظاهرة للمخاطبين مقتضية أن يترخص في إيهامهم، وتلك النصوص على خلاف ذلك، فلم تكن حال محمد ﵌ تقتضي إلا الصدق المحض، فأما رب العالمين فما عسى أن يقال فيه؟
الحادي عشر: أن إبراهيم احتاج إلى تلك الكلمات، ولم يكن يمكنه قبل ذلك الاستعداد للحوادث لتلك الحوادث بما يغنيه عن تلك الكلمات أو نحوها، وتلك النصوص على خلاف هذا - لولم تكن حقًا، فإن الله ﷿ إنما خلق الناس لعبادته كما تقدم تقريره أو ائل الرسالة، فلوكان الحق في نفس الأمر ما يزعمه المتعمقون لخلق الله
_________________
(١) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» وأبو داود في «السنن» من حديث سفيان بن أسيد، وفيه ضبارة بن مالك وهو مجهو ل. ورواه أحمد من حديث النوارس بن سمعان، وفيه عمر بن هارون وهو متروك كما في «التقريب»، فمن قال في إسناده: «جيد»، فقد تساهل أو هم. ن
[ ١٤٧ ]
تعالى الناس على الهيئة التي ترشحهم لإدراك ذلك بدون صعوبة شديدة، وذلك بأن يزيد في عقولهم ويهيئ لهم من آيات الآفاق والأنفس ما يقرب إدراك الحق إلى أذهانهم، حتى إذا خاطبهم به في كتبه، وعلى ألسنة رسله، ونبههم على الدلائل القريبة في ذلك أمكن من يحب الحق منهم ويرغب فيه أن يفهم ذلك ويدركه.
فنقول للمتعمقين: ألم يعلم الله ﷿ ما يكون عليه حال الناس؟ أم علم ولكن لم يقدر على أن يخلقهم على الهيئة المذكورة ويهيئ لهم من آيات الآفاق والأنفس ما ذكر؟ أم علم وقدر، ولكن لم يعبأ باقتضاء الحكمة، فضطر سبحانه وحاشاه - أخيرًا إلى الكذب والتلبيس الذي يوقع الناس في نقيض ما خلقهم لأجله في ا؟ لأصول وحرصًا على أن يقبلوا بعض الفروع؟ هذا مع ما يترتب على ذلك من المفاسد كما يأتي.
الثاني عشر: أن كلمات إبراهيم كان إبراهيم محتاجًا إليها حاجة محققة، وتلك النصوص - لولم تكن حقًا - على خلاف ذلك، فإن العرب كانوا في جاهليتهم يعترفون بوجود الله وربوبيته وغير ذلك، كما سلف في الجواب عن المقصد الرابع، فلوبنى الشرع أولًا على ما كانوا يعترفون به مما يعترف المتعمقون أنه حق في نفس الأمر، وعلى ما يشبه ويقرب منه، وسكت عن غيره مما تأباه عقولهم، لم يكن ما ينفرهم عن قبول الشرع، فأي حاجة دعت إلى أن يخاطبوا بما يزعم المتعمقون أنه باطل؟
بل أقول: لوجاءهم الشرع بالأصل الجامع في الجملة لما يزعمه المتعمقون، وهو أن الله
﷿ ليس داخل العالم ولا خارجه، ثم كرر الدعوة والاستدلال كما صنع في إثبات ما كانت عقولهم تأباه من قدرة الله ﷿ على حشر الأجساد، وكما صنع في نفي ما كانت عقولهم تتقبله أو توجبه من أن الله ﷿ ولدًا - لكان فيهم من يخضع لذلك، ثم لا يزالون يزدادون، وأنت ترى من لا يحصي من المنتسبين إلى العلم وطلبه وقبلوا ذاك الأصل الجامع، وبعض فروعه ممن أحسنوا به الظن من المتكلمين؛ فقلدوه في ذلك وتعصبوا له، وعادوا من يخالفه، غير مبالين
[ ١٤٨ ]
بعقولهم، ولا بنصوص الكتاب والسنة، ولا بمخالفة من هو أجل عندهم ممن قلدوه.
وقد جاء أفراد بمقالات تنبذها العقول الفطرية، ويردها النظر المتعمق فيه، ومع ذلك تبعهم من لا يحصى، والعرب إنما كانوا يستندون في إنكار ذاك الأصل إلى عقولهم الفطرية وكان النبي ﵌ عندهم أوسطهم نسبًا، وأفضلهم خلقًا، معروفًا بينهم بالصدق والأمانة، والعدل وحب الحق والحرص عليه، ولا يريد رياسة ولا جاهًا، ثم جاءهم بالمعجزات، فلوجاءهم بذاك الأصل ونحوه أما كان يجد منهم من يقلده ويتبعه كما وجد المتعمقون والأفراد الآخرون، بل كما وجد الرسول نفسه في نفي نسبة الولد إلى الله ﷿، وفي إثبات حشر الأجساد؟ وسيأتي في الجواب عن المقصد العاشر على هذا.
وهب أن الحاجة دعت إلى إظهار موافقتهم على ما يخالف ذاك الأصل وبعض فروعه وأنه ساغ ذلك، فقد كان يكفي نص أو نصان أو ثلاثة مما هو ظاهر في غير ما يوافقهم محتمل لما يوافقهم، فيحملون ذلك على ما يوافقهم وأهو ائهم، فإن كان ولابد فما يحتمل المعنيين على السواء، أو يكون ظاهرًا فيما يوافقهم ظهورًا ضعيفًا، غايته أن يكون نحوكلمات إبراهيم، فما بال الكتاب والسنة مملوأين بتلك النصوص التي يزعم المتعمقون أن ظاهرها باطل، ومنها ما ظاهر بين، وما هو صريح واضح، وما هو واضح، وما هو محقق مثبت مؤكد، فهل كانت الضرورة تدعوة إلى ذلك كله؟
الثالث عشر: كلمات إبراهيم لم تقتض الحكمة أن يتداركها بالبيان في الدنيا لأنها كانت في قضايا مؤقتة، ولم تترتب عليها مفسدة ما كما تقدم، وتلك النصوص لوكانت لما يزعم المتعمقون لاقتضت الحكمة اقتضاء باتًا أن يتبعها الشرع بما يتبين الحق، ولم يقع من هذا شيء، فأما الإشارات المذكورة في المقصد الثالث فقد مر الكلام فيها.
فإن قيل: وكَلَهم الشرع إلى العقل.
[ ١٤٩ ]