من المعلوم من الدين بالضرورة أن الأنبياء صادقون في كل ما أخبروا به عن الله ﷿، وأن من كذب نبيًا في خبر من ذلك فقد كفر، ومعلوم أن جميع ما أخبر به الأنبياء في شؤون الدين فهو إخبار عن الله ﷿، وهذا من الوضوح عند المسلمين بحيث يستغني عن إيراد حججه.
فإن قيل: قد جوز بعض الناس أن يقول النبي في الدين باجتهاده، ومن هؤلاء من جوز أن يخطئ النبي لكنه إن أخطأ نبهه الله ﷿ فورًا، ولعل من يجيز من هؤلاء تأخير البيان إلى وقت الحاجة يجيز تأخير التنبيه إلى وقت الحاجة.
قلت: إن جاز الخطأ فإنما يخبر النبي بأنه يظن، ومن قال: أظن كذا، إنما أخبر بأنه يظن، فإذا كان يظن ما ذكر فقد صدق، فإن بان خطأ ظنه لم يقل له: كذبت، وإن قيل: كذب ظنك، فأما الأمور الدنيوية فخبر الأنبياء عنها إن تضمن خبرًا عن الله ﷿ فكالأمور الدنيوية، وإلا فالمعروف بين أهل العلم من المسلمين أن الأنبياء معصومون عن تعمد الكذب فيها، وأو رد على ذلك كلمات إبراهيم ﵇. وفي (الصحيحين) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات » فذكر تلك الكلمات، وفي (مسند أحمد) من حديث ابن عباس نحوه، وفي (الصحيحين) من حديث أنس مرفوعًا ذكر فزع الناس إلى الأنبياء يوم
[ ٨٨ ]
القيامة يسألونهم الشفاعة، فيأتون آدم فنوحًا فإبراهيم فموسى فيعتذر كل من هؤلاء بتقصير كان منه في الدنيا، فيذكر آدم أكله من الشجرة، وموسى قتله النفس. وفيه في ذكر إبراهيم: «فيقول: لست هناكم - ويذكر خطيئته» . زاد مسلم: «التي أصاب فيستحي ربه منها» وفي رواية للبخاري في «كتاب التوحيد»: فيقول: لست هنا كم - ويذكر خطاياه التي أصابها» وفي أخرى: «ويذكر ثلاث كذبات كذبهن» وفي (الصحيحين) من حديث أبي هريرة مرفوعًا وفيه قول إبراهيم في عذره: «إن ربي قد غضب اليوم وإني كنت كذبت ثلاث كذبات» لفظ البخاري في تفسير سورة (الإسراء)، ولفظ مسلم: «إن ربي قد غضب اليوم ، وذكر كذباته» وقد جاء الحديث من رواية جماعة آخرين من الصحابة. فإطلاق الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام على تلك الكلمات «كذبات» يدفع أن تكون من المعاريض التي لا راحة للكذب فيها. ويؤكده أن نبينا كان شديدا التقير لأبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وصح عنه أنه قال: «نحن أولى بالشك من إبراهيم » وقال له رجل: يا خير البرية، فقال: «ذاك إبراهيم» فكيف يظن به أن يقول: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات» وه يعلم أنها ليس من الكذب في شيء، مع أنه تحرى في هذا الحديث الثناء على إبراهيم فبين أنه لم يقع منه كذب إلا تلك الثلاث ثم قال: «ثنتين منهم في ذات الله ﷿، وقوله: «إِنِّي سَقِيمٌ» وقوله: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا»، وقال: بينا هو ذات يوم وسارة (يعني امرأته) إذ أتي على جبار من الجبابرة » .
فإن قيل: قد يكون الكلام من تأكيد المدح بما يشبه الذم كقول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
قلت: إنما يحسن مثل هذا حيث يكون المستثنى واضح من المستثنى منه، وليس الأمر هنا كذلك، وقد سماها في الحديث الآخر «خطايا» ونظمها في سلك أكل آدم من الشجرة وقتل موسى للنفس، وحكم إبراهيم بأنها تقصر به عن مقام الشفاعة، وتتقضى إستحياءه من ربه لأجلها فالجواب عن تلك
[ ٨٩ ]
الكلمات بأنها ليس بكذب كما ترى.
وثم وجب آخر وهو أن تلك الكلمات وقعت من إبراهيم ﵇ قبل نبوته، وكما أن قتل موسى للنفس كذلك فقد قص الله تعالى عنه أنه ذُكر بتلك الفعلة فقال: «قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ. فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ» الشعراء: ٢٠-٢١.
وقريب من ذلك حال آدم، فإن أكله من الشجرة كان في الجنة قبل النبوة المعتادة.وقد قال الله تعالى في القصة التي ذكر فيها قول إبراهيم: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا»، وهي إحدى الكلمات: «قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ» الأنبياء: ٥٩ - ٦٣.
والكلمة الثانية وهي قوله: «إِنِّي سَقِيمٌ»، كانت قبل ذلك.
فأما الثالثة وهي قوله: «هي أختي» فالظاهر والله أعلم أنها بعد ذلك، ولكن في سياق القصة ما قد يشعر بأنها كانت قبل النبوة، فإطلاقهم عليه «فتى» ظاهر في أنه يومئذ لم يبلغ أربعين سنة، فإن الفتى هو الشاب الحدث كما في (المصباح)، وقد صرح كثير من أهل العلم أن الأنبياء إنما نبئوا بعد بلوغ كل منهم أربعين سنة كما وقع لنبينا ﵊، ز جزم به القاضي أبوبكر ابن العربي وآخرون، وتاولوا ما في قصتي يحيى وعيسى، وقال قوم: إن ذلك هو الغالب.
فإن قيل: فإن اثنتين من تلك الكلمات وقعتا في صدد دعوته قومه إلى التوحيد، والثالثة يظهر أنها بعد ذلك، فكيف يدعوقبل النبوة؟
قلت: قد كان هداه الله تعالى من صباه بتوجيه نظره إلى الآيات الكونية، قال الله ﷿: «وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ» . ثم ذكر القمر والشمس «فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا
[ ٩٠ ]
تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ » الأنعام: ٧٥ - ٨٠.
فكان يحاج قومه بما هداه الله إليه بنظره.
فإن قيل: لو كانت تلك الثلاث قبل النبوة لذكر معها قوله: هذا ربي، فإن هذه أشد.
قلت: قد ذكر في بعض الروايات لكن قيل إنه خطأ من الرواي. وعلى هذا فقد يقال إنما تذكر تلك الكلمة لأنها كانت في الطفولة فيما قاله بعض أهل العلم وتلك الثلاث كانت بعد البلوغ. وفي هذا نظر، فإن قول النبي ﵌: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات» يعم الطفولة. وقد يقال: إنما لم يذكرها لأن إبراهيم لم يرد بها الإخبار، وإنما أراد الاستفهام الإنكاري. وهذا القول حكاه ابن جرير عن بعض أهل النظر، ورده، وروي عن ابن عباس ما ينص على أن الكلام على الإخبار وأن إبراهيم فعل ما يوافق ذلك، ولم يذكر عن أحد من السلف خلافه، ومع هذا فمن مال إلى هذا التأويل من أهل النظر
وجّهوه بأن إبراهيم أراد في نفسه الاستفهام، وأراد في الظاهر إيهام قومه أنه موافق لهم ليكون ذلك أقرب إلى جرهم إلى الحق، وعلى هذا فهذه الكلمة أشد من تلك الثلاث، والحديث السابق يأبى ذلك كما مر.
فإن قيل: أفليس الأنبياء معصومين عن الكفر مطلقًا؟
قلت: ليس هذا بكفر في حكم الشرع، فإن إبراهيم ﵇ قال ذلك قبل أن تعرض عليه، فضلًا عن أن تقوم عليه حجة بنظر ولا غيره وهو حريص على معرفة الحق، باذل وسعه في تحصيلها، صادق العزم على اتباع الحق على كل حال، ليس في نفسه شائبة هوى في غير الحق، فإن كان ذلك في الطفولة كان الأمر أوضح.
[ ٩١ ]