طلحة بن عبيد الله، والثانية من حديث رافع بن خديج، ثم أخرج من طريق حماد بي سلمة عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة، وعن ثابت عن أنس القصة مختصرة وفيها أن النبي ﵌ قال: «لولم تفعلوا لصلح» وحماد على فضله كان يخطئ فالصواب ما في الروايتين الأوليين. وقوله ﵌ «ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به فإني لن أكذب على الله» و«إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به» واضح الدلالة على عصمته - ﷺ - من الكذب خطأ فيما يخبر به عن الله وأمر الدين.
ومن ذلك قسصة ذي اليدين: سلم - ﷺ - في الظهر أو العصر من ركعتين فقام إليه ذواليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال: كل ذلك لم يكن، فقال ذواليدين " بل يعض ذلك قد كان، فسأل - ﷺ - الناس فصدقوا ذا اليدين، فقم فأتم بهم الصلاة. فقوله: «كل ذلك لم يكن» يتضمن خبرين:
الأول: عن الدين وهو أن الصلاة لم تقصر، وهو حق.
والثاني: عن شأن نفسه، وهو أنه لم ينس، والواقع أنه كان قد نسي.
والقرائن واضحة في أنه اعتمد في الخبر الثاني على ظنه، فهو في قوة قوله: «لم أنس فيما رأى» .
ومما يدخل في هذا ما جاء في رضاع الغيل، (١) ففي (صحيح مسلم) من حديث سعد بن أبي وقاص أنه ذكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال: لوكان ذلك ضارًا لأضر فارس
_________________
(١) الغيل وطء المرضع، فربما حملت من هذا الوطء فيفسد لبنها فيضر ذلك برضيعها، فكان العرب يتجنبون ذلك محافظة على صحة أولادهم أثناء رضاعهم، وهم النبي ﷺ بالنهي عنه جريًا على تجارب العرب ولكنه رجع عن ذلك لفعل الروم وعدم ضرره لهم. م ع
[ ١٠٠ ]
والروم»، وفيه من حديث جذامة (٢) بنت وهب مرفوعًا: «لقد همت أن أنهى عن الغيلة فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم، فلا يضر أولادهم ذلك شيئًا» .
وفي (سنن أبي داود): «حدثنا أبو توبة نا محمد بن مهاجر عن أبيه عن أسماء بنت يزيد ابن السكن قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا تقتلوا أولادكم سرًا فان الغيل يدرك الفارس فيدعثره عن فرسه» . أبو توبة ومحمد بن مهاجر من رجال (الصحيح)، ومهاجر روى عن جماعة وذكره ابن حبان في (الثقات) . (٣) فالله أعلم.
_________________
(١) كذا الأصل بالذال المعجمة، وهو رواية لمسلم، وفي أخرى له: «جذامة» بالدال المهملة، قال مسلم: «وهو الصحيح» . قال الدارقطني: «هي بالجيم والدال المهملة، ومن ذكرها بالذال المعجمة فقد صحف» . وعلى الصواب، وقع فيما يأتي بع سطور، وبالذال أيضًا، فكان المصنف ذكره على الروايتين، مشيرًا إلى أنه لم يترجح عنده الصواب منهما. ن
(٢) قلت وهو معروف بتساهله في التوثيق كما سبق بيانه من المؤلف ومنا ج ١ ص ٤٣٦ - ٤٣٨، ولم نر أحدًا قد وافقه على توثيقه، بل إن أبي حاتم لما أو رد في كتابه (٤ / ١ / ٢٦١) سكت عنه، مشيرًا بذلك إلى أنه غير معروف عنده، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في تعليقنا ص ٤٣٦ ولذلك لم يعتمد توثيقه الحافظ بن حجر، فقال في «التقريب»: «مقبول» . يعني عن المتابعة، وإلا فلين الحديث، كما نص على ذلك في المقدمة. ولذلك، فإن القلب لا يطمئن لصحة هذا الحديث، وقد أشار إلى تضعيفه العلامة ابن القيم في «تهذيب السنن) بقوله (٥ /٣٦٢): «فان كان صحيحًا فيكون النهي عن (الغيل) أولًا إرشادًا وكراهة، ولا تحريما» . قلت: وهذا التأويل وإن كان بعيدًا عن ظاهر حديث أسماء كما بينه المصنف، فالمصير إليه واجب لحديث عبد الله ابن عباس أن رسول الله ﷺ نهى عن الاغتيال، ثم قال: لو ضر أحدًا لضر فارس والروم. قال الهيثمي في «المجمع» (٤ /٢٩٨): «رواه الطبراني والبزار ورجاله رجال =
[ ١٠١ ]
زعم الطحاوي أن حديث أسماء كان أولًا، وأن النبي - ﷺ - بنى ذلك على ما هو المشهور بين العرب، ثم كان حديث وجدامة بعد ذلك عندما أطلع - ﷺ - على أن الغيل لا يضر.
هذا معنى كلامه وليس بمستقيم.
أولًا: لأن حديث أسماء جزم بالنهي، وحديث سعد وجدامة ظن مبني على أنه - ﷺ - بلغه عن فارس والروم أنهم يغيلون ثم لا يظهر بأولادهم ضرر لا يطهر مثله بأولاد العرب الذين لم يكونوا يغيلون فيتجه حمله على أنه عن الغيل.
ثانيًا: في حديث أسماء جزم بضرر يخفى على الناس، فإنما يمون ذلك عن الوحي، وحديث سعد وجدامة إنما فيه نفي الضر الذي يظهر.
ثالثًا: في حديث جدامة: «لقد همت أن أنهى» وفي حديث أسماء نهي صريح وكل من هذه الأوجه يقتضي تأخر حديث أسماء - على فرض صحته - وأن حديث سعد وجدامة كان رأيًا رآة - ﷺ - وظنًا ظنه.
هذا وقد أطلت في هذا الفصل ومع ذلك بقيت أمور مما يشتبه على بعض الناظرين كتأخير البيان إلى الحاجة عند الجماعة من أهل العلم، وما روي في نزول قوله تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَد»، وقوله - ﷺ - لأزواجه «أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا» .
فأما المجمل الذي لا ظاهر له فواضح أنه ليس فيه رائحة من الكذب، وأما
_________________
(١) = الصحيح» . قلت: وكذلك رواه بن أبي حاتم في «العلل» (١ / ٤٠١) لكنه قال عن أبيه: «الصحيح مرسل» لكن له شاهد من شاهد من حديث أبي هريرة مثله. رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه ليث بن حماد وهو ضعيف.
[ ١٠٢ ]
الذي له ظاهر، فإنما يتأخر بيانه إذا كانت هناك قرينة تدافع ذاك الظهور، فيبقى النص في حكم المجمل الذي لا ظاهر له، وأما الآية والحديث فالحق أن فهم غير المراد منهما إنما كان من تقصير السامع، ولو تدبر سياق الكلام ولاحظ القرائن لما فهم غير المراد، وقد شرحت ذلك بأدلته في رسالة (أحكام الكذب) وشرحت فيها ما حقيقة الكذب؟ وما الفرق بينه وبين المجاز؟ وما هي المعاريض؟ وما هو الذي يصح الترخيص فيه؟ وغير ذلك.
«وَقَالُوا (*) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقّ» الأعراف: ٤٣.
[ ١٠٣ ]