المعاني الغامضة يحتاجون في تفهم هذه المعاني إلى فضل وبيان شرح عبارة» .
فمن الممتنع أن يكلف الله تعالى جميع عباده بهذا، ومن الممتنع أن يكتفي منهم في الأصول التي يلزمهم اعتقادها بالتقليد الصرف لمن ليس بمعصوم، كيف وقد علم سبحانه أن النظار سيختلفون، فيكون فيهم المحق والمبطل، ومعرفة العامة بالمحق مع جهلهم بما هو الحق وعدم العصمة ظاهر الامتناع.
وقد نص الله ﵎ في كتابه على أنه خلق الناس على الهيئة التي ترشحهم لمعرفة الحق. قال الله تعالى: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» سورة الروم: ٣٠
وعدم العلم إنما هو لأمرين:
الأول: ما يطرأ على الفطرة مما يغشاها فيصرف عن مراعاتها، وفي (الصحيحين) من طرق عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﵌: ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهو دانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبوهريرة: وأقرءوا إن شئتم «فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ» الآية» . لفظ مسلم من الحديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
الثاني: الإعراض عما أعده الله تعالى لجلاء الفطرة عن تلك الغواشي وهو الشرع، قال الله ﵎: «وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ» خواتيم الشورى.
هذا، وقد أرسل الله ﵎ رسله، وأنزل كتبه، وفرض شرائعه، معرضًا
[ ٤٠ ]
عن علم الكلام والفلسفة، فأرسل محمدًا ﵌ إلى الناس، واختار أن يكون أول من يدعى إلى الحق العرب الأمين، وكلفهم بالنظر والأيمان، وقبل أيمان من آمن منهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس، وبأنهم هم المؤمنون حقًا وقضى بقيام الحجة على من كفر منهم، ولم يكن فيهم أثر لعلم الكلام ولا الفلسفة، ولا أرشدهم الشرع إلى تحصيل ذلك بل حذرهم منه، هذه سورة (الفاتحة) أعظم سورة في أعظم كتاب أنزله الله ﵎، فرض الله سبحانه على العباد قراءتها في كل يوم بضع عشرة مرة وفيها «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ» .
ومعلوم من أمره إياهم بسؤال الهداية إلى هذا دون ذاك أنه يأمرهم بلزوم هذا واجتناب ذاك والمنعم عليهم هم الأنبياء ومن اهتدى بهديهم، فهم من هذه الأمة محمد - ﷺ - وخيار أصحابه ومن اهتدى بهديهم ممن بعدهم.
ولا خفاء أن المأخذين السلفيين هما صراط هؤلاء، وأن علم الكلام والفلسفة ليسا من صراطهم، وقد صح عن النبي - ﷺ - تفسير «المغضوب عليهم والضالين» باليهود والنصارى، لا خفاء أن موسى وعيسى ﵉ ومن كان على هديهما هم من المنعم عليهم، وإنما وقع الغضب والضلال على اليهود والنصارى الذين خالفوا هدي موسى وعيسى وأصحابهم وأتباعهم المهتدين بهديهم، وكان من تلك المخالفة الأخذ في علم الكلام والفلسفة إتباعًا لصراط الأمم التي هي أو غل في الضلال كاليونان والرومان. (١) فمن الواضح الذي لا يخفى على أحد أن علم الكلام والفلسفة ليسا من صراط المنعم عليهم بل هما من صراط المغضوب عليهم والضالين. فثبت بهذا أوضح ثبوت أن الشرع لم يقتصر عن الإعراض عن علم الكلام والفلسفة، بل حذر منهما
_________________
(١) والهند والفرس بل أن الهند والفرس أعرق بالفلسفة من الرومان، إنما أشتهر الرومان بنظام الدولة ووضع القانون المدني لها. م ع.
[ ٤١ ]