الدين فتكون إجماعًا، وإما أن لا يظهر فيها مخالفة إلا ممن يشذ فيكون إتباع الجمهور المعلوم انهم إنما يتبعون كتاب الله تعالى وسنة رسوله أخذًا بالراجح الواضح.
وهذا إنما يحتاج إليه في فروع العقائد التي لا يضر عدم استيقانها، هذا مه أنه يسهل على العلماء أن يذكروا للعامة الحجة النقلية فيفهمها العامة فيكون متبعين للشرع، وبذلك تطمئن قلوبهم، ويزيد إيمانهم، ويعظم ثوابهم. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وأما القادحون في الجميع فهم السوفسطائية، وهم ثلاثة فرق، أمثلها وأفضلها كما في (المواقف) و(شرحها) اللا أدرية يشكون في كل شيء.
الثانية: العنادية يزعمون أن لا موجود أصلًا.
الثالثة: العندية يقولون: حقائق الأشياء تابعة للاعتقاد، فمذهب كل طائفة حق بالنظر إليهم، وليس في نفس الأمر شيء بحق.
قال السيد في (شرح المواقف): «إنما نشأ هذا من الإشكالات المتعارضة وبالجملة ما من قضية بديهية أو نظرية إلا ولها معارضة مثلها في القوة تقاومها» .
أقول: فيعلم بهذا أن طريق المتعمقين مشتبه موقعه في كثرة الخطأ والغلط والاختلاف والارتياب والجنون، وحق لمن رغب عن سبيل الله ﷿ وابتغى الهدى في غيرها أن يقع في مثل هذا التيه.
وأما القادحون في إفادة النظر العلم مطلقًا فهم السمنية، وتمسكوا بوجوه سأحاول حكاية بعضها، وما أجيب به عنها بالمعنى تقريبًا للفهم.
الوجه الأول: إفادة النظر الصحيح للعلم لا تعلم إذ لوعلمت فإما بضرورة أو نظر وكلاهما باطل، أما الضرورة فلاختلاف الناس في ذلك وللجزم بأنه دون قولنا «الواحد نصف الاثنين» في القوة وليس ذلك إلا لاحتمال النقيض ولو على أبعد
[ ٥٧ ]
وجه، وأما النظر فلاستلزامه إثبات الشيء بنفسه.
أجاب بعضهم باختيار الضرورة، وأن الضروري قد لا يكون تصور طرفيه جليًا ولا تجريدها سهلًا، ولا يكثر وروده على الذهن فيؤلف ويستأنس به، فمثل هذا قد يخالف فيه قليل من الناس، ويدرك أنه دون قولنا «الواحد نصف الاثنين» وذلك لا يخرجه عن كونه ضروريًا. واختار بعضهم النظر، وأجابوا بما فيه طول وتعقيد، فراجعه في (المواقف) و(شرحها)، لما قدمناه في أول الكلام مع منكري البديهيات.
الأمر الثاني (١): الاعتقاد الجازم عقب النظر لا يعلم أنه علم لأنه لا يعلم إلا بضرورة أو نظر وكلاهما باطل، أما الضرورة فلأنه «قد يظهر للناظر بعد مدة بطلان ما أعتقده وأنه لم يكن علمًا وحقًا، وكذلك نقل المذاهب ودلائلها لما مر من أنه قد يظهر صحة ما أعتقد بطلانه وبالعكس» كذا في (المواقف) و(شرحها) .
وأما النظر فلاحتياجة إلى نظر آخر ويتسلسل.
أجاب العضد بقوله: (الذي يظهر خطاؤه لا يكون نظرًا صحيحًا والنزاع إنما وقع فيه» .
الأمر الثالث: النظر لا يفيد العلم إلا إذا علم عدم المعارض إذ معه يحصل التوقف «وعدمه ليس ضروريًا إلا لم وإلا لم يقع المعارض، أي لم ينكشف وجود بعد النظر، وكثيرًا ما ينكشف فهو نظري، ويحتاج إلى نظر آخر وهو أيضًا محتمل لقيام المعارض ويتسلل»، كذا في (المواقف) و(شرحها) .
أجاب العضد بقوله: «النظر صحيح في المقدمات القطعية كما يفيد العلم بحقية النتيجة يفيد العلم بعدم المعارض في نفش الأمر ضروري» .
_________________
(١) كذا الأصل. وقد سبق أنه قال «الوجه الأول» فالنظر يقتضي أن يقول هنا «الوجه الثاني» وكذا في بقية الأمور الباقية. ن
[ ٥٨ ]
الأمر الرابع: الاعتقاد الجازم قد يكون علمًا لكونه مطابقًا مستندًا لموجب، وقد يكون جهلًا لكونه غير مطابق مستندًا إلى شبهة أو تقليد، فلا يمكن التمييز بينهما، فإذًا ماذا يؤمننا أن يكون الحاصل عقيب النظر جهلًا؟» . لخصت هذه العبارة من (المواقف) و(شرحها) .
قال العضد: «هذا إنما يلزم المعتزلة القائلين بمماثلة الجهل للعلم» .
قال الشارح: «أما نحن (أي الأشعرية) فنقول: إذا حصل للناطر العلم بالمقدمات الصادقة القطعية وبترتيبها المفضي إلى المطلوب فإنه يعلم بالبديهة أن اللازم عنه علم لا جهل» .
أقول: إذا كان القادحون يسلمون إمكان علم الناظر بأن نظره صحيح علمًا يقينيًا باتًا فلا ريب في سقوط شبهاتهم هذه والسبع الباقية المذكورة قي (المواقف)، وإن كانوا يمنعون ذلك ويقولون: غايته أن يجزم، وهذا الجزم لا يوثق به، فكلامهم قوي بالنسبة إلى النظر المتعمق فيه في ونحوها، وليس فيما أجيب به عن ذلك ما يجدي، إذا غايته أنه إذا علمت صحة النظر علمًا يقينيًا باتًا حصل العلم بأن ذلك علم، وحصل العلم بعدم المعارض، وحصل الأمن من أن يكون الاعتقاد جهلًا، وهذا إنما يفيد إذا ثبت إمكان العلم اليقيني البات بصحة النظر، فيبقى البحث في هذا الإمكان، ولا ريب أنه ليس عند الناظر في النظر المتعمق فيه الإلهيات ونحوها إلا جزمه بالصحة أن صدق في دعوى الجزم، وهذا الجزم قد ثبت بالتجارب الكثيرة والدلائل الواضحة أن مثله كثيرًا ما يكون
خطأ وغلطا، واعترف المتعمقون بذلك كما مر مرارًا، وإذا احتمل ولوعلى غاية البعد أن يكون الجزم خطأ لم يكن الجزم بصحة النظر علمًا بصحته، ولا الجزم بإفادته العلم علمًا بذلك، ولا الجزم بأن ما أفاده علم علمًا بذلك، ولا الجزم بعد المعارض علمًا بعدمه، ولا يحصل الأمن من أن يكون كل ذلك جهلًا.
فإن قيل: إننا نقطع مع هذه الشبهات كلها بأن من النظار ما هو صحيح.
[ ٥٩ ]
قلت: إن كان المراد الصحة في الجملة أي أن يمتنع أن تكون النظار كلها فاسدة، فهذا لا يجدي في الأنظار الجزئية واحدًا واحدًا، وإنما يفيد في كل منها الاحتمال، فكل نظر يجزم بصحته فإنه يحتمل أن يكون فاسدًا في نفس الأمر، ولا ينافي ذلك امتناع أن يعم الفساد جميع الأنظار. وإن كان المراد القطع في بعض الأنظار بعينها فهذا لا يسلم بالنسبة إلى النظر المتعمق فيه في الإلهيات ونحوها، وإنما غاية ما يحصل لكم في ذلك الجزم وقد علمتم ما فيه، وإنما يسلم في القضايا السهلة الواضحة التي تؤول إلى البديهيات المتفق عليها عن قرب، نعم قد يحصل القطع بالأمر لدليل آخر غير النظر الدقيق، كاجتماع أدلة يحصل اليقين بمجموعها، وكأن تكون القضية بديهية قوية وهي في الدين ويقرها الشرع، وكأن يصرح بها الشرع تصريحًا لا يمكن تأو بله إلا بجملة على الكذب أو التلبيس - وسيأتي شرح هذا إن شاء الله تعالى - لكن اليقين بهذه القضايا لا يستلزم صحة نظر دقيق يوافقها بنتيجته إذ قدح تصح النتيجة مع الفساد النظر كما لوأشرت إلى جسم أبيض وقلت: هذا جسم وكل جسم أبيض، فإن النتيجة «هذا أبيض» وهي صادقة، والنظر فاسد كما لا يخفى.
وأما القادحون في النظر في الإلهيات فقالوا: إن النظر إنما قد يفيد العلم في الهندسيات والحسأبيات، دون الإلهيات، فإنها بعيدة عن الأذهان جدًا، والغية القصوى فيها الظن والأخذ بالأخرى والأخلق، وأحتجوا بوجهين:
الأول الحقائق الإلهية من ذاته وصفاته سلا تتصور، والتصديق بها فرع التصور.
الثاني، أقرب الأشياء إلى الإنسان هو يته التي يشير إليها بقوله: «أنا» وإنها غير معلومة - لا من حيث وجودها فإنه لا خلاف فيه - بل من حيث تصورها بكنهها، ومن حيث التصديق بأحوالها من لونها عرضًا أو جوهرًا، مجردًا أو جسمانيًا، منقسمًا أو غير منقسم، وقد كثر الخلاف فيها كثرة لا يمكن معها الجزم بشيء من الأقوال المختلفة، وإذا كان اقرب الأشياء إلى الإنسان هذا حاله فما الظن بأبعدها؟ ذكر هذا كله في (المواقف) ثم ذكر أنه أجيب عن الوجه الأول بأنه يكفي التصور
[ ٦٠ ]
بعارض يكون هو مناط الحكم، وعن الثاني بقوله: «لا نسلم أن هو ية الإنسان غير معلومة له، وكثرة الخلاف فيها لا تدل إلا على العسر» قال السيد في (شرحه): «فلم يثبت بما ذكرتم أن هناك نظرًا صحيحًا لا يفيد علمًا، بل ثبت أن تميز النظر الصحيح عن غيره «في شأن الهو ية» مشكل جدًا فيكون ذلك في الإلهيات أشكل، ولا نزاع فيه» .
أقول: الذي يظهر من كلام القادحين وما استدلوا به أنهم لم يزعموا أن النظر الصحيح في الإلهيات لا يترتب عليه نتيجة صادقة، ولا انه لا يمكن فيها نظر صحيح في نفس الأمر، وانما زعموا انه لا يمتاز فيها النظر الصحيح من غيره لشدة البعض والغموض والاشتباه والأشكال، فلذلك لا تعلم صحة النظر علمًا يوثق به، فلا تعلم صحة النتيجة، فلا يفيد علمًا، وعلى هذا فلهم أن يقولوا، التصور بعارض يكون هو مناط الحكم محل غموض واشتباه شديد لاحتمال مخالفة الإلهيات لغيرها في العوارض وما يترتب عليها، والعسر وشدة إشكال تمييز النظر الصحيح من غيره في شأن الهو ية وكونه في الإلهيات أشد وأشد كاف في القدح، إذ غاية ما قد يحصل للناظر أن يجزم، وقد تقدم مرارًا أن الجزم كثيرًا ما يكون خطأ وغلطًا. إذا كان قد يقع ذلك في الحسيات ونحوها، فما الظن بما هو من البعد والإشكال بالدرجة القصوى؟
هذا ويرد على القادحين أن من أحوال الإلهيات ما هو على خلاف ما ذكروا كالعلم بوجود الخالق ﷿، وبأنه حي عليم قدير حكيم، لكن لهم أن يقولوا، أما ما كان من هذا القبيل فهو من الضروريات كعلم الإنسان بوجود هو يته وبعض صفاتها أو أوضح من ذلك، وإنما دخل التشكل من جهة النظر المتعمق فيه، وتجاهل وهنه، حتى جر أصحابه إلى إنكار الضروريات كما وقع للسوفسطائيين وغيرهم.
أقول: فعلى هذا يختص القدح بالنظر المتعمق فيه. فأما السلفيون فإنما يعتمدون المأخذ السلفي الأول لاثبات جلائل الأمور التي أعده الخالق ﷿ لإدراكها، وبذلك يثبت الشرع يقينًا فيسلمون أنفسهم لخبر من يمتنع عليه الجهل والخطأ
[ ٦١ ]