سودده» . وقال: «حدثنا علي (١) قال: ثنا أبوصالح قال ثنا معاوية عن علي عن إسماعيل عن ابن عباس في قوله: «الصمد»، يقول: السيد الذي كمل في سودده والشريف الذي قد كمل شرفه والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفته التي لا تنبغي إلا له» .
والسند عن أبي وائل فيه الأعمش، وهو مدلس مشهور بالتدليس، وربما دلس عن الضعفاء، (٢) والسند عن ابن عباس فيه كلام وهو مع ذلك منقطع، علي ابن أبي
_________________
(١) علي هو ابن داود بن يزيد التميمي القنطري من شيوخ ابن جرير ومن تلاميذ أبي صالح عبد الله ابن صالح كاتب الليث بن سعيد عن معاوية بن صالح الحضرمي عن على بن أبي طلحة الوالي عن ابن عباس ﵁. م ع قلت: القنطري هذا ثقة صدوق، ولم يتفرد به. فقد قال ابن أبي حاتم في «تفسيره» حدثنا أبي ثنا أبوصالح به. كما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في «تفسير سورة الإخلاص» ص ٥، لكن السند فيه ضعف وانقطاع كما يأتي عن المصنف رحمه الله تعالى. ن
(٢) رواية الأعمش عن أبي وائل معتمدة في «الصحيحين» لاختصاصه به، فلا يضره وجود شيء من التدليس في غير روايته عن أبي زائل، ولو تنطعنا في رد رواية رمى بشيء من التدليس لرددنا رواية كثير من الأئمة كمالك والثوري وغيرهما، راجع رسالة الحافظ ابن حجر في مراتب المدلسين. وأما رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فأقصى ما يكون من أمرها أخذها عن مجاهد وابن جبير وهما من خيار ثقات أصحاب ابن عباس، فاستندت إلى أقوى ركنين من أركان الرواة عن ابن عباس فزادت قوة بما يظن أنه يوهنها، ولذلك اعتمدها أئمة التفسير المأثور كابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما. والله أعلم. م ع قلت: ما ذكر فضيلته في رواية الأعمش عن أبي وائل وجيه، وكذلك رواية علي عن ابن عباس، إن ثبت أن بينهما مجاهد وسعيد، ولكن أين السند بذلك؟ وما ذكره من =
[ ١٣٩ ]
طلحة أجمع الحفاظ كما في (الإتقان) عن الخليلي على أنه لم يسمع من ابن عباس، وقال بعضهم: إنما يروي عنه بواسطة مجاهد أوسعيد بن جبير.
ولا دليل على أنه لا يروي عنه بواسطة غيرهما، والثابت عنهما في تفسير الصمد خلاف هذا كما مر، لكن ابن جرير قال: «الصمد عند العرب هو السيد الذي يصمد إليه الذي لا أحد فوقه، وبذلك تسمى به أشرافها ومنه قول الشاعر:
ألا بكر الناعي بخيري بني أسد بعمروبن مسعود وبالسيد الصمد
وقال الزبرقان: ولا رهينة إلا سيد صمد.
فإذا كان ذلك كذلك فالذي هو أولى بتأويل الكلمة المعنى المعروف من كلام من نزل القرآن بلسانه، ولوكان حديث ابن بريدة صحيحًا كان أولى الأقوال بالصحة لأن رسول الله ﵌ أعلم بما عنى الله جل ثناؤه وبما أنزل عليه.
أقول: الذي يدل عليه البيتان مع مراعاة الاشتقاق أن «صمد» بمعنى: مصمود
_________________
(١) = اعتماد ابن جرير وابن أبي حاتم لروايته عن ابن عباس، فيه نظر، فإن مجرد الاعتماد على الرواية لا يدل على ثبوت إسنادها، لجواز أن يكون هناك ما يشهد لها من سياق أوسبب نزول، وأو غير ذلك، مما يسوغ به الاعتماد على الرواية مع كون إسنادها في نفسه ضعيفًا. على أنه ليس من السهل إثبات أن الإمامين المذكورين اعتمدا هذه الرواية في كل متونها، الله إلا إن كان المقصود بالاعتماد المذكور إنما هو اخراجهما لها، وعدم الطعن فيها، وحينئذ، فلا حجة لثبوت اخراجهما لكثير من الروايات بالأسانيد الضعيفة، وقد ذكرت بعض الأمثلة على ذلك من رواية ابن أبي حاتم في بعض تأليفي، منها قصة نظر داود ﵇ إلى المرأة وافتتانه بها وقصة هاروت وماروت، وقد خرجتهما في «سلسة الأحاديث الضعيفة» برقم (٣١٤ / ١٧٠) . على أنه لو سلمنا بما ذكر فضيلته من الاتصال، فلا يسلم السند إلى علي من كلام كما ذكره المصنف، مشيرًا بذلك إلى الضعف الذي عرف صالح كاتب الليث، ففي «التقريب»: «صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة» . ن
[ ١٤٠ ]
إليه كثيرًا، فأما زيادة «الذي لا أحد فوقه» فتؤخذ في الآية من القصر الذي يقتضيه تعريف الجزئين. وهذا المعنى وإن كان كأنه أشهر في العربية فالمعنى الأول معروف فيها، والاشتقاق يساعد المعنيين، وفي (اللسان): «قال أبو عمرو: الصمد من الرجال الذي لا يعطش ولا يجوع في الحرب وأنشد:
وسارية فوقها أسود بكفي سبتني ذفيف صمد
(السارية) الجبل المرتفع الذاهب في السماء كأنه عمود، والأسود العلم بكف رجل شجاع» .
أقول: وهذا على المبالغة أي كأنه لا جوف له فيجوع ويظمأ. وكفى دلالة على صحة المعنى الأول ثبوت القول به من أئمة التابعين، ثم هو الأوضح مناسبة للسياق وسبب النزول. وذهب بعض الأجلة (١) إلى تصحيح كلا المعنيين. وهذا إما مبني
_________________
(١) كأنه يعني به شيخ الإسلام ابن تيمية في «تفسير سورة الإخلاص» له. وتصحيحه للمعاني الواردة على أئمة المفسرين من الصحابة والتابعين ليس من باب استعمال المشترك في معنيه أو معانيه ولا من باب التخيير الإباحي ولكنه ﵁ صححها كلها لأنها متلازمة، ولك معنى منها وجه من وجوه معنى الصمد، فالسيد الذي كمل في سؤدده وعلمه وحلمه وحكمته وغناه هو الذي استغنى عن الطعام والشراب، وتعالى عن الجوف والبطن والمعدة والأمعاء. وشيخ الإسلام يرى فيما نقل من أقوال السلف في التفسير أنها متلازمة متشابهة لا اختلاف فيها، وكثير منها بل أكثرها من باب التمثيل وتقريب المعنى، ويذكر وجه من وجوهه ونوع من انواعه، كما لوسألك أعجمي عن الخبز فأشرت إلى رغيف وقلت له هذا، وأشار إلى رغيف بشكل آخر، وقال: الخبز هذا، وأشار ثالث إلى فطير أو بقسماط أو بقلاوة، وقال: مثل هذا، فتجمع هذه التفاسير عند الأعجمي على معنى كلي أنه ما صنع من دقيق الحب، ولوتنوعت كيفيات الصناعة، فكلها خبز أو من نوع الخبز أو شبيه به وحينئذ فلا تعارض ولا تناقض. وكذلك إذا تأملنا تفاسير السلف للصمد وجدناها متلازمة يشرح بعضها بعضًا ويبني بعضها بعضًا تجتمع كلها على إثبات عظمة الله وتنزيهه عن النقائص. والله أعلم. م ع
[ ١٤١ ]
على صحة استعمال اللفظ المشترك في معنييه معًا، وإما على ما يشبه التخيير الإباحي، كأنه قيل: من فهم هذا وبنى عليه فقد أصاب، ومن فهم هذا وبنى عليه فقد أصاب.
والمتكلمون يقولون: إن المعنى الأول محال على الله ﷿، لأن ذلك من صفات الأجسام، ولا شأن لنا الآن بهم، وإنما الكلام ههنا فيما فهمه المخاطبون الأولون، وقد سمعت قول كبار التابعين المروي عن بعض الصحابة، ومن الواضح أنه لا ينافي المعناي التي ينكرها المتعمقون من آيات الصفات وأحاديثها، وكذلك المعنى الثاني لا ينافيها وإنما حاصلة أن الله سبحانه هو الذي يعمد إلى الخلق فيما قصده فيما يهمهم، وحاصلة أنه سبحانه المنفرد بالربوبية واستحقاق الألوهية، «ومن لوازم ذلك نفي النقائض عنه» . (١)
قوله تعالى: «لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ» واضح ليس فيه ما ينافي تلك المعاني.
قوله سبحانه: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ» مر في حديث أبي العالية: «ولم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء» وأخرج ابن جرير من نسخة على بن أبي طلحة عن ابن عباس: «ليس كمثله شيء فسبحان الله الواحد القهار» وأخرج من وجه صحيح عن مجاهد قال: «صاحبة»، والمعنى الأول متضمن للثاني، والمنفي ههنا هو الكفء، والمشاركة الإجمالية في الوجود والعالمية والقادرية وغيرها ليست مكافاة إذ الواقع «في الوجود» (١) إنما هو وجود ذاتي واجب كامل، ووجود مستفاد ممكن ناقص، وقس على ذلك، فلوفرض أن تلك المشاركة يصح عليها مشابهة، فالمنفي هنا هو الشبيه المكافئ، فليس في هذا أيضًا ما ينافي المعاني التي ينكرها المتعمقون.
_________________
(١) زيادة من فضيلة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة. ن
[ ١٤٢ ]