الذات كانت شبيه بهذا المحسوسات فيلزم الافتقار. فأما من وفقه الله ﷿ فإنه لا يعدم مخلصًا، وأم المخذول فإنه يرى أنه مضطرًا إلى نفي الأمر، ثم يعمد الشيطان إلى أمر آخر فيقول: وهذا كالأول، وهكذا حتى يأتي على عامة تلك الأمور، ومنها لوازم الوجود فلا يبقى للإنسان إلا اعتقاد وجود يعتقد انتفاء لوازمه. وقد لا يكتفي الشيطان منه بهذا، بل يقول له: وكيف تعقل مثل هذا؟ وما تظنه حجة على الوجود قد جربت أمثاله في تلك الأمور، فليس هناك حجة، وإنما هي شبهات نسجتها الأوهام والأغراض في العصور المظلمة، فكن حر الفكر، قوي الإرادة، وخلص نفسك من تلك القيود والأغلال، فإنك في عصر العلم! (١)
فهذه هي الحقيقة والغاية لتلك الوحدة التي موه ابن سينا عبارته عنها، فإنه يزعم أن ذات الله ﷿ ليست منفصلة عن العالم ولا متصلة به، ليست خارجة عنه ولا هي فيه، ليست مباينة له ولا محاثيه (٢)، لم توجد الذوات الأخرى حين وجدت خارج ذات الله ﷿ قريبًا أو بعيدًا ولا داخل ذاته. والمتكلمون وافق أكثرهم ابن سينا على هذا الأصل، ثم يقع الخلاف في التفريع فابن سينا وموافقوه يقولون: لا قدرة لله ﷿ ولا إرادة ولا علم بالجزئيات، واستحيا بعضهم فقال: يعلم ذاته، وعندهم أنه لا شأن لله ﷿ بخلق ولا تقدير ولا اختيار ولا تدبير، بل عندهم أنه سبحانه ليس برب للعالم، وإنما هو السبب الأول لوجوده في الجملة، وذلك أن
_________________
(١) واستعذ بالله من تلك الوساوس كما أرشد إلى ذلك الحديث وادع لها بالدعاء المأثور: «اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما له يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك انك تهدي من تشاء إلى صراط المستقيم» . وآثر عن الشيخ ابن تيمية ﵀ أنه كان إذا أشكلت عليه مسالة توجه إلى الله تعالى وقال: يا معلم إبراهيم أهدني إليها. فيفتح عليه بها الفتاح العليم. م ع
(٢) ضد مباينة أي يوجد والكلمة مشتقة من (حيث) ظرف المكان، كما يقال: جلست حيث يجلس القاضي مثلًا.
[ ١٣٣ ]
أصول الموجودات عندهم أشياء قديمة:
أحدها: وجود محض هو عندهم الواجب لذاته، أو قل: «الله» .
الثاني شيء نشأ عن الأول بدون قدرة للأول ولا إرادة ولا علم! ويسمون هذا الثاني «العقل الأول» قالوا ونشأ عن العقل الأول عقل ثان ونفس وفلك وهكذا إلى عشرة عقول وتسع أنفس وتسعة أفلاك! قالوا والعقل العاشر هو العقل الفعال وهو المدبر للعالم السلفي بواسطة الكواكب وتغير مواضعها. وشأن عندهم لله تعالى بالموجودات البتة خلا أنه كان في القدم سببًا محضًا لوجود العقل الأول بدون قدرة ولا إرادة ولا اختيار ولا علم! (١) ومن تدبر هذا علم أن البعوضة تملك من العلم والقدرة والإرادة والاختيار والتصرف مالا يسمحون لله ﷿ بلمك عشر معشاره! تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. هذا مع ما في ترتيبهم المذكور على أصولهم فضلًا عن غير الاختلال، بل هو هو س يخجل العاقل من نسبة القول به إلى من يشاركه في الانسانية!
وقولهم: إن ذات الواجب وجود محض. أو رد عليه أن الوجود عندهم من المعقولات الثانية وهي عندهم أمور معدومة. فعلى هذا تكون ذاته عندهم عدمًا، والعدم لا يكون سببًا لوجود. أجاب بعضهم بأن الوجود الذي هو ذات الواجب في زعمهم وجود خاص وهو موجود وإنما المعدوم الوجود المتعارف، قالوا: والداعي لهم إلى القول بأن ذات الواجب وجود خاص أنها لوكانت شيئًا آخر احتاجت إلى ما يفيدها الوجود، فإن كان غيرها كانت ممكنة، أو بلسان الجمهور كانت هي أو جدت نفسها فهذا محال. وقد أطال المتكلمون البحث في هذا. ويمكن أن يقال على وجه الالزام: ذاك الوجود الخاص إن لم يكن متصفًا بهذا الوجود المتعارف، اتصف ضرورة بنقيضه وهو العدم، والمعدوم مفتقر في أن
_________________
(١) بل بطريق التولد وقد أوضح شيخ الإسلام الرد عليهم في تفسير سورة (الإخلاص) وأن ذلك من نوع نسبة الولد إلى الله تعالى التي نقته السورة المذكورة. م ع
[ ١٣٤ ]
يوجد إلى غيره حتمًا، وإن كان متصفًا به وقعتم فيما فررتم منه.
وفي (حواشي عبد الحكيم) على (شرح المواقف): «الصواب عندي أن لا إيجاد ههنا بل هو اقتضاء الماهية للوجود، والمقتضي لا يلزم أن يكون موجدًا، ألا ترى أن الماهيات مقتضية للوازمها وليست فاعلة لها كيف والإيجاد الخارجي لابد له من موجود وموجد في الخارج، وليس في الخارج ههنا إلا الماهية المقتضية للوجود، واعتبار التعدد فيها باعتبار أنها من حيث هي موجد ومن حيث الاتصاف بالوجود موجد إنما هو في الذهن» . (١)
أقول: فمن فهم هذا وقنع به فذاك، وإلا فينبغي أن يدع التعمق ويرجع إلى اليقين وهو أن الله ﷿ هو الحق الذي لم يزل، وأنه خالق كل شيء، وليستعذ بالله ولينته (٢) .
_________________
(١) أقول: وهذا الهوس نظير ما في الحديث من وسوسة الشيطان بقوله: هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله؟. وعلاجه الاستعاذة بالله واللجوء إلى طب الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. م ع
(٢) وليحمد الله أن عافاه من تفكير يؤدي إلى أن الله موجد - بتفج الجيم - في الذهن، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا - فإن ابتليت من هذا الهو س فخدر نفسك من الجهل والغباوة والاشتغال بشيء من علوم الدنيا فلك وجبر وهندسة حتى تصحومن تلك السكرة ثم ابتدئ التفكير والنظر بأسلوب الأنبياء والصديقين وخذه من القرآن والحديث، وسيرة الرسول وخلفائه وسلف الأمة وسر في ركابهم واربط رقبتك في عجلتهم وتلمس غبار غبار قافلتهم، فإن نازعتك نفسك الا البحث الضيق فزج بها في أحضان علوم الكون والخليقة من فلك وطب وزراعة وسياسة واجتماع وصناعة فهي بحار تكفي لسباحة السابحين وخوض الخائضين، والغرق فيها مأمون العاقبة لا يخشى عليه الهلاك الأبدي والكفر بالله تعالى، بل أما انقاذ إلى شاطئ الحياة الدنيا، أو الموت على الإسلام شهيدًا أو قريبًا من صفوف الشهداء، ببركة البعد عن شكوك الشاكين في الله تعالى، وببركة السير على صراط أنبياء الله ورسله والصديقين والصالحين من عباده وحسن أولئك رفيقًا. م ع
[ ١٣٥ ]