القرون (١) قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» . في أحاديث كثيرة في أفضلية الصحابة وكمال إيمانهم ثم إتباعهم، ولا خفاء أنه لم يكن إذا ذاك عند المسلمين خير لعلم الكلام ولا الفلسفة، وأنه لما حدث بعض النظر في الكلام كان بقايا الصحابة ثم أئمة التابعين ينكرونه، وهكذا لم يزل علماء الدين العارفون بالكتاب والسنة المتحققون بأتباع السلف ينكرون الكلام والفلسفة، ويشددون على من ينظر فيهما إلى أن قل العلماء وفشت الفتنة.
وبالجملة فشهادة الإسلام بكفاية المأخذين السلفيين في العقائد وتحذيره مما عداهما بغاية البيان، ودلالة العقل بذلك واضحة والله المستعان. فهل يسوغ مع هذا المسلم أن يرضى طعن الكورثي في أئمة السنة باقتباسهم العقائد من المأخذين السلفيين وردهم ما يخالف ذلك.! كقوله ص ١١٥ في الإمام ابن الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم: «وقد ذكر في كتاب (الرد على الجهمية) ما يدل على ما أصيب به عقله وهو الذي اعترف أنه يجهل علم الكلام ومع ذلك تراه يدخل في مضايق علم أصول الدين » .
وقال ١٥١ في الإمام ابن الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل: «وعبد الله بن أحمد صاحب كتاب (السنة)، وما حواه كتابه هذا كافة في معرفة الرجل، ومثله لا يصدق في أبي حنيفة » .
وقوله ص ١٦ في الامام الجليل عثمان بن سعيد الدارمي: «عثمان بن سعيد في السند هو صاحب (النقض) (كتاب الرد على الجهمية) مجسم مكشوف الأمر يعادي أئمة التنزيه ومثله يكون جاهلًا بالله سبحانه» .
_________________
(١) هكذا أشتهر الحديث عن اللسنة، وقد أخرجاه في «الصحيحين» من حديث ابن مسعود وعمران بن حصين، ومسلم عن أبي هريرة س، وعائشة، ولفظ حديثها وحديث ابن مسعود «خير الناس قرني » ولفظ عمران وأبي هريرة «خير أمتي قرني» . ن
[ ٤٣ ]
وقوله ص ١٩ في الامام الشهير محمد بن إسحاق بن خزيمة: «واعتقاد ابن خزيمة يظهر من كتاب (التوحيد) وعنه يقول صاحب (التفسير الكبير) إنه كتاب الشرك. فلا حب ولا كرامة» .
ويتتبع أصحاب الإمام طاعنًا في اعتقادهم يُسِرّحَسْوا في ارتغاء، يقصد الطعن في الإمام أحمد، بل رمز في بعض المواضع إلى الطعن في الإمام أحمد بما هو أصرح من هذا، وطعن ص ٥ في رواة السنة وفي أئمتها الذيم امتحنهم المأمون وآله فقال: «وكانت فلتات تصدر من شيوخهم في الله سبحانه وصفاته بما ينبذه الشرع (الفلسفي) والعقل (الجهمي) في آن واحد، فرأى المأمون امتحان المحدثين والرواة في مسألة كان يراها من أجلى المسائل ليوقفهم موقف التروي فيما يرون ويروون، فأخذهم في مسألة القرآن، ويدعوهم إلى القول بخلق القرآن فمنهم من أجاب مرغمًا من غير أن يعقل المعنى، ومنهم من تورع من الخوض فيما لم يخض فيه السلف» .
ولا ذنب لهؤلاء الأئمة إلا أنهم آمنوا بالله ورسوله وصدقوا كتاب الله وسنة رسوله، ولم يلتفتوا إلى ما زعمه غيرهم أنه لا يوثق بالفطرة والعقل إلا بعد إتقان علم الكلام والفلسفة، وأن النصوص الشرعية من كلام الله تعالى وكلام رسوله لا تصلح حجة في العقائد لأنها لا تفيد اليقين كما في (المواقف) وشرحها في أواخر الموقف الأول: «الدلائل النقلية هل تفيد اليقين؟ وقيل لا تفيد، وهو مذهب المعتزلة وجمهور الأشاعرة،.. وقد جزم الإمام الرازي بأنه لا يجوز التمسك بالأدلة النقلية» .
فلو أن الطاعن في أئمة السنة طعن فيهم من جهة العقل ساكتًا عن الدين لكان الخطب أيسر إذ يقال: إنه لم يتناقض بل غاية أمره أنه سكت عن الطعن في القرآن والنبي اكتفاء بما يلزم منه ذلك، فأما الطاعن فيهم من جهة الدين، فينبسهم إلى الزيغ والبدعة، والجهل بعقائد الإسلام، فلا يخفى كذبه على عارف. والله المستعان.
[ ٤٤ ]