عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ»، قال الله تعالى: «قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ» الأنعام: ٩١ حمل اللجاج ذلك اليهودي على أن جحد أساس دينه على حد قول الشاعر
اقتلوني ومالكًا واقتلوا مالكًا معي
وفي (جامع الترمذي) و(تفسير ابن جرير) وغيرهما بسند رجاله رجال (الصحيح) (١) .
عن ناجية بن كعب قال: «قال أبو جهل للنبي - ﷺ -: إنا لا نكذبك،
_________________
(١) = واعتراف جمهور الناس بذلك من يهود ونصارى وعرب وعجم. أفاده المحقق ابن القيم في بعض كتبه. م ع يقول المؤلف: جمهور المفسرين على أن القائلين بعض اليهود، وهو المنقول عن ابن عباس من رواية على بن أبي طلجة، وسيأتي في تفسير (قل هو الله أحد) رأي الشيخ في روايته، وعن عكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بع كعب القرضي والسدي وغيرهم، ويعنيه ويكاد قوله تعالى «تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرًا منها» هكذا قرأها جمهور القراء وقرأها ابن كثير وأبوعمروبالياء على الالتفات، وأما القول بأن القائلين من قريش فنقل عن مجاهد واختاره ابن جرير وقال: «والأصوب من القراءة في قوله (يجعلونه قراطيس ببدونها ويخفون كثيرًا) أن يكون بالياء لا بالتاء» كذا قال، واستبعاد أن يقول بعض اليهود ذاك القول ليس في محله لأن اليهود بهت وقد قالوا «يد الله مغلولة» وقالوا «إن الله فقير ونحن أغنياء» قاتلهم الله أنا يؤفكون، وأما السياق والأسلوب فلا يقاوم دلالة «تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرًا منها» . على أنه لا مانع من الجمع بين الوجهين، القاتل من اليهود، وقريش توافقه على ذاك القول.والله أعلم.
(٢) قلت: لكن هذا السند ينتهي إلى ناجية بن كعب، وهو تابعي يروي عن علي، فالقصة مرسلة، بيد أن الترمذي قد وصله في إحدى رواياته وكذا الحاكم (٢ / ٣١٥) عنه عن علي. وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين» . وأقره ابن كثير، ورده الذهبي في «التلخيص» بقوله: =
[ ٩٥ ]
ولكن نكذب الذي جئت به» . وفي رواية: «ما نتهمك ولكن نتهم الذي جئت به» . وفي (تفسير ابن جرير) وغيره عن السدي قصة وقعت قبيل بدر وفيها: «فخلا الأخنس بأبي جهل فقال: يا أبا الحكم فقال أبو جهل: ويحك، والله إن محمدًا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة فماذا يكون لسائر قريش» .
وأما بعد النبوة فالأمر أوضح، فمن المشركين من كان مرتابًا فيما جاء به النبي - ﷺ -، ومنهم من استيقنت نفسه ولكنهم عاندوا، وكلا الفريقين عرفوا من حاله - ﷺ - سابقًا ولاحقًا أنه لا مجال لاحتمال تعمده الكذب، وأن اتهامه بذلك مكابرة مفضوحة إلى حد أنهم رأوا أن أقرب منها أن يقولوا: مجنون، مع علمهم وعلم كل من عرف النبي ﵌ أنه أعقل الناس.
وفي (المستدرك) ج ٣ ص ٤٥ وغيره في قصة أبن أبي سرج لما جيء به إلى النبي - ﷺ - ليبايعه «فرفع رأيه منظر إليه ثلاثًا «ثم بايعه» ثم أقبل على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أو مأت إلينا بعينك؟ فقال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين» . (١) وجاءت قصة أخرى في
_________________
(١) = «قلت: ما خرجنا لناجية شيئًا» . قلت: وأيضًا فقد قال الترمذي عقب الطريق الأول المرسل: «وهذا أصح» .
(٢) قلت: قال الحاكم عقبة «صحيح على شرط مسلم» . ووافقه الذهبي. قلت: وفيه أحمد بن المفضل وهو صدوق في حفظه شيء. عن أسباط بن نصر، وهو صدوق كثير الخطأ، كما في «التقريب» . وهما من رجال «الميزان» للذهبي، والآخر من «الضعفاء» له. ومن هذا الوجه أخرجه أبو داود أيضًا (٢٦٨٣ و٤٣٥٩) والنسائي (٢ / ١٧٠) وإلى هذا وحده عزاه الحافظ في «الفتح» (٦ / ١٢٠) وسكت عليه، وما بين =
[ ٩٦ ]