وكفى بالاختلاف في هذه القضايا دليلًا، وإن كان المرد إلى قوة المعارض، فمن لم يقوَ عنده معارض القضية سماها عقلية وقطع بها: ومن قوي عنده المعارض سماها وهمية فردها، فهذه كسابقيه، إذ غايته الجزم بالقضية أو الجزم بمعارضها، وقد ثبت أن الجزم يخطئ ويغلط.
وإن هناك معيار صحيح فما هو؟ قالوا: المعيار أن تعرض القضية البديهية المنظور فيها على البديهيات الأخرى، فإن وجدت فيها ما ينتج نقيض هذه القضية علمنا هذه وهمية.
قلت: هبوا أني تمسكت بقضية يقينية، فخالفني مخالف وذكر بديهية أخرى وزعم أنها عقلية يقينية، وأنها تنتج نقيض قضيتي، فقد لا أسلم أن القضية التي ذكرها عقلية يقينية، بل أحتج على أنها وهمية بإنتاجها نقيض قضيتي، وما أنتج نقيض الحق فهو باطل، وإن سلمت أن القضية عقلية فقد لا تكون من القضايا المتفق عليها بين العقلاء، وإذا لم تكن منه لم يؤمن أن تكن في نفس الأمر وهمية وتابعت صحبي على الخطأ، وإن كانت من القضايا المتفق عليها بين العقلاء أو بيني وبين صاحبي فقد لا أسلم صحة استنتاجه، إذ غايته أن تكون صحة بديهية فلعل بداهته وهمية، بدليل مناقضته لقضيتي وما ناقض الحق فهو باطل، فالمعيار الذي ذكرتم لا يفيد إلا حيث تكون القضية المعتبر بها من القضايا المتفق عليها بين العقلاء، وتكون صحة إنتاجها كذلك، وهذه فائدة ضئيلة لا تتأتى في شيء من القضايا التي اختلفتم فيها.
فإن قيل فماذا يقول السلفيون؟
قلت: يقولون: القضية المحتاج إلى التثبت فيها (١) إما غير ماسة بالدين البتة، وإما ماسة به.
_________________
(١) احتراس من القضايا الواضحة ومنها أصل الشرع إلا به. المؤلف
[ ٥٥ ]
فالأولى: لا شأن لهم بها بل يدعونها لعلماء الطبيعة.
وأما الثانية: فإما أن لا تكون من المأخذ السلفي الأول وإما أن تكون منه.
فالأولى: لا يعتدون بها إلا أن بعضه قد يتعرض لها وافقت المأخذين السلفيين.
وأما الثاني فيحكمون فيها الشرع، فإن وجدوه جاء بما يخالفها علوا أنها باطلة، وإن وجدوه أقر الناس على اعتقادهم الديني بحسبها علموا أنها حق، ولأن الشرع لا يقر على مثل هذا إلا وهو حق، فأما إذا زاد الشرع فجاء على وفقها فتلك الغاية.فهذا المعيار هو الذي ارتضاه الله ﷿ لعباده وكره لهم ما عداه، فهو الصراط المستقيم وسبيل الله وسبيل المؤمنين، وله مزايا لا تحصى، ومنها أنه أتم وأعم من معيار المتعمقين الضئيل الفائدة، ومنها أنه لا يؤدي إلى ما وقعوا فيه من الخروج عن الشرع والعقل بنسبتهم الكذب إلى الله تعالى ورسله كما سيأتي شرحه، ومنها انه لا يؤدي إلى الاختلاف في الدين وتفريقه، بدليل أن الصحابة والتابعين عليهم لهم بإحسان لم يختلفوا، فان أدى إلى اختلاف ما فلا يكاد يكون ألا من قبيل الاختلاف في فروع الفقه، لا يلزم المخطئ كفر ولا ضلال، على انه إن خيف اختلاف في الدين كان الواجب على الأكثر في زمن غلب فيه الخير عدم التدقيق، وعلى الأقل كتمان قولهم كما جرى عليه السلف في مسئله القدر، ومنها أن المخطئ إذا لم يقصر تقصيرا بينا يرجى له العفو، لأنه لم ينشأ خطأو هـ عن اتباع غير سبيل المؤمنين، والتماس الهدي من غير الصراط المستقيم، ومنها تيسر المعرفة بدون الخروج عن الصراط المستقيم ولا السبل المفرقة عن سبيل الله ﷿، إذ يكفي للمعرفة العلم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله بدون حاجة إلى التعمق في المنطق والفلسفة.
ومنها أن العامة لا يحتاجون معه إلى التقليد المريب الموقع للمسلمين في الاختلاف والتفرق والتنابذ والتنابز والفتن، لأن القضية أما أن يتفق عليها علماء
[ ٥٦ ]