في (مختصر الصواعق) ج ١ ص ٢٥٢ - ٢٥٦ عبارة طويلة للفخر الرازي سأحاول تلخيصها مع شيء من الإيضاح، المطالب الثلاثة:
الأول: ما يتوقف ثبوت الشرع على ثبوته، كوجود الله وعلمه بالمعلومات كلها، وصدق الرسول، فهذا يستحيل أن يعلم بإخبار الشرع.
الثاني: ثبوت أو إنتفاء ما يقطع العقل بإمكان ثبوته وإمكان انتفائه. فهذا إذا لم يجده الإنسان من نفسه، ولا أدركه بحسه، استحال العلم به إلا من جهة الشرع.
الثالث: وجوب الواجبات، وإمكان الممكنات، واستحالة المستحيلات. فهذا يعلم من طريق العقل بلا إشكال، فأما العلم بإخبار الشارع فمشكل، لأن خبر الشارع في هذا المطلب إن وافقه عليه العقل، فالاعتماد على العقل، وخبر الشارع فضل، وإن خالفه العقل وجب تقديم العقل وتأويل الخبر في قول المحققين، لأن تقديم الخبر على العقل حكم على العقل بأنه غير موثوق به، فيلزم من هذا أن لا
[ ١٦٣ ]
يكون ما ثبت به الشرع موثوقًا به، فيسقط الشرع وما أدى ثبوته إلى انتفائه فهو باطل، وإن لم يعلم موافقة العقل للخبر ولا مخالفته له كان محتملًا أن يكون العقل مخالفًا له فيجيب تأويله، ومع هذا الاحتمال لا يفيد العلم.
قال: «فإن قيل: إن الله سبحانه لما أسمع المكلف الكلام الذي يشعر ظاهره بشيء فلوكان في العقل ما يدل على بطلان ذلك الشيء وجب عليه سبحانه أن يخطر ببال المكلف ذلك الدليل، وإلا كان تلبيسًا من الله تعالى، وإنه غير جائز، قلنا: هذا بناء على قاعدة الحسن والقبح وأنه يجب على سبحانه شيء، ونحن لا نقول بذلك، سلمنا ذلك فلم قلتم: إنه يجب ، وبيانه أن الله إنما يكون ملبسًا على المكلف لوأسمعه كلامًا يمتنع عقلًا أن يريد به إلا ما أشعر به ظاهره، وليس الأمر كذلك، لأن المكلف إذا سمع ذلك الظاهر فبتقدير أن «لا» يكون الأمر كذلك لم يكن مراد الله من ذلك الكلام ما أشعر به الظاهر، فعلى هذا إذا أسمع الله المكلف ذلك الكلام، فلوقطع المكلف لحمله على ظاهره مع قيام الاحتمال الذي ذكرنا كان التقصير واقعًا من المكلف لا من قبل الله تعالى
فخرج بما ذكرنا أن الأدلة النقلية لا يجوز التمسك بها في باب المسائل العقلية، نعم يجوز التمسك بها في المسائل النقلية، تارة لإفادة اليقين كما في مسألة الاجماع وخبر الواحد، وتارة لإفادة الظن كما في الأحكام الشرعية» .
أقول: أما المطلب الأول فقد أعد الله ﵎ لثبوته فطر الناس وعقولهم الفطرية وآيات الآفاق والأنفس، ثم تكفل الشرع بالتنبيه على ذلك وإيضاحه مع تضمنه لآيات أخرى ثم، ثم يتمم الله ﷿ ذلك بالتوفيق لمن استحقه، فمن كان في قلبه محبة للحق ورغبة فيه وإيثار له على ما سواه رزقه الله الإيمان لا محالة، ولهؤلاء درجات بحسب درجاتهم في المحبة والرغبة والإيثار، فمنهم من تقوى هذه الأمور عنده وتصفوفيصفوله اليقين بالفطرة وأدنى نظر. ومنهم من يكون دون ذلك فيحتاج إلى زيادة.
وعلى كل حال، فإن المأخذين السلفيين شافيان مغنيان في تحصيل الحق
[ ١٦٤ ]
من هذا المطلب ضرورة أن الله ﷿ بعث رسله وأنزل كتبه في أقوام لا خبر عندهم لغير المأخذين السلفيين ولا أثر؛ واكتفى بهما وبنى عليهما.
ولا يقف الأمر عند الإستغناء عن المأخذين الخلفيين بل إن شأنهما أن يمانعا حصول الإيمان ويزلزلاه لأسباب:
الأول: أن المشتغل بهما يغفل عن المأخذين السلفيين.
الثاني: أنه يتعرض لشبهات تعتاص عليه فيسوء ظنه بالمأخذين السلفيين.
الثالث: وهو أعظم الأسباب حرمان التوفيق، فإن طالب الحق في غير المأخذين السلفيين إما أن يكون فاقدًا لصدق المحبة والرغبة والإيثار للحق، وإما أن يكون كان عنده شيء من ذلك ولكنه ضعف بإعراضه عن سبيل الله ﷿. فقد يبلغ به الضعف إلى أن يزول أثره البتة، وقد يبقى أثره في الجملة فيبقى العبد مترددًا، وربما يتداركه الله ﷿ في آخر الأمر فيرجع إلى المأخذين السلفيين، وإن كان لا صفوله ذلك كما يصفولمن ثبت عليهما من أول أمره، ولذلك كان إمام الحرمين يتمنى في آخر أمره أن يموت على دين عجائز نيسابور كما تقدم في الباب الأول.
وأما المطلب الثاني فإن أراد الرازي أن الأخبار الشرعية فيه قد تفيد العلم اليقيني فما هي ظاهرة فيه كما يدل عليه قطع الأشاعرة بتنزيه الله ﷿ عن الكذب مع مصيرهم إلى أنه لا حجة في ذلك إلا النصوص كما تقدم، وكما يدل آخر كلام الرازي، وسيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى، فهكذا يلزمه في المطلب الثالث بل هو أولى وأحرى لتعلقه بأعظم أصول الدين فالخطر فيه أشد، واحتياط الشارع له آكد، ويترتب على التلبيس فيه مفاسد عظيمة كما مر في الكلام مع ابن سينا.
وأما المطلب الثالث فقوله: «إن خبر الشارع إذا وافق العقل فالاعتماد على العقل وخبر الشارع فضل» قول مردود عليه، بل إن كان الدليل العقلي من المأخذ السلفي الأول فهما دليلان، وإلا فالنص هو الدليل، والقياس التعمقي فضله كما يعلم مما
[ ١٦٥ ]