عن (مختصر الصواعق)، مع مخالفة يسيرة ستراها إن شاء الله تعالى.
قال العضد في أواخر الموقف الأول من (المواقف) .
المطالب ثلاثة أقسام:
أحدها: هو ما يمكن، أي لا يمتنع عقلًا إثباته ولا نفيه، نحوا جلوس غراب الآن على منارة الإسكندرية، فهذا لا يمكن إثباته إلا بالنقل.
الثاني: ما يتوقف عليه النقل مثل وجود الصانع ونبوة محمد، فهذا لا يثبت إلا بالعقل، إذ لوثبت بالنقل لزم الدور.
الثالث: ما عداهما نحوا الحدوث إذ يمكن لإثبات الصانع دونه، والوحدة، فهذا يمكن إثباته بالعقل إذا يمتنع خلافه عقلًا بالدليل الدال عليه، وبالنقل لعدم توقفه عليه» .
أقول: هذه هي مطالب الرازي وإنما اختلف الترتيب. قال السيد الجرجاني في شرحه للمطلب الأول وهو في ترتيب الرازي الثاني: «لأنه - يعني جلوس غراب على منارة الإسكندرية ونحوه - لكا كان غائبًا عن العقل والحس معًا استحال العلم بوجوده إلا من قول الصادق، ومن هذا القبيل تفاصيل أحوال الجنة والنار والثواب والعقاب » .
أقول: هذا يدل على ما قدمته من أن فرار المتكلمين إلى هذا التقسيم إنما هو محاولة للتخلص من إلزام ابن سينا وقد مر ما فيه. ثم قال العضد:
«الدلائل النقلية هل تفيد اليقين؟: لا، لتوقفه على العلم بالوضع والإرادة، والأول إنما يثبت بنقل اللغة والنحووالصرف، وأصولها تثبت برواية الآحاد، وفروعها بالأقيسة، وكلامها ظنيان. والثاني يتوقف على عدم النقل والاشتراك والمجاز والإضمار والتخصيص والتقديم والتأخير، والكل لجوازه لا يجزم لانتفائه بل غايته الظن، ثم بعد الأمرين لا بد من العلم بعدم المعارض العقلي، إذ لو وجد لقدم على الدليل النقلي
[ ١٧٧ ]
قطعًا، إذ لا يمكن العمل بهما ولا بنقضهما، وتقديم النقل على العقل إبطال للأصل بالفرع، وفيه إبطال للفرع، وإذ أدى إثبات الشيء إلى إبطاله كان مناقضًا لنفسه فكان باطلًا، لكن عدم المعارض العقلي غير يقين، إذ الغاية عدم الوجدان، وهو لا يفيد القطع بعدم الوجود، فقد تحقق أن دلالتها تتوقف على أصول ظنية، لأن الفرع لا يزيد على الأصل في القوة، والحق إنها قد تفيد اليقين بقرائن مشاهدة أو متواترة تدل على انتفاء الاحتمالات، فأنا نعلم استعمال لفظ الأرض والسماء ونحوهما في زمن الرسول في معانيهما التي تراد منها الآن، والتشكيك فيه سفسطة، نعم في إفادتها اليقين في العقليات نظر، لأنه مبني على أنه هل يحصل بمجردها الجزم بعدم المعارض العقلي؟ وهل لقرينه مدخل في ذلك؟ وهما مما لا يمكن الجزم بأحد طرفيه» .
أقول: أصل التشكيك كله للرازي كما يعلم من بعض كتب أصول الفقه.
وأقول: أما نقل اللغة والنحووالصرف فلا ريب أن هناك ألفاظًا يتفرد بنقلها بعض أهل اللغة، وأوجهًا من النحووالصرف يتفرد بحكايتها بعض أهل العربية، لكن الأعم الأغلب من نقل اللغة والصرف والنحوالتواتر، ومحاولة القدح في الجميع بأن البعض ظني مع العلم بأن الأكثر قطعي صنيع أخس من أن يسمى سفسطة كما نعلم من الموازنة بينه وبين ما تقدم عن السوفسطائية في الباب الأول.
وأمل النقل، والمراد به هنا نقل الشارع الكلمة عن معناها اللغوي إلى معنى شرعي، فقد وصف الله ﵎ كتابه بأنه «مبين» وانه «بيان للناس» وأنه «بلسان عربي مبين» وقال: «ثم أنا علينا بيانه»، وأو جب على الناس تدبره وتصديقه والعمل به، وقال: «أنا نحن نزلنا الذكر وأنا له لحافظون»، ولا شبهة أنه ليس المراد حفظ ألفاظه فقط، وإنما المقصود
بحفظه بقاء الحجة قائمة والهداية دائمة إلى قيام الساعة، وبهذا يعلم يقينًا أن الشارع لونقل كلمة عن معناها اللغوي إلى معنى آخر لبين ذلك للناس بيانًا واضحًا، ولوبين لنقل بيانه، لتكفل الله ﷿ بحفظ الدين، ولما يلزم من انقطاع ذلك أن تنقطع الحجة والهداية، فتقوم
[ ١٧٨ ]
الساعة أو يبعث نبي آخر، وقد علمنا أن الدنيا باقية، وأن محمدًا ﵌ خاتم النبيين، وقد تقرر في الأصول أن من الأخبار المقطوع بكذبها ما نقل آحادًا، والعادة تقضي أنه لو وقع لنقل متواترًا، فما لم ينقل آحادًا من ذلك فالقطع بعدم وقوعه أوضح. وفوق هذا فإن السياق كثيرًا ما يعين معنى الكلمة حتى لمن يجهل أصل معناها، وكثير من الكلمات تتكرر في الكتاب والسنة ويدل السياق في كثير من تلك المواضع أو أكثرها على معنى الكلمة، وهكذا يكثر استعمالها على ألسنة حملة الشرع من الصحابة والتابعين، بل كثيرًا ما يدل السياق في الكلمة التي قد ثبت أن الشارع نقلها على أنها في ذلك الموضع ليست بالمعنى المنقولة إليه كقوله تعالى: «إن الله والملائكة يصلون على النبي»، (١) وقوله تعالى: «ولا تزكوا أنفسكم هو اعلم بمن أتقى»، وغير ذلك، فما بالك بما لم يأت أنه نقل إلى معنى آخر.
ونحوهذا يأتي في الاشتراك والمجاز والإضمار والتخصيص والتقديم والتأخير، وقد تقرر أن الظاهر حجة، وأن من استعمل الكلمة في غير المعنى الظاهر منها كان عليه أن ينصب قرينة وإلا كان الكلام كذبًا، واحتمال قرينة لم تنقل يرده ما تقدم من تكفل الله ﷿ بالبيان وبحفظ الشريعة، وقضاء العادة بأنها لوكانت هناك قرينة لنقلت، وكثيرًا ما تقوم الحجة القاطعة على أن الكلام على ظاهره، إما من الكلام نفسه بتركيبه وسياقه، وأما بمعونة نظائره في الكتاب والسنة، وقد أخطأ أفراد من الصحابة في فهم قوله تعالى: « وكلوا وأشربوا حتى يتبين لكم
_________________
(١) كأنه يشير إلى أن لفظ (يصلون) في الآية الأولى ولفظ (تزكوا) في الثانية منقول عن وضعه اللغوي، وهذا وإن ظهر في لفظ (يصلون) فلا يظهر في لفظ (تزكوا) . م ع يقول المؤلف: عبارتي واضحة في غير هذا، إنما أردت أن الشارع نقل لفظ الصلاة إلى ذات الركوع والسجود ولفظ الزكاة إلى أداء زكاة المال. ومع ذلك فسياق الآية الأولى يبين أن الصلاة فيها غير ذات الركوع والسجود، وسياق الثانية تبين أن الزكاة فيها غير أداء زكاة المال.
[ ١٧٩ ]
الخيط الأبيض من الخيط الأسود»، مع أن خطأهم إنما كان لغفلتهم عن السياق والقرائن كما أوضحته في رسالة (أحكام الكذب)، ومع ذلك كان خطأ أولئك الأفراد سببًا لإنزال الله ﷿ بقية الآية زيادة في البيان والإيضاح، فكيف يعقل أن يكون النص في العقائد ثم تخفى القرينة على جميع الصحابة ثم لا يبين الله لهم، أو يعرفها جماعة منهم ثم لا يبالون بنقلها، ولا يبعثهم الله تعالى على نقلهم نقلًا متواترًا يصل إليه علماء الرواية فيشيعونه ويذيعونه؟ ! ولا ريب أنه كما كان الصحابة مخاطبين بالنصوص فكذلك من بعدهم وكما تترتب المفسدة الشديدة على جهل الأولين بالقرينة فكذلك من بعدهم، غاية الأمر أن القرينة وإن كانت في حق المخاطبين الأولين لا بد أن تقترن بالنص فقد يجوز أن يستغني بعض النقلة باشتهارها فلا ينقلها مع النص، لكن لا يلزم من هذا ألان لا تنقل، بل لا بد من النقل لما تقدم، فإذا طلبها العلماء في مظانها فلم يجدوها، وحقها أن تنقل نقلًا متواترًا تواترًا يناله العلماء، قطعوا بأنها لم تنقل كذلك، فقطعوا بعدمها، فقطعوا بأن النص على ظاهره.
وليس الحال فيما يتعلق بالعقائد كالحال فيما يتعلق بالأحكام، فإن الأحكام يجوز فيها أن تنقل القرينة آحادًا فقط لأن الخطأ في ذلك أمر هين، وقد يكون الخطأ بالنظر إلى النصوص في الأحكام صوابًا بالنظر إلى الحكمة، فإن القوانين الشرعية تبنى على الأغلب في الحكمة، ولكن الله ﵎ يتولى تطبيق الحكمة بقضائه وقدره، فكما فرض الله تعالى الحكم بشهادة العدلين، وقد يتفق أن يخطئ عدلان، لكن الله ﵎ يتولى في مثل هذا تطبيق الحكمة بقضائه وبقدره، فكذلك قد يعرف القاضي دليلًا عامًا فيقضى به، وهناك مخصص له لم يقف عليه، فهذا القضاء وإن كان خطأ بالنظر إلى نفس الأمر بحسب الدلائل، فلعله صواب عند الله ﷿ بمقتضى الحكمة في تلك القضية، فأما العقائد فعلى خلاف هذا إذا لا يعقل تغيير الحكمة فيها، وكما يضر فيها القطع بالباطل فقريب منه الظن، فهب أن العالم
[ ١٨٠ ]